يحتل شهر آذار/مارس مكانةً فريدةً ومركزيةً في الوجدان الشعبي والتراث الفلاحي الفلسطيني، فهو ليس مجرد محطة زمنية عابرة في التقويم، بل هو "الجسر" الوجداني والمناخي الذي يربط بين رحيل برد الشتاء القارس وبزوغ شمس الربيع الدافئة. يُوصف آذار في الموروث الشفوي بأنه "الغدار"، كيف لا وهو شهر الحركة والتبديل، ففيه تصحو الأرض من سباتها الشتوي العميق، وتتبدل ملامح الطبيعة، وتختلط السماء بالمطر والرعد والشمس الدافئة في آنٍ واحد.
آذار هو الشهر الذي تُوزن فيه خصوبة السنة؛ ففيه يتحول قلق الفلاحين إلى ترقبٍ حذر، حيث تُقرأ إشارات السماء على وجه الحقول الخضراء لتقرر مصائر المحاصيل الزراعية التي انتظرها الفلاح طويلاً. هذا التداخل بين الأمل في "مطر الرحمة" والخوف من "برد المستقرظات" جعل من آذار محورًا لعشرات الأساطير والحكايات والأمثال التي توثق ذكاء الفلسطيني في التكيف مع تقلبات الطبيعة الحادة، وفهمه العميق لدورات الكون الحيوية.
صاغ المخيال الشعبي الفلسطيني أساطير مذهلة لتفسير تقلبات آذار، ومن أشهرها "أسطورة العجوز والمستقرضات"
أولًا: أصل التسمية
آذار هو الشهر الثالث في التقويم الجريجوري، وهو مرادف لشهر مارس، وأصل التسمية بابلية/سريانية (أدارو) وتعني "الهدار" أو "الشديد" لكثرة العواصف والأمطار فيه.
أما في التوصيف الشعبي، فقد حظي آذار بألقاب تعكس قوته وعنفوانه؛ فيُعرف بـ "آذار الهدار" لقوة رعده وصواعقه التي تهز الجبال، و"آذار أبو الزلازل والأمطار" إشارةً إلى الاضطرابات الجوية العنيفة التي قد تحدث فيه. ورغم هذا العنفوان، يمثل آذار لحظة توازن كوني كبرى؛ إذ يحدث فيه "الاعتدال الربيعي" (في 21 منه)، حيث يتساوى طول الليل مع النهار، وهي اللحظة التي يبدأ فيها الكون بالتحول التدريجي نحو السيادة الضوئية والدفء، مما يبعث في النفس طاقةً من الأمل والتجدد.
ثانيًا: الظواهر الجوية والتقلبات المناخية
يتسم آذار بكونه شهرًا "غدارًا" وغير مأمون الجانب، وهو ما لخصه الفلاح بقوله "آذار ساعة شميسة وساعة أمطار وساعة مقاقاة الشنار". ومن أبرز معالمه المناخية:
المستقرظات (أيام العجوز): هي أخطر فترات آذار، وتتكون من سبعة أيام (ثلاثة في أواخر شباط وأربعة في أوائل آذار). تتميز هذه الأيام بشدة بردها ورياحها العاتية، وتُعتبر "الرمق الأخير" للشتاء قبل الانسحاب.
الثلوج المفاجئة: سجلت الذاكرة الفلسطينية سنوات تاريخية سقطت فيها الثلوج بغزارة في آذار مثل العام 1910، مما أدى أحيانًا إلى محاصرة القرى. ويؤمن الفلاحون بأن لآذار "سبع ثلجات كبار" يتبعها بريق الربيع، ولذلك يحذرون دائمًا من التخلي عن وسائل التدفئة مبكرًا "خبي حطباتك لكبار لعمك آذار".
مطر آذار: يُعد مطر هذا الشهر حيويًا وحاسمًا لامتلاء سنابل القمح والشعير "آذار حَبَّل ونيسان سَبَّل". فبدون هذا المطر المتأخر، قد تجف المحاصيل قبل الإزهار وتتحول إلى قشٍ بلا حبوب. لذا، يستبشر الفلاحون برعد آذار ويعتبرونه "صيحة الخير" التي تملأ الأرض بركةً.
فيضان بئر أيوب ورياح الخماسين: في القدس، كان يُعتبر فيضان "بئر أيوب" في آذار علامةً كبرى على وفرة الأمطار، بينما تبدأ في أواخر الشهر رياح الخماسين الجافة والمحملة بالأتربة، مؤذنةً بانتهاء فصل البرد تمامًا.
ثالثًا: الأساطير والحكايات المرتبطة بشهر آذار
صاغ المخيال الشعبي الفلسطيني أساطير مذهلة لتفسير تقلبات آذار، ومن أشهرها "أسطورة العجوز والمستقرضات". تروي الحكاية أن امرأةً عجوزًا كانت تملك قطيعًا من الغنم، وعندما شارف شهر شباط على الانتهاء دون أمطار غزيرة، بدأت العجوز بالسخرية من شباط قائلة: "راح شباط وحطينا في قفاه مِخباط (أي لم يؤذنا ببرده)". غضب شباط من سخريتها واستنجد بأخيه آذار قائلاً: " آذار يا ابن عمي، ثلاثة منك وأربعة مني، لنخلي العجوز بالوادي تغني (تغرق)". وبالفعل، استقرض شباط أيامًا من آذار وهبت عاصفة هوجاء ماطرة قضت على قطيع العجوز، ومن هنا جاء التحذير الشعبي من الاستهانة ببرد أواخر الشتاء.
هناك أيضًا أسطورة "سعد وبنت الجبل"، حيث يُفسر الفلاحون الرياح القوية والعواصف بأنها نتيجة صراعٍ أسطوري مستمر بين "بنت الجبل" (وهي النسخة المؤنثة من بعل إله المطر) والشخصية الأسطورية "سعد"، حيث تطارده في الجبال والوديان، مما يسبب هذا الاضطراب الدائم في الجو بين الدفء المفاجئ والبرد المباغت.
رابعًا: آذار ذروة النشاط الفلاحي
يمثل آذار "ساعة الصفر" في التقويم الزراعي، ففيه يتحدد شكل الموسم حيث يُعتبر ذروة العمل الزراعي:
التعشيب (النقش): يُعد "العشّاب" في آذار أهم من "الحرّاث"، حيث تنشط العائلات في "تعشيب" الحقول لإزالة الأعشاب الضارة التي تنافس المحاصيل على الغذاء والماء "العَشّاب سَبَق الكَرّاب".
الحراثة الربيعية (الكراب): تبدأ حراثة الأرض المخصصة للمحاصيل الصيفية مثل الذرة والسمسم والحمص والبندورة البعلية، يحرث الفلاح الأرض بعمق لتهويتها وتخزين الرطوبة، ويقال: "احرث في آذار لو السيل كرّار".
تقليم الكروم: يتم إنهاء تقليم أشجار العنب واللوزيات قبل "جريان النسغ" (الماء في الأغصان)، فإذا تأخر الفلاح في التقليم، "بكت" الدالية، وهو ما يُعتبر نذير شؤم على المحصول.
خروج القطعان: مع اخضرار الوهاد والوديان، تُخرج الماشية من الحظائر الضيقة إلى المراعي المفتوحة، ويقال: "في آذار بيطلع البقر من الدار" لتنعم بـ "عشب آذار" الغني بالبروتين.
خامسًا: الزهور والنباتات
يتحول الريف الفلسطيني في آذار إلى لوحةٍ سريالية من الألوان والروائح، فيما يُعرف بذروة "النهضة النباتية":
الأزهار البرية: تتفتح "شقائق النعمان" (الحنون) بلونها الأحمر القاني، وتنتشر "السوسنيات" الملكية، و"بخور مريم" الذي ينمو بين الصخور، والأقحوان الأصفر والأبيض، وزنابق التوليب التي تغطي السهول.
النباتات المأكولة: آذار هو شهر "العكوب" بامتياز، حيث تخرج العائلات إلى الجبال لجمعه وتصنيفه كملكٍ للمائدة الفلسطينية. كما يبرز "اللوف" الذي يحتاج مهارةً في الطبخ لإزالة لسعته، و"الخبيزة" و"الهندباء" (العلك) و"القرصعنة" وغيرها الكثير.
الأشجار: تكتسي اللوزيات التي أزهرت في شباط بأوراقها الخضراء الطرية، وتبدأ أوراق البلوط بالظهور، وتتفتح براعم التين والعنب.
سادسًا: المعتقدات الشعبية والطقوس الاجتماعية
ارتبط آذار بمجموعةٍ من المعتقدات التي تدمج بين الروحانية والعادات المتوارثة
سعد الخبايا: يُعتقد شعبيًا أنه في آذار يبدأ "سعد الخبايا"، وهي المرحلة التي تدب فيها الروح في الأرض وتخرج الحشرات والأفاعي من مخابئها، وتسري الحرارة في عروق الأشجار.
عيد الأربعين شهيدًا: يحيي الفلسطينيون هذا اليوم بإشعال أربعين فتيلةً في الزيت، تيمنًا بذكرى الأربعين شهيدًا الذين صمدوا في وجه البرد القارس، ويُعتبر هذا اليوم مؤشرًا على انتهاء خطر الصقيع القاتل.
باكورة الحصاد: من الطقوس اللطيفة قيام الفلاحين بإحضار سنابل الشعير الخضراء الطرية (الفريكة) إلى المدن وتقديمها كتحية "سلام" للضيوف أو الجيران، وهي بادرة استبشارٍ بقرب موسم الحصاد الوفير.
أحَد النُصّ: في منتصف الصوم المسيحي الكبير، تجتمع النسوة لقص وتفصيل الأثواب الجديدة استعدادًا للعيد، وهو موعد اجتماعي يربط بين الدورة الدينية والزراعية.
سابعًا: الأمثال الشعبية (مرآة الحكمة الفلاحية)
لخصت الأمثال الفلسطينية شخصية آذار بكل دقة، وهي تُقسم إلى عدة فئات:
أمثال تصف التقلب والبرد
"برد آذار بقص المسمار": إشارةً إلى أن البرد في آذار قد يكون أشد إيلامًا من برد كانون لأنه يأتي بعد فترة دفء.
"في آذار العجوز ما تفارق النار".
"بيضل البرد قايم طول ما المسيحي صايم" إشارةً إلى الصوم الأربعيني الذي يتزامن مع آذار.
أمثال تصف الخير والنمو
"آذار حَبَّل ونيسان سَبَّل": أي أن حبات القمح تتشكل وتنمو بداخل السنابل في آذار، لتظهر بوضوح في نيسان.
"السنة بآذارها، والمرأة بإزارها": آذار هو الميزان الحقيقي لخير السنة الزراعية.
"في آذار بحيي الأشجار وبتبيض الأطيار": إشارة إلى دورة الحياة الكاملة.
"إن أخصبت وراها آذار.. وإن أمحلت وراها آذار".
"إن لَسّن الزيتون في آذار ولفوا لهُ الجرار".
أمثال تصف الدفء
"آذار أوله سقعة وآخره نار": يصف التدرج الحراري السريع خلال الشهر.
"في آذار بينام الأعزب بباب الدار": دليل على أن الليالي في نهاية الشهر تصبح دافئة ومريحة.
أمثال الممارسات الزراعية
"حشيش آذار للشطار وحشيش نيسان للكسلان": حث على جمع النباتات البرية والتعشيب في وقت مبكر قبل أن تجف أو تكبر أكثر من اللازم.
"في آذار بعشِّش الدوري، وبتورق الأشجار، بحمِّظ اللبن وبكثر الحشيش وبيبرطع الكديش" وهو يلخص حالة "الانفجار الحيوي"؛ فكل شيء في الطبيعة يتحرك، ينمو، ويفرح. يقول المثل "في آذار افطم ابنك ولو أنه قد الشنار"، وكذلك فإن "الدنيا بآذار متل العروس بالدار".
خاتمة: آذار ذاكرة الأرض والهوية
يظل شهر آذار في التراث الفلسطيني أكثر من مجرد ثلاثين يومًا؛ إنه تجسيدٌ لعلاقة الإنسان بأرضه، وصراع البقاء مع الطبيعة، والاحتفاء بالجمال. هو شهر المرأة وشهر الأرض، كيف لا وفيه يوم الأرض الذي يحتفل به الفلسطينيون كل عام رمزًا للتمسك بالأرض. وهو الشهر الذي يختبر صبر الفلاح وتدبيره، ويمنحه في النهاية مكافأةً بصريةً وغذائيةً لا تُضاهى. إن الحفاظ على هذا الموروث من حكايات وأمثال حول آذار هو جزءٌ من الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية المرتبطة بتراب الأرض ودورة فصولها، حيث يبقى آذار دومًا هو "المنادي" الذي يعلن للعالم أن الأرض قد قامت من سباتها، وأن موسم الخير قد بدأ فعلًا.