بكثير من الحكايا والقصص بدأت تتحدث إلينا الحكواتية أحلام العمصي عن حياتها وكيف بدأت فن الرواية الشعبية الشفوية كمهنة وعلم.
ولدت أحلام في مستشفى الشفاء بغزة عام 1961، وسكنت حي الشاطئ من عائلة لاجئة منذ العام 1948 من قرية "السوافر الشرقية" قضاء غزة. كان والدها يوسف العمصي من الثوار الذين شاركوا في معركة الكرامة عام 1968 في الأردن، ولظروف قاهرة اضطرت أحلام للسفر إلى الأردن مع عائلتها. وعادت أحلام مع زوجها إلى غزة عام 1997، بعدها انتقلت للعيش في الضفة الغربية التي تقيم بها حتى إعداد هذه القصة.
"نحن حكواتيات بالفطرة". ترى أحلام أن ما يميز حكايا النساء عن الرجال هو أن الرجال يحكون القصص في الفضاء العام
تجربة أحلام وتنقلها في أنحاء البلاد والشتات جعلها تحمل في جعبتها العديد من القصص والحكايا "حكايات الجدات والأمهات" التي يجب أن تُروى، وهو ما جعلها تصر على امتهان هذه المهنة والتطور فيها ودراستها. في العام 2023 أخذت تدريبًا متخصصًا من مركز سراج عن "فن الحكي"، رغم أنها امتهنت هذه المهنة منذ كانت معلمة للغة العربية في مدرسة البيرة الأساسية حتى أواخر عام 2020، إذ كانت تشرح الدروس بطريقة قصصية على طالباتها وتسرد القصص الشعبية الأخرى في كل فرصة تسنح لها، انطلاقًا من فكرة "كوننا فلسطينيين على هذه الأرض فإن قصصنا الشخصية يجب أن تُحكى كما قصصنا العامة في ظل محاولات المحو لروايتنا التي نواجهها في بلاد تحت الاحتلال".
ميراث من القصص
لم تأتِ فكرة الحكاية لدى أحلام من فراغ، بل من قصص عاشت بعضها وورثت بعضها الآخر منذ طفولتها. "أمي، الوطن، والتهجير المتتالي أشياء ألهمتني للحكاية". ولعل أبرز قصة حملتها طوال حياتها هي من أمها التي ما كانت تمل من روايتها مجددًا، وتروي فحواها: "أمي حملت ابن أختها الشهيد أحمد أبو عيشة، الذي استشهد في معركة مع جنود الاحتلال الإنجليزي وقتذاك قبل النكبة في قرية اسمها بيت دارس بالقرب من قريتنا السوافر الشرقية - كلاهما قضاء غزة". وتضيف: "سردت أمي تفاصيل كيف نقلت هي وأختها جثمان الشهيد على العربة من بيت دارس إلى السوافر معًا، ودفنتاه في حاكورة البيارة بجوار منزل العائلة". "كل مرة كانت أمي تحكي القصة تبكي بحرقة كأنها أول مرة"، تشير أحلام.
وتقول أحلام إنه على الرغم من الألم الذي نعيشه حين نحكي قصة شخصية تعنينا، إلا أنه مع مرور الوقت يمتزج الألم بالفخر والاعتزاز؛ الشهيد فخر، والنضال فخر، وكل ما نعيشه في هذه البلاد يجب أن نعتز به مهما كان.
النساء حكواتيات بالفطرة
"نحن حكواتيات بالفطرة". ترى أحلام أن ما يميز حكايا النساء عن الرجال هو أن الرجال يحكون القصص في الفضاء العام، وغالبًا ما يكون هدفها إما مهنة أو من باب المباهاة بتجربة شخصية، لكن النساء يحكين قصصهن في المطابخ والبيوت والمساحات الخاصة، ويحيكن القصص لأطفالهن عند النوم أو في لمة للأحفاد، وهو ما يجعل قصصهن مليئة بالمشاعر والتفاصيل التي تثري القصص. وعلى ذلك فإن للنساء ميزة في الرواية غالبًا، وإذا عدنا لأصل الحكاية فمصدرها الجدات المثقفات الواعيات الثائرات اللواتي عاصرن تفاصيل الحياة ما قبل النكبة وما بعدها حتى اليوم.
على الرغم من أن أحلام درست اللغة العربية، إلا أن قصصها باللهجة الفلسطينية العامية. وفي هذا السياق تقول أحلام إن سرد القصة بألفاظها مهما كانت هو جزء أصيل من عاداتنا وتقاليدنا بحيث لا يمكننا التنصل منه، وهو ما يعزز مصداقية القصة. فأي تعديل أو معالجة لجوهر الحكاية يضعفها ويتيح مجالًا لتكذيبها، في وقت نحن أحوج ما يمكن أن نوثق قصصنا ونصدقها أمام أنفسنا أولًا. فعلينا أن نحكي قصة نص نصيص والشاطر حسن وحديدون وقصص الغولة وغيرها. في ذات الوقت لا ضير في بعض التجديد أو الإضافة على القصة بما لا يضر المضمون، في محاولة لجعل القصة الشعبية تواكب العصر الحديث.
رواية الحكاية لأطفالنا
وترى أحلام أن قلة من الحكائيين يحملون الحكاية كرسالة وأمانة، ومنهم الحكائي الراحل حمزة العقرباوي، التي جاءت وفاته طعنة في سلسلة الرواية الفلسطينية، ومع ذلك "علينا أن نكمل ما بدأ به".
روت أحلام حكاياها أمام محافل دولية في روما، وروت أول حكاية لها عن غزة، لكنها ترى أن الأهم هو رواية الحكايا أمام الأطفال أصحاب القضية، كجزء من نبش ذاكرة الكبار وحجز مكان في ذاكرة الصغار لحكايتنا الفلسطينية. وتقول: "اليوم نحن أحوج ما يمكن لذاكرة تزخر بخراريفنا وقصصنا في ظل ما يحدث على الأرض من إبادة في قطاع غزة واستيطان في الضفة الغربية".
الحكايا كالثوب الفلسطيني
الحكايا كالثوب الفلسطيني، تقول أحلام، تختلف من مكان لآخر؛ فحكايا المدينة تختلف عن حكايا القرية وكذلك المخيم، وحكايا السهل تختلف عن الجبل، وكل يتبع المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. غير أن قرانا الفلسطينية تكاد تكون الأغنى من ناحية القصص والحكايا نظرًا لطبيعة وقساوة العيش في القرى، حيث الفلاحون الذين يقضون يومهم كاملًا في الأرض بين الحصيدة والحراثة والزرع وقطف الثمار وغيرها، وهو ما يجعل مجالًا واسعًا لتناقل القصص والحكايا بين الناس؛ فضاء واسع مليء بالأولاد والأحفاد. ولأن بدايات الإقطاعيات كانت في القرى أيضًا، فقد أوجد هذا النظام العديد من القصص وأبطالها، تقول أحلام.
ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة..
وعن تدوين القصص وتوثيقها تشير أحلام إلى أنها بدأت بالفعل بتدوين القصص الشفوية من مصادر مختلفة، لتعتمد على الرواية الأقرب للصواب، وبدأت بكتابتها تفاديًا لضياعها. وتبدي استعدادها بشكل طوعي لأي فعالية تفتح لها المجال لسرد هذه القصص في كل المناسبات، وهو ما تفعله بالفعل في الوقت الحالي. وتقتبس أحلام من العقرباوي قوله: "ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة".
غادرنا منزل أحلام ولم تغادرنا قصصها المختلفة؛ سواء حكاية دار أبو حصيرة في مخيم الشاطئ، كبار تجار السمك في غزة، أو سوق فراس، ذلك السوق الذي سمي نسبة للشهيد فراس العجلوني أحد المقاومين الذين قاوموا الاستعمار البريطاني، وعن قصة المسحراتي ذي الأصل اللداوي الذي كان ينادي للسحور في عمان وكان جده مسحراتي اللد قبل النكبة، وعن قصة والدتها في الأردن التي لم تترك تنكة زيت إلا وزرعت فيها شتلة أو زهرة لعلها تستحضر جزءًا من الوطن بتلك التنكة.
وختمت أحلام، بالقول إن "من يحكي الحكاية ليس تاجرًا للكلام أو بائع أرض ولا كاذب، وفي النهاية ستظهر الحقيقة كما هي. حاول الإسرائيليون تزييف ثوبنا الفلسطيني وألبسوه لمضيفات الطيران، لكنهم لم ينجحوا في طمس فلسطينيته، لذلك لن ينجحوا أيضًا في تزييف حكاياتنا ما دمنا نتناقلها من جيل إلى جيل".