ultracheck
تقارير

أرحام الأمهات في غزة.. ساحة أخرى لحرب الإبادة الإسرائيلية

8 يوليو 2026
أرحام الأمهات في غزة.. ساحة أخرى لحرب الإبادة الإسرائيلية
تعيش النساء الحوامل في غزة معاناة مضاعفة ومركبة | gettyimages
أحلام حماد
أحلام حماد

كانت ألفت (38 عامًا) قد تجاوزت الشهر السادس من الحمل، وبدأت تستعد لاستقبال مولودها الجديد، عندما فوجئت بتعرضها للإجهاض. لم يكن هذا الجنين الأول لألفت، فهي لا تعاني من مشاكل في الحمل، لكن حملها الثاني خلال الحرب انتهى أيضًا بالإجهاض.

 ارتفع معدل الإجهاض إلى 460 حالة لكل ألف مولود حي خلال نيسان/أبريل الماضي، بعدما كان لا يتجاوز 140 حالة لكل ألف مولود حي قبل الحرب

تعيش ألفت داخل خيمة نزوح لا تحجب عنها حرارة الصيف ولا برد الشتاء، ولا تزال تفاصيل تجربتي الحمل القاسيتين حاضرة في ذاكرتها، إذ تؤكد أن ما عاشته لم يكن إلا نتيجة للواقع الذي فرضته الحرب.

تروي ألفت كيف أن كل صفحات كتاب حياتها تحكي مواقف مع المرض والجوع والدخان المنبعث من نار الحطب، وتقول: "كل الكلمات لا تعبر عن سوء الواقع المعيشي لدينا في خيام النزوح. فنحن نعاني من قلة النظافة، ومن سوء التغذية الحاد، والمياه غير النظيفة، والبيئة المليئة بالحشرات والقوارض".

تعاني ألفت من الربو، ويمنعها الأطباء من التعرض للدخان أو النار، لكنها تجد نفسها مضطرة لإشعال الحطب يوميًا لإعداد الطعام لأسرتها.

وتقول: "أعاني من أزمة، وضيق بالتنفس، ويمنع علي التعرض للنار والدخان، لكنني مضطرة لاستخدام نار الحطب كل يوم حتى أوفر الطعام لأطفالي. فزوجي مصاب حرب، وأطفالي ما زالوا صغارًا، وأنا أتحمل مسؤولية الأسرة كاملة".

يقول أطباء وخبراء حقوقيون إن إسرائيل نفذت إبادة إنجابية في قطاع غزة، تؤكدها أرقام وزارة الصحة التي أفادت بتسجيل 921 حالة إجهاض بين النساء الحوامل خلال شهر نيسان/أبريل الماضي وحده.

وخلصت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن استهداف الاحتلال لمراكز رعاية الأمومة وحديثي الولادة في غزة ألحق ضررًا مباشرًا ببقاء الأطفال حديثي الولادة وبمستقبل الفلسطينيين الإنجابي، من خلال ارتفاع معدلات الإجهاض العفوي، والتشوهات الخلقية، والإعاقات الدائمة بين الأطفال حديثي الولادة، مؤكدة أن كل ذلك ألحق ضررًا باستمرارية السكان الفلسطينيين.

وفي تقرير حديث للجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، أكدت اللجنة أن "الاستهداف المتعمد للأطفال هو أحد العناصر الرئيسية التي تثبت نية الإبادة الجماعية لدى السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن، بغية تدمير المجموعة الفلسطينية كليًا أو جزئيًا في غزة".

أرقام صادمة

ويكشف تقرير حديث لوزارة الصحة بعنوان "حالات الإجهاض في زمن الحرب والتداعيات الكارثية" عن تغيرات غير مسبوقة في المؤشرات الصحية والديموغرافية داخل القطاع.

ووفقًا للتقرير، ارتفع معدل الإجهاض إلى 460 حالة لكل ألف مولود حي خلال نيسان/أبريل الماضي، بعدما كان لا يتجاوز 140 حالة لكل ألف مولود حي قبل الحرب.

ويوثق التقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير 2025 ونيسان/أبريل 2026، ما وصفه بـ "الانهيار الوبائي والديموغرافي"، مؤكدًا وجود تدهور حاد في قدرة البيئة الرحمية على دعم حياة الأجنة، نتيجة تداخل عوامل الجوع، وانهيار الخدمات الصحية، والنزوح المستمر، والتلوث البيئي.

كما يرصد التقرير انتشارًا واسعًا لفقر الدم بين النساء الحوامل، إذ يبلغ متوسط الإصابة بالأنيميا 57%، أي ما يقارب ضعف المعدلات العالمية، مبينًا أن هذه النسبة تعكس انهيارًا في الأمن الغذائي، حيث تُستنزف أجسام الأمهات بيولوجيًا قبل أن تفقد أجنّتها.

ويظهر التقرير أنه في تشرين الثاني/نوفمبر سجل القطاع 6076 مولودًا، قبل أن ينخفض العدد في نيسان/أبريل 2026 إلى 2004 مواليد فقط، أي بتراجع بلغ 67%.

ويصف التقرير هذا التحول بأنه مؤشر على "الاستنزاف الجنيني"، موضحًا أن النظام السكاني في غزة لم يعد قادرًا على تعويض خسائره البشرية، وبات الإجهاض يمثل العامل الأكثر استنزافا للنمو السكاني.

مواليد الحرب

يصف مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي الدكتور أحمد الفرا ما يحدث في قطاع غزة بأنه انعكاس مباشر لانهيار البيئة الصحية والمعيشية التي يفترض أن تحتضن الحمل والولادة.

ويقول لـ"الترا فلسطين" إن المقارنة بين سنوات ما قبل الحرب وما بعدها تكشف حجم التغير الذي أصاب الواقع الديموغرافي، مبينًا أن عام 2022 شهد ولادة نحو 57 ألف طفل، بينما انخفض العدد في عام 2023، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب، إلى 54 ألف مولود.

ومع استمرار الحرب، تراجع عدد المواليد بصورة أكثر حدة، إذ لم يتجاوز 38 ألف مولود خلال عام 2024، قبل أن يرتفع في عام 2025 إلى نحو 50 ألف مولود، لكنه ظل أقل بنسبة 13% من المعدل الطبيعي للمواليد قبل الحرب.

أما العام الجاري، فيصفه الفرا بأنه الأكثر خطورة منذ بدء الحرب، حيث سجلت المستشفيات ولادة نحو 15 ألف طفل فقط منذ مطلع كانون الثاني/يناير وحتى الآن، بينما تشير التقديرات إلى أن إجمالي المواليد مع نهاية العام لن يتجاوز 30 ألف مولود، وهو أدنى رقم يسجل منذ اندلاع الحرب.

ويرى الفرا أن هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عما يصفه بـ"الإبادة الصحية" التي يتعرض لها القطاع، مؤكدًا أن الاحتلال لا يستهدف الإنسان بالقصف فحسب، وإنما يهاجم أيضًا المنظومة الصحية التي يفترض أن تحمي حياة المدنيين، وفي مقدمتهم النساء الحوامل والأطفال.

ويعزو الانخفاض المتواصل في معدلات الولادة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ بفقدان النساء للخصوصية نتيجة النزوح المتكرر، إلى جانب سوء التغذية، والمياه غير الصالحة للشرب، وغياب البيئة الآمنة، والنقص الحاد في الفيتامينات والمكملات الغذائية، فضلاً عن انهيار خدمات متابعة الحمل والرعاية الصحية.

ويشير الفرا إلى أن هذه الظروف مجتمعة رفعت معدلات الإجهاض بنسبة 47% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

بيئة لا تحتمل الحمل

يشير استشاري الولادة في مجمع ناصر الطبي الدكتور غسان مسلم إلى أن الرعاية الصحية السليمة تبدأ قبل الحمل، عندما تحصل المرأة على غذاء متوازن ومكملات غذائية أساسية، وفي مقدمتها حمض الفوليك، الذي يعد أحد أهم العناصر الوقائية من كثير من التشوهات الخلقية التي قد تصيب الأجنة، لكن هذه المقومات، كما يقول، أصبحت شبه غائبة في القطاع.

ويقول مسلم لـ "الترا فلسطين" إن الحرب والظروف المعيشية القاسية، خاصة خلال فترات المجاعة ونقص الغذاء، حرمت النساء من أبسط مقومات التغذية والرعاية الصحية، ما أدى إلى استنزاف مخزون أجسادهن من الفيتامينات والعناصر الغذائية اللازمة لنمو الأجنة بصورة طبيعية.

ويوضح مسلم أن الجنين يعتمد بصورة كاملة على مخزون الأم الغذائي طوال فترة الحمل، لذلك فإن أي نقص في الفيتامينات أو المعادن الأساسية ينعكس مباشرة على عملية تكوين أعضاء الجنين.

وبيّن أن هذا النقص قد يؤثر في نمو القلب والأوعية الدموية، والجهاز الهضمي، والجهاز البولي، وغيرها من الأعضاء، وقد يصل الأمر إلى توقف نمو بعضها أو إصابة الجنين بتشوهات خلقية دائمة.

نقص الفيتامينات والمعادن في المخزون الغذائي للأم طوال فترة الحمل ينعكس مباشرة على عملية تكوين أعضاء الجنين، وقد يصل الأمر إلى توقف نمو بعضها أو إصابة الجنين بتشوهات خلقية دائمة

ويشير مسلم إلى أن النساء الحوامل في غزة يعشن تحت ضغوط نفسية وجسدية غير مسبوقة، تبدأ بالخوف الدائم من القصف، ولا تنتهي بالتعرض للغازات والانبعاثات السامة الناتجة عن الانفجارات، إضافة إلى الإرهاق الناتج عن النزوح المتكرر وصعوبة النوم داخل الخيام.

ويؤكد أن هذه الظروف مجتمعة ترفع بصورة كبيرة احتمالات الإجهاض ومضاعفات الحمل، فضلاً عن أن البيئة التي تعيش فيها النساء الحوامل أصبحت بحد ذاتها مصدرًا للخطر، حيث تنتشر الحشرات والقوارض وتتراكم النفايات، وهو ما يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض والالتهابات التي قد تؤدي إلى وفاة الجنين داخل الرحم أو إلى مضاعفات خطيرة تهدد استمرار الحمل.

إبادة ممنهجة

ويقول مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي لـ "الترا فلسطين" إن تدمير المستشفيات، ومنع وصول العلاج والدواء والتطعيمات، وتعمد الإضرار بالأطفال والنساء الحوامل، يشكل أحد مكونات جريمة الإبادة الجماعية.

ويؤكد السكافي أن سياسة التجويع الممنهجة، مقترنة بالنزوح القسري وحرمان النساء الحوامل والمرضعات من الغذاء والرعاية والمأوى، تؤدي إلى تدميرهن جسديًا، في ظل انعدام شبه كامل للرعاية الطبية، واستمرار تفشي الأمراض، وغياب أدوات النظافة والتعقيم، خصوصًا داخل مراكز الإيواء والخيام.

ووفق تقديرات مؤسسة الضمير، تعاني 67% من النساء الحوامل في غزة من فقر الدم نتيجة سوء التغذية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على صحة الأجنة، ويزيد من احتمالات الإجهاض والولادة المبكرة ومضاعفات الحمل.

وتشير التقديرات أيضًا إلى ارتفاع نسبة المواليد منخفضي الوزن بنحو 90% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فيما ارتفعت معدلات الولادة المبكرة بنسبة 52% مقارنة بعام 2022.

ويرى السكافي أن هذه الوقائع تتجاوز كونها آثارًا جانبية للحرب، وتندرج ضمن ممارسات يقصد منها الإضرار بالمجموعة الفلسطينية، مؤكدًا أن الاحتلال يمارس جرائم بحق النساء والأطفال تحديدًا ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية، وفق المادة الثانية، الفقرة (ج)، من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، التي تحظر إخضاع جماعة بشرية عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

الكلمات المفتاحية

بيت لاهيا شمال غزة

بيت لاهيا.. حين يوجّه القناص رصاصة نحو بيت وأخرى نحو الخيمة

يعيش سكان بيت لاهيا رعبًا يوميًا لحظة بلحظة، في ظل استخدام الاحتلال مختلف أنواع أسلحته، واستهدافه المنازل والخيام.


خاص | وفد من فتح بالقاهرة.. بحث 7 نقاط مع الفصائل تمهيدًا لحوار وطني شامل

خاص | وفد من فتح بالقاهرة.. بحث 7 نقاط مع الفصائل تمهيدًا لحوار وطني شامل

الوفد يضم أمين سر اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب، وعضو اللجنة المركزية محمد اشتية، سيلتقي القيادة المصرية وممثلين عن الفصائل.


في النبي صموئيل.. الحاجز يقرع جرس المدرسة

في النبي صموئيل.. الحاجز يقرع جرس المدرسة

في السابعة صباحًا، تصعد سمر بركات إلى الباص الوحيد الذي يقلّ أهالي النبي صموئيل، ومعها طلاب القرية بحقائبهم المدرسية


من علم  إلى بؤرة.. هكذا يتوسع الاستيطان في الخليل

من علم إلى بؤرة.. هكذا يتوسع الاستيطان في الخليل

في الطريق الالتفافي الواصل لقرى وبلدات محافظة الخليل، وعلى قمم الجبال، تظهر وتيرة غير مسبوقة في تطور البؤر الاستيطانية، قد تبدأ بعلم إسرائيلي، أو نجمة داوود، أو مظلة خشبية، أو خيمة أو كرفان، ثم سرعان ما تتطور لتعلن عن بؤرة استيطانية

أحلام حيّة لا تنتهي.. مصابو الحرب في الأطراف يعودون إلى ملاعب غزة
فيديو

أحلام حيّة لا تموت.. مصابو الحرب في الأطراف يعودون إلى ملاعب غزة

أقيم في مدينة غزة يوم الثلاثاء الماضي بطولة كرة القدم للبتر بمشاركة نخبة من نجوم اللعبة

في موسمه.. جرافات الاحتلال تقلع أشجار زيتون في قرية كفر مالك
فيديو

في موسمه.. جرافات الاحتلال تقلع أشجار زيتون في قرية كفر مالك

في موسم القطاف.. جرافات الاحتلال الإسرائيلي تقلع أشجار زيتون في كفر مالك


بعد انتشار فيديو أثار جدلًا.. وزير الأوقاف محمد نجم يستقيل من منصبه
أخبار

بعد انتشار فيديو أثار جدلًا.. وزير الأوقاف محمد نجم يستقيل من منصبه

أعلن مركز الاتصال الحكومي في بيان صحفي يوم الخميس، أن وزير الأوقاف والشؤون الدينية محمد نجم تقدم بكتاب استقالته إلى رئيس الوزراء

إصابة مواطنين بالرصاص الحي خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيم الأمعري
أخبار

الضفة: 11 معتقلًا واعتداءات على الأراضي والمزارعين والطواقم الطبية

قوات الاحتلال تعتقل 11 مواطنًا بيهم 7 أسرى محررين، ومنسق حركة الشبيبة الطلابية في جامعة بوليتكنك فلسطين.

الأكثر قراءة

1
تقارير

في النبي صموئيل.. الحاجز يقرع جرس المدرسة


2
تقارير

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه


3
مقابلات

حوار | رمزي رباح: قرار تأجيل الانتخابات متسرع ولم نوافق عليه والحوار الوطني لا يتعارض مع إجرائها في موعدها


4
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


5
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين