أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة
29 ديسمبر 2025
منذ إطلاق إسرائيل حرب الإبادة على قطاع غزة، لوحظ أن منظري الحرب والخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين أعادوا تسليط الضوء على الأهمية المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي ضمن الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي. ويُنظر إلى الموقع الجغرافي، وإمكانات الرصد المبكر، ونموذج الشراكات المحدودة، بوصفها أدوات تتيح لإسرائيل حماية مصالحها الحيوية وتعزيز قدرات الردع
وبحسب هذه التحليلات، فقد كشفت التجارب الأخيرة، بما فيها المواجهة مع جماعة أنصار الله "الحوثي" في اليمن، عن صعوباتٍ جوهريةٍ في تنفيذ العمليات العسكرية والاستخباراتية عن بُعد، الأمر الذي عزز الطرح القائل بضرورة وجود قاعدة قريبة أو شريك محلي قادر على جمع المعلومات الاستخباراتية بسرعة، وتحويلها إلى أهداف عملياتية قابلة للضرب، إلى جانب تقديم دعم مباشر للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي إطار تقييم الخيارات الإسرائيلية المتاحة في القرن الإفريقي، يرى بعض كبار المحللين العسكريين في إسرائيل، وأبرزهم رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق غيورا آيلند، أن "أرض الصومال تتمتع بمزايا جغرافية وسياسية تجعلها أكثر جاذبية مقارنة بإثيوبيا". فموقعها المواجه لجنوب اليمن، وقربها الجغرافي من عدن ومضيق باب المندب، يمنحانها قيمة عملياتية مرتفعة، بحسب التقديرات الإسرائيلية.
كما تواجه إثيوبيا جملة من القيود، أبرزها ابتعادها عن المسارات البحرية الحيوية، وصعوبة الوصول المباشر إلى البحر، فضلًا عن التحديات الداخلية المرتبطة بالنزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي. ووفق هذه القراءة، تُعد إثيوبيا أقل ملاءمة كشريك استراتيجي طويل الأمد، مع التأكيد أن هذه التقديرات تستند أساسًا إلى الحسابات العسكرية الإسرائيلية، وقد لا تعكس بالضرورة التعقيدات والديناميات المحلية بصورة كاملة.
ويشير محللون عسكريون، معظمهم من ضباط الجيش الإسرائيلي السابقين، إلى أن التواجد الاستخباراتي الإسرائيلي المكثف في مناطق قريبة من إيران، مثل شمال العراق وأذربيجان، أفضى إلى نتائج أكثر فاعلية في الحرب على إيران مقارنة بمحاولاتها في استهداف الحوثيين في اليمن.
ويُعزى ذلك، بحسبهم، إلى تعقيد البيئة الجغرافية واللوجستية في جنوب البحر الأحمر، وقوة حضور الحوثيين وشبكات الولاء المحلية، فضلًا عن ضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والانقسام الحاد داخل بنيتها السياسية والعسكرية حرمها من الدعم الإسرائيلي الاستخباري.
وتُبرز هذه المقارنة، من منظورهم، حدود القدرة الإسرائيلية على التأثير المباشر في مناطق بعيدة أو شديدة الاضطراب، وهو ما يُشكِّل فرصة لإيران لاستغلال هذا الفراغ النسبي، ويفرض على إسرائيل إعادة النظر في الاستراتيجيات التقليدية المعتمدة في تنفيذ العمليات العسكرية في المناطق البعيدة.
واستنادًا إلى هذه المعطيات، اقترح بعض الخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين تبني مقاربة متعددة المستويات، تقوم على دعم الحكومة اليمنية انطلاقًا من الجنوب، بالتوازي مع بناء تعاون أمني واستخباراتي مع أطراف إفريقية قريبة، وفي مقدمتها أرض الصومال. ويتيح هذا النموذج، بحسب هذه الرؤية، جمع المعلومات الاستخباراتية بشكل تدريجي، وتنسيق استجابات عملياتية أسرع وأكثر مرونة، مقارنة بالاعتماد على قواعد بعيدة جغرافيًا مثل إثيوبيا.
ومع ذلك، يبقى النجاح العملي لهذا النهج مرهونًا بتقديرات دقيقة للوضع السياسي الداخلي في أرض الصومال، ومدى قدرتها على الالتزام بتعاون طويل الأمد، فضلًا عن دور القوى الإقليمية والغربية في توفير الغطاء والدعم لهذا النوع من الشراكات.
وتشير الدراسات المنشورة حديثًا، وأبرزها دراسةٌ أعدها الباحثُ في معهد العلاقات الإسرائيلية الإفريقية أشير لوبوتسكي، إلى أن الحكم الذاتي النسبي والاستقرار المحدود في أرض الصومال يسهّلان تطوير شراكات مباشرة، خصوصًا في ظل انفتاحها على علاقات مع قوى غربية وإقليمية مثل الولايات المتحدة والإمارات.
في المقابل، تظل إثيوبيا أقل ملاءمة من هذا المنظور، بسبب تعقيد علاقاتها الإقليمية وتشابك مصالحها مع أطراف متعددة، من بينها إيران، وهو ما يفرض قيودًا واضحة على أي عمليات مشتركة طويلة الأمد.
وتُركز التحليلات الإسرائيلية الرائجة في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية على الدور المحتمل لأرض الصومال في منظومات الرصد المبكر للتهديدات. فموقعها الجغرافي القريب من البحر الأحمر وباب المندب يسمح، وفق هذه التحليلات، بمراقبة خطوط الإمداد البحرية والجوية، بما في ذلك مسارات تهريب الأسلحة الإيرانية، والصواريخ، والطائرات المسيّرة.
وعلى المستوى الاستخباراتي، يقترح بعض المحللين تعزيز قدرات الرصد الإلكتروني والسيبراني لمتابعة التحركات الحوثية، إلى جانب توظيف بيانات الأقمار الصناعية المنخفضة المدار وأنظمة الاستشعار الذكية.
وباختصار، تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي، وفق تقييمات خبراء عسكريين مثل عاموس يدلين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية "أمان". ويُنظر إلى الموقع الجغرافي، وإمكانات الرصد المبكر، ونموذج الشراكات المحدودة، بوصفها أدوات تتيح لإسرائيل حماية مصالحها الحيوية وتعزيز قدرات الردع.
ومع ذلك، تبقى هذه الاستراتيجية محفوفة بتحديات جدية تتعلق بالاستقرار المحلي، وبقدرة الشركاء على الالتزام طويل الأمد. فالتركيز على شراكات مركزة، تجمع بين القدرات الاستخباراتية والإنذار المبكر والدفاعات الجوية، قد يمثل نموذجًا عمليًا ضمن إطار التحليل الاستراتيجي، لكنه لا يشكل بالضرورة ضمانًا لتكرار النجاحات في ساحات إقليمية أخرى مشابهة.
الكلمات المفتاحية

قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية
بالنسبة لمن ما زالوا متمسكين بحل الدولتين أو أوفياء لفكرة الدولة الفلسطينية بوصفها أفقًا سياسيًا واقعيًا، تبدو هذه القرارات كارثية

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة
لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص

قوات الاحتلال تعتقل 25 فلسطينيًا في الضفة الغربية
اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الثلاثاء، 25 فلسطينيًا خلال مداهمات واسعة في مدن الضفة الغربية المحتلة

جيش الاحتلال يعزّز قواته بالضفة ويوصي بتقييد دخول المصلّين إلى الأقصى خلال رمضان
جيش الاحتلال يوصي بالسماح بدخول 10 آلاف مصلٍّ فقط يوميًا إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

ترامب: الاتفاق مع إيران سيتجاوز النووي وقد نرسل حاملة طائرات أخرى للمنطقة
استأنفت الولايات المتحدة وإيران المفاوضات يوم الجمعة الماضي في عُمان، للمرة الأولى منذ العدوان على إيران

بلومبيرغ: فنزويلا ترسل أول شحنة نفط إلى “إسرائيل” مع استئناف صادرات النفط
الخطوة تأتي مع انفتاح صادرات فنزويلا عقب اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو>

