ultracheck
تقارير

"أرواحنا على أكفنا".. يوم في حياة عمال الديلفري في غزة

10 أغسطس 2026
"أرواحنا على أكفنا".. يوم في حياة عمال الديلفري في غزة
أميرة نصَّار
أميرة نصَّار صحافيّة وكاتبة

في ساعة الظهيرة، تحت حرّ شمس آب اللهاب، يقود الشاب إسلام حسن دراجته الكهربائية في شارع النصر على طريق متعرجة تكسوها الحفر والركام والحجارة المتناثرة، فيما يتأرجح خلفه الصندوق الخشبي المحمّل بوجبات البيتزا الساخنة، المتوقع إيصالها في دقائق معدودة لطالبيها.

يحدثنا الشاب الثلاثيني مستذكرًا بدايته قبل سنة: "كنت أبحث عن أي فرصة عمل لإعالة أسرتي المكونة من خمسة أطفال، بعدما فقدت عملي في المحاسبة وإغلاق السوبرماركت الذي كنت أعمل به، وتدمير الاحتلال الإسرائيلي للشقة المستأجرة التي أسكنها، ومن حينها لجأت لتوصيل الطلبات للمطاعم على دراجتي الهوائية".

بين الركام وحر الشمس، يخرج عمال الديلفري في غزة يوميًا لتوصيل الطلبات.. دراجات تتعطل بفعل الركام، وإطارات تُرقّع مرارًا، وقطع غيار نادرة وأسعار صيانة تستنزف دخلًا بالكاد يكفي للإعالة

يتنهد إسلام ويخلع طاقية رأسه ويقول: "ظروف الحياة الصعبة والمعيشية في قطاع غزة دفعتني للعمل في توصيل الطلبات، التي تبدأ من الساعة التاسعة صباحًا وتصل إلى الساعة الحادية عشرة ليلًا، موزعة على 6 أيام، ثلاثة أيام مخصصة لطلبات غرب غزة وثلاثة أيام لمحافظات جنوب القطاع".

خلال عام، واصل إسلام بدراجته الهوائية، ومن ثم الكهربائية، تسليم الطلبات التي كان يحصل عليها من المطاعم والمولات ومتاجر الملابس في بنية تحتية متهالكة، لا تخلو من الحفر والركام، الذي يتسبب يوميًا في ذهابه إلى "البنشرجي" لإصلاح إطارات دراجاته.

تحاول أنامل إسلام تركيب بطارية الدراجة الكهربائية، ويتركها جانبًا ويحكي لـ"الترا فلسطين": "قبل أيام ذهبت لإيصال طلبية عباية، وسلكت شارع المحكمة الشرعية بدراجتي الكهربائية، فقصف الاحتلال الإسرائيلي مركبة في الشارع ذاته، وقوة الانفجار أخرجت بطارية الدراجة من مكانها، واندفعت لإصلاحها في ورشة الصيانة، وعملت على دراجتي الهوائية لحين انتهاء صيانة الكهربائية، التي كلفتني 400 شيكل، وهو ثمن يفوق دخل الشهر الماضي".

إسلام واحد من مئات عمال الديلفري الذين يخرجون حاملين أرواحهم على أكفّهم من قصف الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يتوقف، ويحملون دراجاتهم حين تتعطل في الركام.

يواصل حديثه: "يوميًا تتعطل عجلات الدراجة الهوائية ثلاث مرات بسبب الركام المنتشر في الطرقات، وأدفع ثمن شحن بطارية الدراجة الكهربائية 40 شيكلًا، وقطع الغيار غير متوفرة، ما يضطرني أحيانًا إلى جرّ الدراجة لمسافات طويلة حتى لا تتعرض لمزيد من الأعطال. ولو تعطلت الدراجتان نهائيًا، لا أستطيع توفير أقل المتطلبات الأساسية لأطفالي".

أثناء مقابلة "الترا فلسطين" لشاب الديلفري، تلقى اتصالًا من سيدة تريد أن يحضر لها طلبية من متجر ملابس، وحين سألها عن مكانها أخبرته بأنها تسكن على شارع صلاح الدين، ما بين حيّ الشجاعية وحيّ الزيتون، فاعتذر لقربها من الخط الأصفر، تخوفًا من أن يطوله الرصاص العشوائي للاحتلال الإسرائيلي. ويتمتم حسن بصوت مبحوح: "مهنة الديلفري مهنة صعبة وخطرة في وضع الطوارئ الذي تعيشه غزة، لكن ما باليد مهنة أخرى".

الشاب أكرم ماهر (25 عامًا) يمارس مهنة توصيل الديلفري منذ ست سنوات، ويقول: "ما قبل حرب الإبادة، كان إيصال الطلبات لا يستغرق عشر دقائق عبر دراجتي النارية، لكن حاليًا نصف ساعة للوصول، وأضطر للنزول من الدراجة الهوائية التي استصلحتها، وأسير بها بين الركام وتحت الشمس، مما يزيد من صعوبة التوصيل، وأيضًا يؤثر على إطار الدراجة المرقّع بالشرائح المطاطية".

يتابع الشاب العشريني: "لا يخلو يوم من الذهاب إلى البنشرجي لنفخ العجلة وترقيعها، والصيانة تستنزف الدخل المحدود، وكون الطرق مدمرة أحاول قدر الإمكان سلك طرق أقصر وتسليم الطلبات في الموعد المحدد، ومن يستلمون الطلب يفهمون طبيعة العمل في ظل الحرّ والطرق الرملية التي تعيق الوصول بالسرعة القصوى".

يضيف أكرم لـ"الترا فلسطين": "تدمير الاحتلال الإسرائيلي للمباني وتجريف الشوارع غيّر معالم وحارات غزة، وأحيانًا أضيع في الطرقات وأسأل الناس، ويوجهونني للمكان لتسليم الطلب".

داخل مكتب ديلفري "توصيلة"، تصطف ست دراجات هوائية لعمال ديلفري، فيما يتلقى صاحب المكتب ضياء الجرو طلبية من متجر الملابس الذي تعاقد معه مؤخرًا لإيصال الطلبية.

يحدثنا الرجل الأربعيني: "من الساعة الثامنة صباحًا أستقبل الطلبيات عبر الاتصال الهاتفي والرسائل، وعلى إثرها أقوم بتوزيع المهام اليومية بين العمال، رغم الصعوبات التي فرضتها الحرب على طبيعة العمل والاستهدافات الإسرائيلية التي لا تتوقف".

يتابع الجرو: "افتتحنا مكتب توصيلة منذ أربعة أشهر، ونستقبل ما يزيد عن 10 طلبات يومية ما بين مطاعم ومتاجر، واعتمدنا على الدراجات الهوائية لتوفرها مقارنة بالدراجات النارية والسيارات التي تحتاج إلى صيانة وزيوت ووقود، وهو غير متوفر".

منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه قطاع غزة أزمة متفاقمة بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال إطارات الدراجات والمركبات "الكوشوك" وقطع الغيار.

وعن التحديات التي تواجه الجرو، يخبرنا: "الخوف على أرواح العمال، كون الإسرائيلي لا يتوقف عن استهداف المركبات في الشوارع، وكافة عملنا يكون في توصيل الطلبيات. ومهنة الديلفري تحتاج إلى سرعة في التوصيل، فيما الطرقات يكسوها الركام وأسياخ الحديد التي تتسبب في تلف إطارات الدراجات، مما يدفعني يوميًا لدفع تكاليف الصيانة للبنشرجية لعدم وجود إطارات عجلات جديدة وغلاء أسعارها".

يضيف: "توصيل الديلفري لا يحقق أرباحًا، بقدر ما هو مصدر دخل لعدد من الشباب الذين يعتمدون عليه لإعالة عائلاتهم في ظل الواقع المعاش في غزة".

وعلى مفترق السامر وسط مدينة غزة، تصطف العديد من الدراجات الهوائية التي تنتظر أن يتم نفخها وترقيعها، ويحدثنا البنشرجي طارق المنذر، ويقول: "ترقيع إطارات الدراجة الهوائية باتت مهنة أساسية في أغلب ورش الصيانة، لمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها، وحتى مواد الترقيع، من الرقع المطاطية والغراء وصولًا إلى المنفاخ، الذي لا يدخل للقطاع، ونعتمد على ما هو موجود ومخزن من قبل الحرب".

يستكمل البنشرجي: "قبل الحرب كانت ثلاث رقع بـ5 شواكل (أقل من دولارين)، أما اليوم فالرقعة الواحدة تصل إلى عشرة شواكل (3 دولارات)، أي إن سعر الرقعة الواحدة ارتفع عشرة أضعاف، فيما كان الكيلوغرام الواحد من مواد الترقيع يُباع بـ6 شواكل فقط (دولارين)، أما اليوم فارتفع سعره إلى 120 شيكلًا (40 دولارًا)".

ويوضح المنذر: "من السهل انفجار العجلة لما يعلق فيها من حجارة وركام وشظايا وزجاج متناثر على الطرق الرملية التي يسلكها الأشخاص، ودرجة الحرارة المرتفعة تؤثر على العجلة المرقعة وعمرها الافتراضي".

يختتم حديثه: "أغلب الزبائن عمال ديلفري يتوقف عملهم بالكامل عند توقف دراجاتهم، ونحاول إصلاحها بأسرع وقت حتى لا يخسر العامل دخله اليومي".

الكلمات المفتاحية

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

واصلت منصات إسرائيلية عقب اعتقال نقاء، التحريض عليها، من بينها منصة "أبو علي إكسبريس"، التي يديرها ضابط احتياط سابق في جيش الاحتلال، والتي طالبت بإبقائها في السجن لسنوات


وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. ما هي عواقب ذلك؟

وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. كارثة وشيكة

عدد المستشفيات والمراكز الصحية المشمولة بقرار وقف إمدادات الوقود يصل إلى نحو 20 مؤسسة


7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.


غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاُ مستقرًا

غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاً مستقرًا

قفزت أسعار كيلوغرام الفحم من نحو 15-20 شيكلاً قبل الأزمة، لتصل إلى قرابة 60 شيكلاً

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ الوالد باستشهاد معتز دون توضيح الظروف
أخبار

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف

شقيق الأسير معتز، باشا الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
أخبار

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست

قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة


فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
قول

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

طائرة جناح صهيون
أخبار

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك

الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟