ultracheck
تقارير

أزمة الرواتب تصل منصة القضاء: قاضٍ يؤجل النظر في قضية بسبب الظرف المعيشي

5 مايو 2026
أزمة الرواتب تصل منصة القضاء: قاضٍ يؤجل النظر في قضية بسبب الظرف المعيشي
محمد غفري
محمد غفري صحافي من رام الله

لم يعد تأثير الأزمة المالية في السلطة الفلسطينية مقتصرًا على تأخير صرف الرواتب أو تقليصها، بل امتد ليطال أحد أكثر مفاصل الدولة حساسية: القضاء.

ففي خطوة لافتة، قرر قاضٍ فلسطيني تأجيل النظر في قضية، مبررًا ذلك بعدم توفر الصفاء الذهني اللازم لإصدار حكم عادل، في ظل الضغوط المعيشية الناتجة عن أزمة الرواتب.

هذه الواقعة فتحت باب التساؤلات حول قدرة منظومة العدالة على الصمود، إذا ما استمرت الضغوط الاقتصادية في التغلغل إلى داخل قاعة المحكمة نفسها.

المحامي أحمد الأشقر لـ"الترا فلسطين" : "أطالب الحكومة بصرف رواتب القضاة كاملة غير منقوصة، ليس من باب التمييز عن باقي شاغلي الوظائف العامة، بل لأن القاضي فعلًا يختلف عن باقي موظفي الدولة".

وبحسب نص قرار المحكمة، الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد قررت المحكمة تأجيل الفصل في إحدى القضايا، بعد رفض طلب إجراء محاكمة حضوريًا، معتبرة أن الظروف الحالية لا تسمح بتوافر الشروط الذهنية المطلوبة لإصدار حكم سليم.

القرار لم يأتِ بصيغة إجرائية تقليدية، بل حمل لغة مباشرة تعكس واقعًا نفسيًا واقتصاديًا ضاغطًا، إذ أشار القاضي إلى أن حالة "الغصة" الناتجة عن أزمة الرواتب المتواصلة أوجدت تشوشًا في التفكير، بما يؤثر على القدرة على التقدير السليم في القضية المعروضة.

نص القرار بتأجيل النظر في إحدى القضايا بسبب أزمة الرواتب

وبدل المُضيّ في إصدار حكم قد يكون عرضة للخطأ، فضّلت المحكمة، بحسب قرار القاضي، إرجاء النظر في الدعوى، استنادًا إلى قاعدة قانونية تقليدية تُجيز للقاضي الامتناع عن الحكم إذا اختلت قدرته الذهنية لأي سبب مؤثر، بما في ذلك الضغوط النفسية أو المعيشية.

وفي هذا السياق، استحضرت المحكمة نص المادة (1812) من مجلة الأحكام العدلية، التي تربط بين سلامة الحكم وسلامة الحالة الذهنية للقاضي، مؤكدة أن إصدار الأحكام لا ينفصل عن توفر شروط التفكير السليم والتقدير المتوازن.

وبناءً على ذلك، تقرّر تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق في حزيران/يونيو 2026، مع إعادة تبليغ الأطراف، في خطوة تعكس تفضيل ضمان جودة الحكم على الالتزام الشكلي بمواعيد الفصل في القضايا.

المحامي إبراهيم البرغوثي يحذر من أن المسألة لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحوّلت إلى "مشكلة بقاء" تهدّد قدرة السلطة القضائية على الاستمرار في أداء مهامها.

وتعليقًا على القرار، رأى المحامي والقاضي السابق أحمد الأشقر أن ما جرى يجب قراءته في سياقه الأوسع، وليس كواقعة معزولة.

وقال الأشقر، في تعقيب لـ "الترا فلسطين"، إنه "ينبغي للقاضي أن لا يظهر في قوس المحكمة إلا بمظهر المتماسك، ولكن غياب العمل الجماعي القضائي بعد حلّ نادي القضاة هو ما ألجأ هذا القاضي للتعبير الفردي في الجلسة عن عمق الأزمة التي يمرّ بها السادة القضاة، وهذه إشارة يجب التقاطها وعدم التعامل معها كحدث عابر".

وطالب الأشقر، الحكومة الفلسطينية بصرف رواتب القضاة كاملة غير منقوصة، موضحًا أن ذلك "ليس من باب التمييز عن باقي شاغلي الوظائف العامة، بل لأن القاضي يختلف فعلًا عن باقي موظفي الدولة، فهو محظور عليه الاستدانة، ومحظور عليه ممارسة أي عمل آخر، أو التكسب من أي مصدر رزق".

وأكد الأشقر أن القاضي يجب أن لا يظهر في المجتمع بمظهر الضعيف، ولا أن تمس كرامته حالة عوز أو حاجة، مشددًا على أن هذا الأمر لا يقتصر على القضاة فقط، بل يشمل أيضًا أعضاء النيابة وموظفي قطاع العدالة.

ونوّه الأشقر إلى أن القضية لا تمثل مصلحة فئوية ضيقة، بل "حاجة ومصلحة مجتمعية بالأساس"، في إشارة إلى أن استقرار القضاء ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع ككل.

من جانبه، قال مدير مركز "مساواة"، إبراهيم البرغوثي، إن القانون المدني الفلسطيني، وكذلك مجلة الأحكام العدلية، يحددان شروط تولي الوظيفة القضائية، وكذلك الشروط التي تمكّن القاضي من أداء مهامه.

وأشار البرغوثي، في تعقيب لـ "الترا فلسطين"، إلى أن أي خلل يصيب القاضي، بما في ذلك الظروف المذكورة في القرار، من شأنه أن يمنعه من الفصل في المنازعات المعروضة أمامه بحياد ونزاهة وكفاءة، لأن عقله يكون مشوشًا.

وأضاف أن هناك قاعدة معروفة في عالم القانون في كل أنحاء العالم، مفادها أن "القاضي لا يفتي وهو جائع"، موضحًا أن القاضي لا يستطيع الفصل في النزاعات إذا كان منشغلًا بتأمين قوته اليومي، أو التفكير المستمر في كيفية تلبية احتياجاته الأساسية.

ولفت إلى أن القاضي ممنوع أصلًا من العمل في أي مجال آخر، أو تلقي أي مقابل من أي جهة، لأن طبيعة الوظيفة القضائية تقتضي النزاهة المطلقة والشفافية والاستقامة، ما يجعل الاستقرار المالي شرطًا أساسيًا لتمكينه من أداء مهامه.

وأكد البرغوثي أن هذه القضية تعكس عمق الأزمة المالية وتأثيرها على الأمن الوظيفي للقضاة والعاملين في منظومة العدالة، مشيرًا إلى أن وظيفة القاضي تختلف عن باقي الوظائف، إلى جانب مهنة الطب، نظرًا لارتباطها المباشر بحياة الناس وحقوقهم، حيث تقع على عاتق القضاة مسؤولية تطبيق القانون وتحقيق العدالة.

وشدّد على أن المطلوب هو توفير الأمن الوظيفي والشخصي والمالي للقضاة والعاملين في قطاع العدالة، باعتبار أن عملهم يشكل حجر الأساس لكافة الإجراءات القضائية، ما يستدعي ضمان حياة كريمة لهم.

وفيما يتعلق بالحلول، طرح البرغوثي مقترحًا عمليًا يتمثل في استقلال موازنة السلطة القضائية، بحيث يتم تخصيص إيراداتها الذاتية، مثل الرسوم القضائية، لتغطية التزاماتها، وعلى رأسها رواتب القضاة والموظفين.

وأوضح أن الحكومة تقوم حاليًا بضم هذه الإيرادات إلى الموازنة العامة، بدلًا من تخصيصها للسلطة القضائية، ما يفاقم الأزمة.

وحذّر البرغوثي من أن المسألة لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحوّلت إلى "مشكلة بقاء" تهدّد قدرة السلطة القضائية على الاستمرار في أداء مهامها، مؤكدًا أن انهيار هذه السلطة يعني انهيار منظومة الدولة بأكملها، وأنه "لا استقرار ولا دولة بلا عدل".

وفي قراءة تحليلية، اعتبر البروفيسور الدكتور جمال محمود حسن حرفوش، في منشور عبر صفحته على "فيسبوك"، أن القرار يعكس فهمًا عميقًا للفلسفة القضائية.

وأوضح أن وظيفة القاضي لا تقتصر على التطبيق الآلي للنصوص، بل تمتد لتحقيق العدالة الحقيقية التي تتطلب صفاء الإدراك وسلامة التقدير، معتبرًا أن العدالة ليست مجرد إجراءات، بل حالة ذهنية متكاملة.

وأشار إلى أن استناد المحكمة إلى المادة (1812) من مجلة الأحكام العدلية يجسد مبدأ أصيلًا مفاده أن الحكم القضائي يجب أن يصدر عن إدراك سليم، وإلا فقد شرطه الجوهري.

وبيّن أن الحالة التي عالجها القرار يمكن تكييفها قانونيًا كـ"مانع مؤقت" يؤثر على قدرة القاضي، وليس عجزًا دائمًا، وهو ما ينسجم مع الفقه القانوني المقارن.

وأكد أن القرار ينسجم مع قاعدة "درء الخطأ في القضاء أولى من التعجل في إصدار الحكم"، ومع مبادئ المحاكمة العادلة، مشيرًا إلى أن تأجيل النظر في القضية يعزز الثقة بالقضاء، بدل أن يضعفها.

وخَلُص إلى أن القرار لا يمثل تعطيلًا للعدالة، بل حماية لجوهرها، مؤكدًا أن "القاضي ليس آلة لتطبيق القانون، بل عقلٌ يُقيم العدل".

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة مالية حادّة تعاني منها السلطة الفلسطينية منذ سنوات، تفاقمت مع استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة.

وفي هذا السياق، كان مجلس الوزراء الفلسطيني قد اعتمد في منتصف مارس/آذار 2026 موازنة طوارئ تضمنت إجراءات تقشفية، في محاولة لمواجهة العجز المالي المتزايد.

ومنذ عام 2019، اقتطعت "إسرائيل" ما يقارب 5 مليارات دولار من أموال الضرائب الفلسطينية، ما أثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفيها كاملة، بمن فيهم القضاة والعاملون في قطاع العدالة.

وتكشف هذه الواقعة عن مستوى غير مسبوق من تأثير الأزمة المالية على أحد أكثر مفاصل الدولة حساسية: القضاء.

وبينما يرى البعض في قرار التأجيل التزامًا مهنيًا وأخلاقيًا، يحذّر آخرون من أنه مؤشر خطير على تآكل قدرة السلطة القضائية على الاستمرار.

وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن لمنظومة العدالة أن تصمد، إذا أصبح القاضي نفسه عاجزًا عن أداء دوره بسبب الظروف المعيشية؟

الكلمات المفتاحية

تقرير: الاحتلال يطرح 3 شروط للانسحاب من مخيمات شمال الضفة

مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس أمام قرار قضائي إسرائيلي لا يٌنهي التهجير

كاتس يرفض تدخل المحكمة العليا في قرار إبقاء جيش الاحتلال داخل مخيمات شمال الضفة، ملوّحًا بتشريعات في الكنيست لتكريس الوجود العسكري الدائم فيها.


إضراب شامل الأربعاء إذا لم تنخفض أسعار المحروقات.. قطاع النقل يصعّد احتجاجاته

إضراب شامل الأربعاء إذا لم تنخفض أسعار المحروقات.. قطاع النقل يصعّد احتجاجاته

صعّد قطاع النقل والمواصلات في الضفة الغربية، اليوم الإثنين، احتجاجاته على ارتفاع أسعار المحروقات


47 عائلة فلسطينية في الرأس الأحمر تواجه خطر التهجير تحت وطأة الحصار والتهديد

47 عائلة فلسطينية في الرأس الأحمر تواجه خطر التهجير تحت وطأة الحصار والتهديد

تواجه 47 عائلة فلسطينية في خربة الرأس الأحمر، جنوب شرقي طوباس في الأغوار الشمالية، خطر التهجير القسري، في ظل حصار مستمر منذ نحو 30 يومًا، وإغلاق جيش الاحتلال الطرق المؤدية إلى التجمع


هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.

تقرير: الاحتلال يطرح 3 شروط للانسحاب من مخيمات شمال الضفة
تقارير

مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس أمام قرار قضائي إسرائيلي لا يٌنهي التهجير

كاتس يرفض تدخل المحكمة العليا في قرار إبقاء جيش الاحتلال داخل مخيمات شمال الضفة، ملوّحًا بتشريعات في الكنيست لتكريس الوجود العسكري الدائم فيها.

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل
قول

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل

جوهر الأزمة أن الشعب، الذي تستمد القيادة شرعيتها من تمثيله، يأتي متأخرا في ترتيب الاعتبارات


الأولى منذ توليه المنصب المستحدث.. حسين الشيخ يبدأ جولة عربية
أخبار

بعد تأجيل الانتخابات.. حسين الشيخ: ملتزمون بإجراء الانتخابات فور توفر الظروف المناسبة

الشيخ: "الانتخابات ليست استعراضًا شكليًا، بل مسألة جوهرية تعبر عن إرادة شعب يجب أن تمارس بالحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية".

مجرزة جباليا إبراهيم بياري
راصد

هآرتس تنقل شهادات عن مجزرة جباليا: الجيش وافق على قتل 300 فلسطيني

أشارت التقديرات الاستخباراتية إلى احتمال سقوط ما بين 250 و300 مدني، وهو ما استدعى إحالة قرار الهجوم إلى رئيس هيئة الأركان للموافقة عليه

الأكثر قراءة

1
تقارير

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه


2
مقابلات

حوار | رمزي رباح: قرار تأجيل الانتخابات متسرع ولم نوافق عليه والحوار الوطني لا يتعارض مع إجرائها في موعدها


3
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


4
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


5
قول

الجنرالات التائبون