أزمة المياه تُحوّل عودة نازحين غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء
19 فبراير 2026
لم تعد عودة النازحين إلى المناطق المدمّرة في قطاع غزة مجرّد قرار عاطفي يتخذونه بدافع الحنين، بل معادلة قاسية تحكمها شروط البقاء، فالركام يمكن نصب الخيام فوقه، والجدران المتصدعة يمكن ترميمها مؤقتًا، لكن العطش يفرض حدًّا لا يمكن تجاوزه: بلا ماء، لا حياة. وبلا حياة، لا معنى للعودة.
منظومة المياه في خان يونس تعرضت إلى تدميرٍ واسع النطاق، أدى إلى خروج نحو 80% من شبكات المياه في المناطق الحيوية عن الخدمة
داخل إحدى المناطق المدمّرة جنوب القطاع، تبدو المنازل كأنها رُسمت على عجل، نصفها ما يزال قائمًا، والنصف الآخر سُوّي بالأرض، والغبار يعلو الركام، وبقايا الأثاث متناثرة بين الأنقاض، كشهادات صامتة على حياة توقفت فجأة. هناك يقف مراد السقا أمام بقايا منزله لا يبحث عن الجدران أو السقف، بل عن شيء أكثر إلحاحًا: الماء.
الخيمة أهون من العطش
يقول السقا، المقيم في خيمة بمواصي خان يونس، ويحرص على تفقد منزله بين الحين والآخر، إنه يفضّل البقاء في خيمته وتحمل قسوة المنخفضات الجوية بما تحمله من أمطارٍ ورياحٍ عاتيةٍ ألحقت أضرارًا بخيمته مرارًا، على العودة إلى منزل يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها المياه.
ويوضح السقا أنه حاول بالفعل العودة إلى منزله في مدينة خان يونس، ورغم أن الدمار طال جزءًا كبيرًا منه، فإن العائق الأكبر لم يكن الركام وحده، بل استحالة الحصول على المياه، إذ تتطلب العملية تمديدات وتجهيزات مكلفة تفوق قدرته، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار معظم الاحتياجات الأساسية.
ويشير إلى أن ثمن كوب المياه الواحد وصل إلى نحو 40 شيكل (ما يقارب 12 دولارًا)، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر، خصوصًا مع فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، موضحًا أن هذا الكوب لا يكفي سوى أربعة أيامٍ لعائلةٍ مكوّنة من سبعة أفراد.
ومع استمرار تضرر شبكات المياه والبنية التحتية في مساحات واسعة من القطاع، وتراجع كميات المياه المتاحة، يجد كثير من النازحين أنفسهم عالقين بين خيمة تفتقر إلى الكرامة، وبيتٍ مدمّرٍ يفتقر إلى أبسط مقومات البقاء.
رغم شوقها للعودة إلى منزلها شبه المدمّر في مدينة خان يونس، وجدت غادة رستم نفسها عاجزة عن اتخاذ هذه الخطوة، ليس بسبب الركام وحده، بل بسبب غياب المياه، التي تحوّلت إلى خط أحمر لا يمكن تجاوزه في ظل وجود أطفال مرضى يحتاجون إلى رعاية ونظافة دائمة. وتقيم رستم اليوم في خيمة بمنطقة مواصي خانيونس، حيث تحاول التكيّف مع حياة النزوح القاسية، بينما يبقى قرار العودة مؤجّلًا إلى أجل غير معلوم.
وتقول لـ"الترا فلسطين": إن "أحد أطفالها يحتاج إلى علاج منتظم، فيما يعاني طفل آخر من مرض مزمن يتطلب بيئة نظيفة ومياه متوفرة بشكل دائم، وهو ما لا يمكن ضمانه في منزل بلا شبكة مياه عاملة".
تتوقف للحظة، ثم تضيف: "نحن لا نطلب الكثير، فقط مياه منتظمة، في الخيام نعتمد على التبرعات وصهاريج المياه، أما في البيت فنحتاج إلى نظام ثابت لا يتوفر حاليًا".
وتوضح أن العائلة فكرت مرارًا في العودة، بل زارت المنزل لتفقد الأضرار، لكنها اصطدمت بحقيقة أن تأمين المياه يتطلب صهاريج بتكاليف مرتفعة، فضلًا عن غياب أي مصدر ثابت للمياه، ما يجعل الحياة هناك غير ممكنة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وفقدان مصدر الدخل.
وختتم حديثها بحزن: "البيت، حتى وهو مدمّر، يبقى أهون على القلب من الخيمة، لكن أطفالي لا يستطيعون العيش بلا ماء. الماء بالنسبة لنا ليس رفاهية، بل علاج وبقاء، العودة في هذه الظروف قد تعرّض حياتهم للخطر".
وبعد أسبوع واحد فقط من عودته إلى منزله المدمّر في خان يونس، بعد إعلان اتفاق وقف وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر، اضطر محمد فارس إلى اتخاذ قرار مؤلم بالعودة مجددًا إلى مكان نزوحه ليس بسبب القصف أو الخوف الأمني، بل بسبب غياب المياه، التي حوّلت "العودة" إلى تهديد للحياة.
يقول فارس إنه حاول التمسك بمنزله رغم الدمار الذي لحق به، فنصب غطاءً بلاستيكيًا بدل السقف المتضرر، وأزال جزءًا من الركام، على أمل أن يبدأ حياة جديدة من تحت الأنقاض، لكن خلال أيام قليلة، تحولت الحياة داخل المنزل إلى عبء ثقيل، إذ أصبح تأمين المياه للشرب والنظافة والطهي تحديًا يوميًا، ما انعكس بشكل مباشر على صحة أطفاله وظروف معيشتهم.
ومع غياب أي شبكة مياه عاملة أو حلول قريبة لإعادة الإمداد، وجد فارس نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في منزل بلا ماء، أو العودة إلى الخيمة رغم قسوتها. ثم بعد أسبوع من المحاولة حسم قراره بالعودة إلى مكان النزوح، حيث تتوفر المياه بصورة متقطعةٍ عبر التبرعات أو بشرائها من الصهاريج، وإن كانت بأسعار تفوق قدرته، مشددًا على "أن الخيمة، بكل ما تحمله من قسوة، تبقى أهون من منزل يفتقر إلى أساسيات الحياة".
ويقول بحسرة: "عدنا إلى البيت على أمل أن تكون بداية جديدة، لكننا اكتشفنا أن الركام أهون من العطش، فلا يمكن لعائلة أن تعيش بلا ماء. لذلك عدنا إلى الخيمة، ليس لأننا استسلمنا، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر".
دمار واسع في منظومة المياه
وتؤكد معطياتٌ صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه أن متوسط حصة الفرد اليومية من المياه في قطاع غزة انخفض إلى ما يتراوح بين ثلاثة وخمسة لتراتٍ فقط، مع تفاوتٍ بين المناطق تبعًا لحجم الدمار الذي طال شبكات المياه والبنية التحتية. وتُعدّ هذه الكمية أدنى بكثير من الحدّ الإنساني الموصى به، والمقدَّر بنحو 15 لترًا للفرد يوميًا.
وقبل اندلاع الحرب، كان متوسط الحصة اليومية يتراوح بين 80 و90 لترًا، غير أنه شهد انخفاضًا حادًّا نتيجة تدمير البنية التحتية المائية وتعطّل شبكات التوزيع.
ويقول مدير دائرة المياه في بلدية خانيونس سلامة شراب، في حديث لـ"الترا فلسطين"، إن منظومة المياه في المدينة تعرضت إلى تدميرٍ واسع النطاق، أدى إلى خروج نحو 80% من شبكات المياه في المناطق الحيوية عن الخدمة، الأمر الذي تسبب في تعطيش مئات آلاف المواطنين وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
ويوضح شراب أن نحو 360 ألف متر طولي من شبكات التوزيع الرئيسية والفرعية للمياه والصرف الصحي من أصل 500 ألف متر تعرضت للتدمير، لا سيما في شرق شارع جمال عبد الناصر ومناطق واسعة من المدينة، كما دُمّر 38 بئرًا من أصل 40، إلى جانب الخزان الرئيسي في منطقة معن، ولم تتمكن البلدية من تشغيل سوى نحو 15 بئرًا بشكل جزئي وبطاقة محدودة.
ويبيّن أن أعمال الإصلاح الحالية تقتصر على تدخلات طارئة لتوفير الحد الأدنى من المياه، مؤكدًا أن إعادة تأهيل الشبكات بشكل فعلي تتطلب تدخلات كبرى، خصوصًا في ظل إغلاق المعابر ومنع إدخال المعدات والمواد اللازمة، ما يجعل استعادة 50% من القدرات السابقة أمرًا يفوق إمكانات البلدية الحالية.
إمدادات دون الحد الأدنى
وحول مصادر المياه، يوضح شراب أن خانيونس تعتمد حاليًا على مياه “مكروت” والخط الإماراتي عبر مصر، اللذين يغطيان أكثر من 65% من الاحتياج اليومي، فيما تعتمد بنسبةٍ تقارب 30% من الآبار التي أُعيد تشغيلها جزئيًا، إلا أن إنتاج هذه الآبار لا يتجاوز ألفي إلى ثلاثة آلاف متر مكعب يوميًا، في حين أن المدينة تحتاج إلى ما بين 12 إلى 15 ألف متر مكعب يوميًا من تشغيل منظومة الآبار.
نحو 360 ألف متر طولي من شبكات التوزيع الرئيسية والفرعية للمياه والصرف الصحي من أصل 500 ألف متر في خان يونس تعرضت للتدمير، كما دُمّر 38 بئرًا من أصل 40
أما في مركز مدينة خانيونس والمناطق التي عاد إليها السكان مع بداية سريان وقف إطلاق النار، فإن كمية المياه التي تصل حاليًا إلى سكان هذه المناطق لا تتجاوز 20–25% من الاحتياج الفعلي، وتقتصر على ساعات قليلة فقط يوميًا، فيما لا تصل المياه إلى بعض الأحياء إلا مرة واحدة كل عدة أيام، بسبب الدمار الواسع الذي طال شبكات المياه.
ويشير شراب إلى أن تعطل الخزان المغذي في منطقة قيزان رشوان، إلى جانب صعوبة وصول طواقم البلدية إلى الخزانات والمحابس الرئيسية، بسبب قربها من تمركز قوات الاحتلال عند "الخط الأصفر" ومنع الطواقم من الوصول إليها، مبينًا أن كل ذلك حال دون تحسين واقع التزويد المائي في تلك المناطق.
ويؤكد شراب أن قرار النازحين بالعودة إلى منازلهم بات مرتبطًا بشكل مباشر بتوفر المياه، مضيفًا أن الحلول الحالية تظل مؤقتة وغير كافية، في ظل تهالك المولدات والمعدات، فضلًا عن القيود التي تعيق عمل طواقم البلدية وتعرقل أي جهود جدية لإعادة تأهيل منظومة المياه من قبل الاحتلال، مما فاقم معاناة السكان، إذ تمثل المياه شريان الحياة الأساسي لأي عودة واستقرار، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات العيش في مناطقهم.
الكلمات المفتاحية
خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة
مصدر لـ"الترا فلسطين": حركة حماس ستبلّغ ملادينوف بشكل صريح أن بياناته حول الوضع الإنساني في قطاع غزة غير دقيقة
عامان من الفراق والانتظار.. حكايات أطفال غزة الخدّج العائدين من الموت
لم تكن قصص عودة الأطفال الخدج كلها فرح، فالشاب محمد لبد (38 عامًا) وجد نفسه في نزاع مع شخص آخر على طفل يعتقد كلٌ منهما أنه طفله
أزمة الخبز في غزة تتفاقم: ما أسبابها؟
أكد مصدر مطلع على الأزمة، رفض الكشف عن هويته، خلال حديثه مع "الترا فلسطين" أن الأزمة تفاقمت نتيجة خفض برنامج الغذاء العالمي إنتاج الخبز بنسبة تتراوح بين 30 و40%
سفير إسرائيل بواشنطن: موافقة على التفاوض مع لبنان ورفض وقف النار مع حزب الله
صرح سفير إسرائيل في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر مساء السبت، أن إسرائيل وافقت على الدخول في مفاوضات مع لبنان يوم الثلاثاء، لكنها رفضت مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله
غزة: 749 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي جراء خروقات الاحتلال
أفادت مصادر محلية باستشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين، مساء اليوم السبت، بعد قصف طيران الاحتلال لمناطق في بيت لاهيا ودير البلح في قطاع غزة
شهيد برصاص مستوطنين في قرية دير جرير شرق رام الله
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مساء اليوم السبت، استشهاد الشاب علي ماجد حمادنة (23 عامًا) برصاص مستوطنين خلال اعتدائهم على قرية دير جرير
قمع احتفالات "سبت النور" في القدس وإزالة العلم الفلسطيني من الكشافة
اعتدت شرطة الاحتلال اليوم السبت، على الكشافة الاحتفالية بـ "سبت النور" في القدس، فيما قيدت مسيرات الكنائس المسيحية للسبت المقدس في كنيسة القيامة