ultracheck
تقارير

أزمة خانقة تهدد القطاع الصحي: المستشفيات الأهلية والخاصة في فلسطين على حافة الانهيار

2 أبريل 2026
أزمة خانقة تهدد القطاع الصحي: المستشفيات الأهلية والخاصة في فلسطين على حافة الانهيار
محمد غفري
محمد غفري صحافي من رام الله

في خضم أزمة مالية خانقة تضرب السلطة الفلسطينية، تتكشف ملامح انهيار تدريجي في أحد أكثر القطاعات حساسية: القطاع الصحي. فمع تفاقم الديون الحكومية وتأخر سداد المستحقات، تجد المستشفيات الأهلية والخاصة نفسها اليوم على حافة منعطف خطير، يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات الطبية للمواطنين.

الخبير في شؤون الرعاية الصحية شداد عبد الحق: النظام الصحي في الضفة الغربية قد يتوقف فعليًا خلال "أسابيع وليس أشهر"، في ظل توقف وزارة المالية عن تحويل أي دفعات منذ أكثر من ستة أشهر

وبين التحذيرات والنداءات المتكررة، تتصاعد المخاوف من وصول النظام الصحي في الضفة الغربية إلى نقطة الانهيار الفعلي خلال أسابيع. حيث يعيش القطاع الصحي الفلسطيني، تحديدًا المستشفيات الأهلية والخاصة، واحدة من أسوأ أزماته المالية، في ظل تراكم الديون الحكومية وتأخر تسديد المستحقات المالية المترتبة على وزارة الصحة لصالح هذه المؤسسات.

وبحسب رئيس اتحاد المستشفيات الأهلية والخاصة يوسف التكروري، فإن حجم الديون المستحقة على الحكومة بلغ نحو 2.6 مليار شيكل، ما وضع هذه المستشفيات في ضائقة مالية خانقة غير مسبوقة.

وأشار التكروري في حوار خاص مع "الترا فلسطين" إلى أن الاتفاق الذي تم مع الحكومة التاسع عشرة كان يقضي بدفع نسبة 1.7% شهريًا من إجمالي الدين لكل مستشفى، كحد أدنى لضمان استمرارية العمل إلى حين تحسن الوضع المالي. إلا أن هذا الالتزام لم يستمر طويلًا بحسب التكروري، حيث بدأت وزارة الصحة منذ حزيران/ يونيو 2025، بتقليص الدفعات إلى النصف، قبل أن تتوقف كليًا عن الدفع في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته.

وانعكس هذا التراجع في الالتزام المالي بشكل مباشر على قدرة المستشفيات على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث أصبحت العديد من هذه المؤسسات عاجزة عن تلبية احتياجات المرضى، لا سيما مع تراكم ديونها لصالح الشركات الموردة.

وأكد التكروري أن المستشفيات لن تكون قادرة على استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة في حال عدم توفر الإمكانيات اللازمة لتقديم العلاج، مشددًا على أن الهدف ليس وقف الخدمات، بل تجنب تقديم خدمة ناقصة أو غير آمنة.

مستشفى النجاح الوطني الجامعي: نموذج صارخ للأزمة

في هذا السياق، برزت حالة مستشفى النجاح الوطني الجامعي كنموذج صارخ للأزمة، حيث أعلنت مؤسسات محافظة نابلس أن المستشفى يواجه خطر الإغلاق نتيجة تراكم مستحقات مالية على الحكومة تقدر بنحو 734 مليون شيكل، دون تسديد أي دفعات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

وأفادت إدارة المستشفى بأنها استنفدت كافة الحلول التمويلية، بما في ذلك الوصول إلى الحد الأعلى من الاقتراض من البنوك، ما أدى إلى توقف توريد الأدوية والمستلزمات الطبية.

وبحسب المعطيات، فإن المستشفى اضطر إلى اتخاذ خطوات تقشفية قاسية، تمثلت في طلب وقف استقبال الحالات الجديدة، مع الاستمرار في تقديم العلاج للحالات القائمة والحالات الطارئة فقط.

ويُعد هذا القرار مؤشرًا خطيرًا على عمق الأزمة، خاصة أن المستشفى يعد من أبرز المراكز الطبية المتقدمة في فلسطين، ويستقبل عددًا كبيرًا من الحالات المحولة من وزارة الصحة.

ولا تقتصر الأزمة على المستشفيات فقط، بل تمتد لتشمل شركات الأدوية والموردين، الذين يعانون بدورهم من ديون متراكمة تُقدّر بنحو 1.6 مليار شيكل على الحكومة، ما أدى إلى تراجع قدرتهم على تزويد المستشفيات بالاحتياجات الأساسية. وهذا التداخل في الأزمات خلق حلقة مفرغة من العجز، حيث تؤدي ديون الحكومة إلى شلل في التوريد، ما ينعكس بدوره على الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وفي تحذير لافت، قال الخبير في شؤون الرعاية الصحية شداد عبد الحق، إن النظام الصحي في الضفة الغربية قد يتوقف فعليًا خلال "أسابيع وليس أشهر"، في ظل توقف وزارة المالية عن تحويل أي دفعات منذ أكثر من ستة أشهر.

وأوضح عبد الحق، أن الاتفاق الأصلي كان ينص على دفع 3% شهريًا من إجمالي الديون، قبل أن يتم تخفيضها إلى 1.5%، ثم التوقف الكامل عن السداد.

وأضاف عبد الحق أن حجم الديون الإجمالية لوزارة الصحة تجاه الموردين ومقدمي الخدمات تجاوز 3 مليارات شيكل، مشيرًا إلى أن بعض المستشفيات التي تستقبل تحويلات طبية تجاوزت ديونها 700 مليون شيكل، فيما وصلت ديون بعض شركات الأدوية إلى أكثر من 100 مليون شيكل.

وحذر مختصون من أن الفئات الأكثر تضررًا من هذه الأزمة هم مرضى الأمراض المزمنة، وعلى رأسهم مرضى السرطان، الذين يواجهون خطر عدم القدرة على تلقي العلاج في ظل توقف استقبال الحالات الجديدة ونقص الأدوية. كما أن المستشفيات الحكومية نفسها تعاني من نقص حاد في الإمكانيات، ما يفاقم من حجم الكارثة الصحية المحتملة.

من جهته، دعا اتحاد المستشفيات الأهلية والخاصة، الحكومة إلى التحرك العاجل لوضع حلول عملية وسريعة، تشمل جدولة وتسديد المستحقات المالية، بما يضمن استمرارية عمل المستشفيات وحماية حق المواطنين في الحصول على الرعاية الصحية.

كما حذر الاتحاد من أن استمرار الأزمة دون تدخل فوري قد يؤدي إلى توقف بعض الخدمات بشكل كامل، محملًا الحكومة المسؤولية عن أي تداعيات مستقبلية.

ورغم عقد اجتماعات بين ممثلي الاتحاد ووزارة الصحة قبل عيد الفطر، وطرح عدة حلول خلال جلسات "عصف ذهني"، إلا أن هذه المقترحات لم تُترجم إلى خطوات عملية على أرض الواقع، بحسب التكروري، الذي أشار إلى وجود حديث عن دفعات محتملة من البنك الدولي، لكنها تبقى حلولًا مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.

في المقابل، تعزو الحكومة هذه الأزمة إلى الضغوط المالية الناتجة عن اقتطاعات الاحتلال الإسرائيلي من أموال المقاصة، والتي بلغت نحو 5 مليارات دولار منذ عام 2019 وحتى آذار/ مارس 2026.

وقد أدى ذلك إلى عجز متفاقم في الموازنة العامة، ما دفع الحكومة إلى اعتماد سياسة تقشفية صارمة، شملت تقليص الإنفاق في مختلف القطاعات.

وخلال جلسته الأخيرة، أقر مجلس الوزراء مشروع موازنة طوارئ لعام 2026، في محاولة لضبط الإنفاق وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، إلا أن التقديرات تشير إلى أن العجز قد يصل إلى نحو 70% في حال استمرار احتجاز أموال المقاصة.

وحول سبب تأخر الحكومة في سداد الالتزامات المترتبة عليها للمستشفيات الأهلية والخاصة، قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية محمد أبو الرب إن الأزمة المالية الخانقة، واحتجاز أموال المقاصة التي تشكل نحو 68% من إيرادات دولة فلسطين، إلى جانب اتساع مظلة التأمين الصحي الفلسطيني التي تشمل أكثر من مليون و600 ألف بطاقة بتكلفة رمزية تقترب من التأمين التكافلي، كلها عوامل أسهمت في تفاقم الأعباء المالية.

وأضاف في تعقيب خاص لـ "الترا فلسطين" أن الضغط في القطاع الصحي لا يقتصر على المستشفيات الحكومية، بل يمتد إلى التحويلات الطبية للمستشفيات الأهلية والخاصة، التي يبلغ متوسطها السنوي نحو مليار شيقل، فضلًا عن نحو 700 مليون شيقل تُصرف على الأدوية والمستهلكات الطبية لوزارة الصحة.

وأوضح أن هذه المعطيات مجتمعة ترفع من كلفة القطاع الصحي في فلسطين، سواء من خلال تشغيل المستشفيات الحكومية أو التحويلات إلى المستشفيات الخاصة والأهلية في الضفة الغربية، أو إلى مستشفيات مدينة القدس، في إطار الحفاظ عليها ودعم صمودها.

وأشار أبو الرب، إلى أنه في ظل هذه الأزمة والواقع الاقتصادي الصعب، فإن المتأخرات لا تقتصر على القطاع الصحي فحسب، بل تشمل قطاعات متعددة، وهو ما دفع الحكومة إلى اعتماد موازنة طوارئ لعام 2026 تقوم على إدارة التدفق النقدي، في ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة، وتراجع الإيرادات المحلية إلى نحو النصف، إلى جانب انخفاض الدعم الدولي منذ بداية العام وحتى الآن.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن القطاع الصحي في فلسطين يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع التحديات السياسية، لتضع المستشفيات الأهلية والخاصة أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في العمل بقدرات محدودة، أو التوقف التدريجي عن تقديم الخدمات. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الفلسطيني هو المتضرر الأكبر، في انتظار حلول قد تأتي… أو لا تأتي.

الكلمات المفتاحية

انتخابات حماس | مصدر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

كشفت مصادر خاصّة في حديث مع "الترا فلسطين"، أن لجنة الانتخابات المركزيّة في حركة حماس ستعلن داخليًا عن موعد الجولة الثانية من انتخابات رئيس المكتب السياسي العام للحركة


أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال حديثي الولادة

أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال الخُدج وحديثي الولادة

الإبادة الجماعية انعكست بشكل كارثي على قدرة المستشفيات في توفير المستلزمات الطبية والأكسجين للأطفال، خصوصًا الأطفال الخُدّج وحديثي الولادة


خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

تكشف مصادر داخل فتح لـ"الترا فلسطين"، عن تفاصيل التحالفات التي قادها الرئيس محمود عباس وعدد من قيادات الحركة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية، في إطار التنافس على مواقع اللجنة ضمن أعمال المؤتمر الثامن للحركة


النكبة والإبادة

من النكبة إلى الإبادة.. شلالات الدم وقوافل المهجرين لا تنتهي

بعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية، ما زال الفلسطينيون يذكرون نكبتهم بصفتها وجعهم الأول وأصل مأساتهم التي ما زالت مستمرة منذ 78 عامًا

دبلوماسيون كنديون سابقون يطالبون حكومة كارني بفرض عقوبات على "إسرائيل"
أخبار

دبلوماسيون كنديون سابقون يطالبون حكومة كارني بفرض عقوبات على "إسرائيل"

وجّه نحو 200 دبلوماسي سابق رفيع المستوى، يوم الجمعة الماضي، رسالةً غير مسبوقة إلى رئيس وزراء كندا مارك كارني، يحثّونه فيها على التحرّك الفوري وفرض عقوبات رادعة على "إسرائيل"

جيش الاحتلال يعترض أسطول الصمود المتجه لكسر حصار غزة
أخبار

جيش الاحتلال يعترض أسطول الصمود المتجه لكسر حصار غزة

سيعقد نتنياهو اليوم، اجتماعًا أمنيًا من أجل المصادقة على خطة الجيش للسيطرة على الأسطول الذي يتجه نحو قطاع غزة بهدف كسر الحصار البحري


استشهاد قيادي في الجهاد الإسلامي وابنته في استهداف شقة بصاروخ في بعلبك
أخبار

استشهاد قيادي في الجهاد الإسلامي وابنته في استهداف شقة بصاروخ في بعلبك

يشن الاحتلال الإسرائيلي منذ 2 آذار/ مارس 2026 هجومًا موسعًا على لبنان، وسط تصاعد الخروقات، رغم استمرار الهدنة

القناة 12: ترامب يترقب ردًا إيرانيًا والخيار العسكري مطروح
أخبار

القناة 12: ترامب يترقب مقترحًا إيرانيًا والخيار العسكري مطروح

كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتظر خلال الأيام القليلة المقبلة مسودة مقترح من إيران، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي

الأكثر قراءة

1
تقارير

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا


2
مقابلات

ردًا على ملادينوف.. حماس لـ الترا فلسطين: تصريحاته دعوة للفوضى والسلاح شأن وطني


3
ذاكرة وطنية

قاد القسام ورمم قواته خلال الحرب.. من هو عز الدين الحداد؟


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح


5
تقارير

مؤتمر فتح الثامن: حضور الانتخابات ونقاش العضوية وغياب البرنامج السياسي