أزمة متعددة الأبعاد: نقص الوقود وقطع الغيار يعرقل إنقاذ الأرواح في غزة
13 أبريل 2026
لم يكن الأربعيني محمد شحادة يتخيّل أن يتحوّل مرض نجله عدي إلى سباقٍ مع الوقت. ففي منطقة "الخط الأصفر"، حيث تقلّ الخدمات وتنعدم وسائل النقل ليلًا، وجد نفسه محاصرًا بين ألم ابنه وعجز الطريق.
أزمة الطاقة تنعكس أيضًا على الأجهزة الطبية، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف العديد من الأجهزة التشخيصية، والأنظمة الحيوية، بما في ذلك أجهزة العمليات
يروي شحادة تفاصيل تلك الليلة العصيبة قائلاً: "تدهورت حالة ابني فجأة، حاولنا فورًا طلب سيارة إسعاف، لكننا انتظرنا طويلًا دون جدوى، وقيل لنا إن هناك أزمة وقود، وإن بعض المركبات متوقفة بسبب عدم توفر قطع الغيار".
ويضيف: "نحن نسكن في منطقة شبه معزولة، ولا توجد وسائل نقل خاصة، خصوصًا في الليل، ومع خطورة الوضع الأمني، لم نتمكن من الخروج أو إيجاد أي بديل، بينما كانت الدقائق تمرّ كأنها ساعات، وحالة ابني تزداد سوءًا أمام أعيننا". لم يكن التأخير مجرد وقتٍ ضائع، بل ثمنًا صحيًا دفعه طفلٌ (14 عامًا) يعاني من حصى في الكلى، ويؤكد والده أن التأخير زاد من تعقيد حالته.
بعد تلك الليلة، بات شبح العجز عن الوصول إلى العلاج هو الأكثر إثارة للرعب بالنسبة لأسرة شحادة وآلاف الأسر الأخرى في مناطق مختلفة من قطاع غزة، وذلك مع ولادة أزمة جديدة تهدد بانهيار العمل الإغاثي والإنساني، وهي أزمة نقص الوقود وقطع الغيار.
المستشفيات.. مخاطر كبرى
يحذر المهندس إسماعيل أبو نمر، مدير دائرة الهندسة والصيانة في مجمع ناصر الطبي، من تداعيات خطيرة لنقص الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية، في ظل القيود المفروضة على إدخالها إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب، مؤكدًا أن ذلك يهدد بتوقف المصدر الوحيد للطاقة داخل المستشفيات.
ويوضح أبو نمر لـ" الترا فلسطين" أن المولدات تعمل بشكل متواصل منذ أكثر من عامين ونصف، ما أدى إلى استهلاكها بشكل كبير، وتوقفها سيؤدي إلى كارثة صحية حقيقية وشلل شبه كامل في أقسام المستشفى، خصوصًا أقسام العناية المركزة، وحضانات الأطفال، وغسيل الكلى والعمليات، إلى جانب مخاطر تلف الأدوية والمطاعيم وتعطل بنوك الدم.
ونتيجة لذلك اضطرت إدارة المجمع الطبي إلى تطبيق خطة تقشفية لترشيد استهلاك الكهرباء، بالاعتماد على مولدين فقط، أحدهما نهارًا والآخر ليلًا، وهو ما لا يلبي احتياجات المستشفى، وقد شملت الإجراءات تخفيف الأحمال عن بعض الأقسام، وفصل إحدى محطات الأكسجين من أصل ثلاثة، وتعطيل أحد الآبار، وتقليص عمل محطات التحلية، مع التحذير من إمكانية اللجوء لاحقًا إلى فصل الكهرباء عن غرف مبيت المرضى وحصر الخدمات المتقدمة بالحالات الحرجة.
وتحدث أبو نمر عن خطورة أكبر في حالات الطوارئ، خصوصًا خلال الفترة المسائية، حيث لا يمكن للمولد الصغير تشغيل أكثر من غرفتي عمليات من أصل ستّ غرف، ما يعني تقليص القدرة الجراحية إلى الحد الأدنى وفقدان القدرة على التعامل مع الحالات الطارئة.
ويؤكد أن أزمة الطاقة تنعكس أيضًا على الأجهزة الطبية، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف العديد من الأجهزة التشخيصية، والأنظمة الحيوية، بما في ذلك أجهزة العمليات، ما يهدد سلامة الإجراءات الطبية، فيما تزداد الأزمة تعقيدًا مع وقف إدخال أي قطع غيار للأجهزة منذ بداية الحرب، ما أدى إلى تراكم مئات الأجهزة التالفة، خصوصًا تلك التي تعرضت للتدمير خلال اقتحام المجمع.
الحصار يمنع تنفيذ خطط طوارئ
يؤكد مدير دائرة النقل والمواصلات في وزارة الصحة رأفت حمدونة، أن النقص الحاد في الوقود وقطع الغيار يشكّل تحديًا خطيرًا أمام عمل المنظومة الصحية، وينعكس مباشرة على جاهزية مركبات الإسعاف والنقل الصحي.
معظم مركبات الإسعاف العاملة في قطاع غزة تجاوزت عمرها الافتراضي، فقد تخطت فترة تشغيلها القانونية البالغة خمس سنوات، كما قطعت مسافات طويلة تزيد عن 300 ألف كيلومتر
ويوضح حمدونة لـ"الترا فلسطين" أن القطاع يعاني من شحّ كبير في مستلزمات الصيانة الأساسية، بما يشمل الزيوت والبطاريات والإطارات وفلاتر السولار والهواء، ما يؤدي إلى خروج أي مركبة تتعرض لعطل عن الخدمة بشكل كامل، لعدم إمكانية إصلاحها.
وبحسب حمدونة، انخفض عدد سيارات الإسعاف العاملة بشكل ملحوظ في العامين الأخيرين، إذ كان عددها قبل الحرب حوالي 90 مركبة، خرجت منها 35 مركبة عن الخدمة نتيجة نقص قطع الغيار والصيانة ونقص البنزين، فيما دُمّرت 12 مركبة كليًا خلال الحرب.
ويشير إلى أن المركبات المتبقية تعمل بإمكانات محدودة، وتعاني من نقص حاد في متطلبات الصيانة، الأمر الذي يبطئ الاستجابة للحالات الطارئة ويؤخر الوصول إلى المرضى والمصابين.
ويؤكد أن معظم المركبات العاملة تجاوزت عمرها الافتراضي، فقد تخطت فترة تشغيلها القانونية البالغة خمس سنوات، كما قطعت مسافات طويلة تزيد عن 300 ألف كيلومتر، ما يجعلها أكثر عرضة للأعطال، في وقت تغيب فيه قطع الغيار اللازمة لإبقائها قيد الخدمة.
ويوضح حمدونة أن الحصار حال دون تنفيذ أي خطط طوارئ، نتيجة عدم إدخال مركبات جديدة أو توفير مستلزمات الصيانة، ما اضطر الطواقم أحيانًا لاستخدام زيوت محروقة كحل مؤقت، رغم ما يسببه ذلك من أضرار كبيرة للمحركات وتقليص عمرها التشغيلي.
الدفاع المدني.. تراجع لمستويات غير مسبوقة
يؤكد الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة الرائد محمود بصل أن أزمة الوقود وقطع الغيار باتت تشكّل تهديدًا مباشرًا لاستمرار عمل الجهاز، في ظل تراجع قدراته التشغيلية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويشير بصل إلى أن الوقود يمثل عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه لتشغيل مركبات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف، في وقت تعاني فيه الطواقم من شُح حاد في الإمدادات، إلى جانب نقص كبير في قطع الغيار، خصوصًا مع تقادم معظم المركبات واعتمادها على صيانة دورية لم تعد ممكنة.
ويكشف الرائد بصل عن تراجع كبير في عدد المركبات العاملة، إذ انخفضت من نحو خمس مركبات في كل محافظة سابقًا إلى مركبة واحدة فقط في بعض المناطق، فيما خرجت محافظات كاملة، مثل رفح وشمال القطاع، عن الخدمة فعليًا.
ويشير إلى أن جهاز الدفاع المدني يعمل حاليًا بنحو 10% فقط من قدرته التشغيلية، محذرًا من أن نفاد الوقود سيؤدي إلى توقف كامل لخدمات الإنقاذ والإطفاء، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على حياة المدنيين.
هناك تراجع كبير في عدد مركبات الدفاع المدني العاملة في قطاع غزة، إذ انخفضت من نحو خمس مركبات في كل محافظة سابقًا إلى مركبة واحدة فقط في بعض المناطق
ويضيف: "هذا التراجع يضع الطواقم أمام تحديات كبيرة، إذ إن تعطل أي مركبة بسبب نقص الوقود أو قطع الغيار يعني عمليًا توقف الخدمة في تلك المنطقة، ما يؤدي إلى تأخير الاستجابة للحوادث، خصوصًا في حالات القصف أو وجود ضحايا تحت الأنقاض".
وفي حال تفاقم الأزمة، فإن طواقم الإنقاذ والإغاثة قد تضطر للتوجه إلى مواقع الاستهداف سيرًا على الأقدام أو باستخدام مركبات مدنية، رغم أن هذه الحلول لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات العمل الميداني.
ويؤكد بصل أن جهاز الدفاع المدني يحتاج بشكل عاجل إلى منظومة دفاع مدني متكاملة تشمل مركبات إطفاء وإنقاذ وإسعاف، وصهاريج مياه، وسلالم، ومعدات ثقيلة، إضافة إلى الوقود وقطع الغيار الأساسية، لضمان استمرارية الاستجابة الإنسانية، مشيرًا إلى توجيه مناشدات متكررة لمؤسسات دولية كالصليب الأحمر و"أوتشا"، إلا أن الاستجابة لا تزال محدودة.
الكلمات المفتاحية
انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا
كشفت مصادر خاصّة في حديث مع "الترا فلسطين"، أن لجنة الانتخابات المركزيّة في حركة حماس ستعلن داخليًا عن موعد الجولة الثانية من انتخابات رئيس المكتب السياسي العام للحركة
أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال الخُدج وحديثي الولادة
الإبادة الجماعية انعكست بشكل كارثي على قدرة المستشفيات في توفير المستلزمات الطبية والأكسجين للأطفال، خصوصًا الأطفال الخُدّج وحديثي الولادة
خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح
تكشف مصادر داخل فتح لـ"الترا فلسطين"، عن تفاصيل التحالفات التي قادها الرئيس محمود عباس وعدد من قيادات الحركة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية، في إطار التنافس على مواقع اللجنة ضمن أعمال المؤتمر الثامن للحركة
5 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة
ضمن استهدافات اليوم: 3 شهداء ومصابون إثر قصف الاحتلال مطبخًا تابعًا لمؤسسة تركية في دير البلح.
الاحتلال يقرر بناء متحف عسكري على أنقاض مقر الأونروا بالقدس
المخطط الذي صاغه وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس ينص على تخصيص قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 36 دونمًا لصالح وزارته.
أسطول الصمود لـ"الترا فلسطين": تحالف دولي جديد لكسر حصار غزة رغم تهديدات الاحتلال
لليوم الرابع على التوالي، يواصل "أسطول الصمود العالمي" رحلته البحرية باتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر حصار غزة.
تقرير إسرائيلي: "الخط البرتقالي" يقيّد حركة الإغاثة في 64% من مساحة غزة
وفق معطيات الأمم المتحدة، فقد قتل الجيش الإسرائيلي 224 فلسطينيًا، بينهم أطفال، قرب "الخط الأصفر" أو في محيطه، بين 10 أكتوبر 2025 و27 فبراير 2026.