ultracheck
قول

أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها

17 أغسطس 2026
Photo by BASHAR TALEB / AFP via Getty Images
Photo by BASHAR TALEB / AFP via Getty Images
عامر المصري
عامر المصريكاتب فلسطيني

تستطيع الطائرات إبادة عائلة، عائلتين، عشر عائلات... ويُمكنها أيضًا إبادة بيت، شارع، حارة، ومدينة كاملة، ولكن حتمًا هناك أشياء لن تستطيع إبادتها مهما قصفت ومهما استهدفت. إنها الأشياء التي لا تموت بموت أصحابها، ويمكن الاحتفاظ بها حتى لو كان الإنسان يعيش في العراء، فهي لا تُحد ببيت، ولا تُختزل في حارة، ولا يمكن استهدافها بقتل المزيد من الناس. 

لذلك، قتلت إسرائيل أكثر من 73 ألف غزي، شَرّدت حوالي مليونين و200 ألف آخرين، ودمّرت 90% من القطاع، وما زالت عاجزة عن إبادة لَمّة العائلة، وفكرة البيت، والقدرة على الحلم. فالبيت ما زال حاضرًا في ذاكرة أصحابه، والحكايات ما زالت تُورّث، والقدرة على الفرح لم تُصَب بأيّ شظية؛ يظهر ذلك في الأعراس، طقوس العيد، فرحة الثانوية العامة، وغيرها من التفاصيل اليومية التي تبدو عادية، ولكنها تَحمل بين طياتها حياة كاملة.

للبيت ذاكرة لا تُباد

عندما يفقد الإنسان -أي إنسان- بيته، يتحوّل البيت في رأسه إلى فكرة لا يُمكن استهدافها، حيثُ يظلّ البيت في مخيلته شامخًا بغرفه ونوافذه ورائحة الطهي فيه، ويظلّ أيضًا يحلم بالعودة إليه... حتى وإن كانت هذه العودة إلى ركام. كذلك الأمر عند الغزيّ، فهو يعرف تمام المعرفة أن بيته دُمّر، انهارت جدرانه وتكوّمت غرفه فوق بعضها البعض، فقد رأى ذلك بأمّ عينه، وتحسسه بيديه الخشنتين. على الرغم من ذلك، فهو ما يزال يحلم بالعودة إليه في كلّ وقت، ولا تجده إلا يقول: "بدي أرجع أحط خيمة فوق الركام وأعيش فيها".

وهنا، نجدُ أن إسرائيل عجزت عن إبادة البيت في الذاكرة الجمعية للغزيين، ولم تستطع قتل رغبتهم بالعودة إلى أماكنهم، فهُم لا يتعاملون مع البيت بوصفه مكان يُمكن مغادرته مهما ابتعدَ عنه، ولعل هذا ما يجعل الغزي يتحسس العودة حتى وإن كان يعيش في أجمل مُدن العالم، وبين يديه كلّ وسائل الراحة الممكنة.

الحكايات التي تنجو دائمًا

يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة، فطالما أن حكاية الإنسان ما زالت على قيد الحياة، إذن فهو حيّ على الأقل في هذه الحكاية. لذلك، يمكن القول إنّ إسرائيل نَجحت في قتل ما يزيد عن 73 ألف غزّي، ولكنها ظلّت عاجزةً طوال أكثر من 1000 يوم من الإبادة، عن قتل الحكاية، حتى مع محاولتها قتل الكُتاب والصحفيين والمثقفين.

وبالعودة للوراء قليلًا، نجد أن هذه ليست المرة الأولى التي تفشل فيها إسرائيل في قتل حكاية الفلسطيني، فقد حاولت منذ عام 1948م تغيير الرواية، ومحو أسماء الأماكن، وتقديم الفلسطيني على أنه عابرًا في أرضه، وما زالت تحاول إعلاميًا وشعبيًا اليوم، ولكنها دائمًا ما تفشل في ذلك. فالحكاية تُورّث مثل البيت والمال، وكأن لسان حال الغزّي يقول ما قاله الدكتور الشهيد رفعت العرعير: "إذا كان لا بُدّ أن أموت، فلا بد أن تعيش أنتَ لتروي حكايتي".

العادات تنزح مع أصحابها

حين يغادر الفلسطيني مكانه، سواءً نزوحًا أو هجرةً أو سفرًا عاديًا، يحملُ حقيبةً ثقيلة معه لا يمكنه العيش دونها، لا تضمّ هذه الحقيبة ملابس عادية وأطعمة، بل تضمّ عاداته وتقاليده. وبما أنّ هذه العادات ليستْ شيئًا قابلًا للقتل، لم تستطع إسرائيل إبادة العادات الغزية، فسفرة الطعام تُفرد بالطريقة نفسها في الخيمة، الزبدية حاضرة، الفلفل الأخضر، والحديثُ عن آخر أخبار الجيران والمغتربين لا توقفه أيّ لقمة. 

وإذا تجاوزنا الخيمة قليلًا، سوفَ نجد الزيارات العائلية لم تنقطع بمناسبةً ودون مناسبة، حتى وإن قلّ التهادي فيها، كذلك السهرات على شاطئ البحر، والزّفات التي يلبسُ فيها أهل العرس والجيران أجمل ما لديهم، ثمّ يلتفون حول العريس يزفونه بذات الأهازيج القديمة. كما أن عادات العيد ما زالت كما هي أيضًا، الصلاة في العراء دون مبالاةٍ لقصف أو رصاصة طائشة، ثمّ تبادل التهاني والمعايدات التي أصبحت دون نقود، وقد أضافت الإبادة طقسًا جديدًا إليها... وهو زيارة العائلة في المقبرة.

الأمل يدخل من النافذة

لم يعد في غزة أبواب، هشّمتها إسرائيل رغبةً منها في إبادة الأمل، ولكنها نَستْ أنّ لدينا نوافذ يستطيع الأمل التسلل منها. لذلك، لم تستطع الإبادة انتزاع الحُلم بحياة أخرى أفضل، وقد تجلى ذلك في الأيام الأخيرة، بفرحة طلاب الثانوية العامة، واجتماع الأهالي في الخيام وحولها احتفالًا بهم وتمنيًا لهم بحياة أفضل. كما لم يغب مشهد الحلويات التي توزّع هنا وهناك عن الصورة، وعلى الرغم من أن صورة الفرح التي تخرج من غزة، لا تدلّ على سعادة أهلها، فلا أحد يسعد بالعيش في خيمة بعيدًا عن بيته، ولكنّ هذه الصورة تقول شيئًا واحدًا: ما زلنا قادرين على الحياة، فنحنُ قادرين على الأمل، كيف لا ونحنُ نربّيه منذ سنواتٍ طويلة، حتى أصبحنا نعتبره فردًا من أفراد العائلة.

غزة التي نحملها معنا لا تُقتل

نعم، نجحت إسرائيل في هدم البيوت وتغيير معالم المدينة، فرقت العائلة بين مواصٍ ومواصٍ، وبين معبرٍ وآخر، أعادت تشكيل العادات الغذائية للناس، وتمكنت من تغيير بعض عاداتهم اليومية، ولكنها بعد ثلاث سنواتٍ من الإبادة، ما زالت عاجزة عن الوصول إلى الذاكرة، تلك التي تحمل البيت بصورته الكاملة، وفيها الحارة والشارع والجيران مكتملين غير ناقصين. فعلى الرغم من أنها هدمت قاعات الأفراح، إلا أنها لم تستطع منع الناس من الغناء والفرح، وقد تمكنت أيضًا من قتل الأهل والجيران والأصدقاء، إلا أنّها فشلت في استهداف حكاياتهم ومنع انتقالها من شخصٍ إلى آخر، ولعلّ هذا ما يجعلها إلى اليوم مستمرة في القتل والتدمير، دون أن تدري أنّ هناك غزة أخرى كاملةً نحملها في ذاكرتنا نحملها معنا أينما كنّا.

الكلمات المفتاحية

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي


هل حل خريف نتنياهو؟

هل حل خريف نتنياهو؟

كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود


البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني


عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

قد يكشف لنا قادم الأيام، تفاصيل هذه الهندسة، لكن المؤكد أن الإدارة الأميركية لن تكرر ما حدث في العام 2006 الذي أحرجها ووضعها في موقف

محكمة إسرائيلية تأمر بوقف مناقصة "الطابو" الإسرائيلي في الضفة
أخبار

محكمة إسرائيلية تأمر بوقف مناقصة "الطابو" الإسرائيلي في الضفة

أصدرت المحكمة المركزية أمرًا مؤقتًا يلزم الإدارة المدنية بالامتناع عن التقدم في إجراءات المناقصة، ردًا على التماس قدمته منظمة حقوقية

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي
أخبار

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي

أعلنت وزارة الصحة في القطاع وصول 3 شهداء جدد و27 مصابًا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية


مشروع استيطاني جديد لتهويد سبسطية وبُرقة شمال نابلس
أخبار

كيف يحوّل الاحتلال "الإخطارات الأثرية" إلى أداة للسيطرة على الأراضي؟

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "الإخطارات الأثرية" للاحتلال لا تعد أوامر استيلاء بحد ذاتها، ولكهنها قد تفضي عمليًاإلى فرض سيطرة وظيفية عليها.

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي
تقارير

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟