أنظمة الري في غزة: تدمير واسع أدى إلى انهيار الأمن الغذائي
11 مايو 2026
المكان: مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، أما الزمان، فبعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية. يقف المزارع يوسف المصري فوق أرضه المدمرة، مستذكرًا أيامًا كان الماء فيها يصل إلى الحقول بكبسة زر. حينها، كانت البيوت البلاستيكية في هذه المنطقة على مد البصر، وأنابيب الري الحديثة تضخ الحياة إلى جذور النباتات بدقة محسوبة. أما اليوم فلا ملامح لشيء سوى الخراب.
قبل الحرب، كان ريّ أرض يوسف كاملة لا يستغرق أكثر من ساعتين فقط، عبر نظام الري بالتنقيط، وكانت كل شجرة تأخذ حصتها الدقيقة من الماء. أما اليوم، فيحمل الماء بالدلاء أحيانًا، ويستخدم أحيانًا أخرى خراطيم قديمة
كان يوسف (43 عامًا) يعتمد على شبكة ري حديثة مرتبطة بمضخة كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية، وهو حلٌّ لجأ إليه بسبب أزمة التيار الكهربائي التي أحدثها الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، قبل أن يبدد جيش الاحتلال هذا الحل بتدمير الألواح الشمسية وخزانات المياه، وحتى البئر التي كانت تغذي نحو 11 دونمًا من المزروعات.
أرض عطشى ومحاصيل تحتضر
قبل الحرب، كان ريّ أرض يوسف كاملة لا يستغرق أكثر من ساعتين فقط، عبر نظام الري بالتنقيط، وكانت كل شجرة تأخذ حصتها الدقيقة من الماء. أما اليوم، فيحمل الماء بالدلاء أحيانًا، ويستخدم أحيانًا أخرى خراطيم قديمة بالكاد توصل الماء إلى نصف الأرض.
يشير يوسف إلى أنابيب سوداء متناثرة بين التراب قائلاً: "هذه الأنابيب كانت مثل الشرايين، وكل خط منها يوصل الحياة إلى النباتات، وعندما انفجرت، شعرت أن الأرض نفسها تنزف، كأننا عدنا أربعين سنة إلى الوراء في لحظة".
ويوضح يوسف أن زراعة الطماطم والخيار والفلفل تعتمد على انتظام الري بشكل دقيق، وأي انقطاع طويل يؤدي إلى تلف المحصول بالكامل، مضيفًا: "النبات مثل الطفل، إذا تأخر عنه الماء، يموت ببطء. ونحن الآن نرى موت المحاصيل أمام أعيننا ولا نستطيع فعل شيء".
والآن، لم تعد المشكلة في توفر الماء، إذ لا توجد شبكة قادرة على توزيعه إن توفر، فالأنابيب دمرت، والمضخات تعطلت، والكهرباء شبه معدومة.
موت الحقول
يشير يوسف إلى خزان مياه مثقوب بشظايا صواريخ إسرائيلية قائلا: "هذا الخزان وحده كان يروي آلاف الأشتال يوميًا، أما الآن فلا يحتفظ حتى بدلو ماء واحد، وهكذا عدنا إلى وسائل بدائية، منها تعبئة خزانات صغيرة يدويًا أو استخدام عربات بدائية لنقل المياه لمسافات طويلة".
لكن بحسب يوسف، فإن هذه الطرق البدائية "لا تكفي لإنقاذ المحاصيل الكبيرة، فالأرض الواسعة لا يمكن ريها بالدلاء، لذلك ترك كثير من المزارعين أراضيهم تموت، والجهد الذي كان يحتاج عاملاً واحدًا بات يحتاج خمسة عمال وأكثر".
هكذا فقد يوسف الأمل في إعادة زراعة أرضه، وهو "فقدانٌ مؤقتٌ للأمل" بحسب قوله، "فحتى لو توقفت الحرب اليوم، نحن بحاجة إلى سنوات لإعادة بناء ما تهدّم".
وأشار إلى أن كثيرًا من المزارعين تراكمت عليهم الديون بعد خسارة المعدات الزراعية وأنظمة الري التي كلفتهم آلاف الدولارات، مما دفع الكثير منهم لترك المهنة.
يقول يوسف: "عندما تموت الزراعة، لا يخسر المزارع وحده، فالعامل يخسر عمله، والتاجر يخسر بضاعته، والناس تخسر الغذاء".
ووفق تقرير صادر عن مركز رؤية للتنمية السياسية، فقد تعرضت البنية التحتية الزراعية في قطاع غزة خلال الحرب إلى دمار واسع، بعدما تضرر 1188 بئرًا زراعيًا، أي ما يعادل 52.5% من إجمالي الآبار، إضافة إلى تدمير أكثر من 450 ألف متر طولي من شبكات الري.
ويشير مركز رؤية إلى أن مساحة الأراضي الزراعية تبلغ حوالي 41% من مساحة قطاع غزة، وكانت تزرع بشتى أنواع السلع الزراعية، التي تساهم بشكل رئيسي في توفير الأمن الغذائي للفلسطينيين في قطاع غزة.
ويشير تقرير للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن القطاع الزراعي كان يساهم بنسبة 11% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الإبادة الجماعية في قطاع غزة، أي نحو 343 مليون دولار عام 2022، ومع اندلاع الحرب توقفت الأنشطة الزراعية تقريبًا بخسائر يومية قدرت بـ1.6 مليون دولار.
ومع انتهاء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عاد الإنتاج بشكل محدود لا يغطي احتياجات السوق. ووفق وزارة الزراعة في غزة، فإن نحو 50% من الأراضي الزراعية تقع خلف "الخط الأصفر"، بما يشمل مساحات واسعة في شمال القطاع وشرقه وجنوبه.
وتوضح الوزارة أن مساحة الأراضي الزراعية قبل الحرب كانت تقدر بنحو 178 ألف دونم، منها 93 ألف دونم مزروعة بالخضروات، إلا أن نحو 90% منها خرجت عن الإنتاج.
كارثة زراعية وبيئية
يؤكد المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، رأفت عسلية، أن الإبادة الجماعية "تسببت في كارثة زراعية وبيئية غير مسبوقة في قطاع غزة، تمثلت في تدمير وتضرر 75% من الأراضي الزراعية، إلى جانب تدمير مئات الكيلومترات من شبكات المياه والري".
ويوضح عسلية، في حديث لـ "الترا فلسطين"، أن عمليات التدمير طالت البنية التحتية الزراعية بشكل مباشر، بما يشمل شبكات الري، وآبار المياه، ومحطات الضخ، ومصادر الطاقة من كهرباء ووقود، ما أدى إلى شلل شبه كامل لأنظمة الري الحديثة وتوقف إيصال المياه إلى الأراضي الزراعية.
ونتيجة لعمليات التدمير هذه، انهار الإنتاج الزراعي ليصل إلى 7% فقط من حجم احتياج قطاع غزة من الخضار والفاكهة، وبالتالي فقدان الاعتماد على الإنتاج المحلي كمصدر أساسي للغذاء.
ويشدد عسلية على أن لجوء المزارعين، مضطرين، إلى الري اليدوي باستخدام كميات محدودة أو مياه ملوثة، انعكس سلبًا على جودة المحاصيل بسبب نقص المياه وعدم انتظام عمليات الري.
ويوضح عسلية أن انهيار البنية التحتية الزراعية فاقم الأعباء الاقتصادية على المزارعين عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، نتيجة الحاجة إلى شراء المياه والوقود والمعدات البديلة، بالتزامن مع فقدان مصادر الدخل وتعذر وصول كثير من المزارعين إلى أراضيهم لزراعتها، ما حولهم من منتجين إلى متضررين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
نتيجة لعمليات التدمير، انهار الإنتاج الزراعي ليصل إلى 7% فقط من حجم احتياج قطاع غزة من الخضار والفاكهة، وبالتالي فقدان الاعتماد على الإنتاج المحلي كمصدر أساسي للغذاء
ويؤكد عسلية أن آثار عمليات التدمير تجاوزت القطاع الزراعي لتسبب كارثة بيئية، تمثلت في تملح التربة بسبب شح المياه العذبة، وتلوث المياه الجوفية بتسرب المواد الكيميائية ومياه الصرف الصحي، إضافة إلى تدهور خصوبة التربة جراء القصف وتجريف الأراضي، واستنزاف الموارد المائية مع غياب القدرة على إدارتها.
شلل القطاع الزراعي
يصف المهندس الزراعي أمجد شحادة واقع القطاع الزراعي في قطاع غزة حاليًا بأنه "في حالة شلل شبه كامل"، مبينًا أن الري البدائي يهدر كميات كبيرة من المياه، ولا يضمن وصولها بشكل متوازن للنباتات، ما يؤدي إلى ضعف الإنتاج وزيادة تلف المحاصيل، إضافة إلى استنزاف جهد المزارعين وارتفاع كلفة الزراعة مقارنة بالعائد.
ويؤكد شحادة، في حديث لـ"الترا فلسطين"، أن تضرر الآبار وشبكات الري ينعكس بشكل سلبي على جودة التربة والمحاصيل الزراعية، فعندما يضطر المزارعون لاستخدام مياه مرتفعة الملوحة، ترتفع نسبة الأملاح في التربة، ما يضعف خصوبتها ويؤثر سلبًا على نمو النباتات وجودة المحاصيل، وقد يجعل بعض الأراضي غير صالحة للزراعة مستقبلاً.
ويوضح أن تدمير أنظمة الري الحديثة للمزارعين، يعني فقدان المعدات والبنية التقنية وتعطل دورة الإنتاج بالكامل، ما يفاقم ديون المزارعين وخسائرهم الاقتصادية.
ويشدد شحادة على أن القطاع الزراعي يحتاج بشكل عاجل إلى إعادة تأهيل الآبار وشبكات الري، وتوفير مصادر طاقة بديلة ومعدات زراعية، إضافة إلى دعم المزارعين بالبذور والمستلزمات الأساسية، لضمان استمرار الإنتاج ومنع تفاقم أزمة الغذاء.
الكلمات المفتاحية
خاص | حوارات الفصائل: مقاربات حول "سلاح غزة" وترقّب لمقترح جديد
من المتوقع أن تستمر الاجتماعات خلال الساعات المقبلة، مع ترجيحات بانخراط الوسطاء من تركيا وقطر ومصر بشكل مباشر في جولات التفاوض مع الفصائل
نقص أدوية وديون بمليارات الشواكل.. القطاع الصحي في الضفة على حافة الانهيار
أكثر من 35.5% من الأدوية في وزارة الصحة رصيدها الصفر، و50 صنفًا دوائيًا من أصل 97 صنفًا دوائيًا لمرضى السرطان رصيدها صفر
حرب تمحو تفاصيل الطفولة في غزة.. والألعاب أول ضحاياها
بات اللعب بالنسبة لكثير من الأطفال في غزة حقًا غائبًا وذكريات بعيدة أكثر من كونه جزءًا من واقعهم اليومي
خاص | حوارات الفصائل: مقاربات حول "سلاح غزة" وترقّب لمقترح جديد
من المتوقع أن تستمر الاجتماعات خلال الساعات المقبلة، مع ترجيحات بانخراط الوسطاء من تركيا وقطر ومصر بشكل مباشر في جولات التفاوض مع الفصائل
اعتقال فلسطيني في اليونان بذريعة التخطيط لاستهداف مصالح إسرائيلية
وفق المزاعم الإسرائيلية، أقرّ المعتقل خلال التحقيق بانتمائه إلى حركة حماس، وقال إنه كان "ينتظر التعليمات" لتنفيذ العملية.
استشهاد المنفد.. مقتل مستوطن وإصابة 5 آخرين في عملية إطلاق نار في "كوخاف يائير"
عملية إطلاق نار متدحرجة وقعت في عدة مواقع، شملت محطة وقود قرب مستوطنة كوخاف يائير، ومنطقتي تسور يتسحاق وتسور ناتان
الضفة: 9 معتقلين بينهم أكاديميّ ومستوطنون يهاجمون عمالًا في جلجليا
اعتقلت قوات الاحتلال، فجر اليوم، المحلل السياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، بلال الشوبكي، بعد الاعتداء عليه بالضرب.