أيار في الوجدان الفلسطيني: شهر الجمادي والتحول من الربيع إلى الصيف
5 مايو 2026
يمثل شهر أيار/مايو في الذاكرة الجمعية الفلسطينية محطة زمنية فارقة، تتجاوز كونها مجرد ثلاثين يومًا في التقويم. إنه الشهر الذي تتجلى فيه فلسفة التحول في الطبيعة الفلسطينية؛ حيث يودع الفلاح جمال الربيع وأزهاره ليستقبل عنفوان الصيف وحرارته.
يُعرف أيار في بلاد الشام والعراق بهذا الاسم ذي الأصول السريانية، وهو في الموروث البابلي القديم يرمز إلى "الزهر" والخصوبة. بالنسبة للفلاح الفلسطيني، أيار هو "عرس الأرض"، الوقت الذي تتحول فيه الألوان من الأخضر اليانع إلى الأصفر الذهبي، وحيث تتحول الحقول من مساحات للتنزه إلى ساحات للعمل الشاق والإنتاج.
وعلى الصعيد الوطني، يحضر أيار كشاهد على "النكبة"، مما يضفي عليه صبغة من القدسية الممزوجة بالشجن، حيث ارتبط بذاكرة اللجوء والتهجير في منتصف القرن الماضي.
يمثل شهر أيار بداية موسم الحصاد للحبوب وخاصة القطاني والفول والشعير والقمح، ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو طقس اجتماعي وروحاني متكامل
أولًا: دلالات التسمية.. لغة الأرض والعمل
لم يكتفِ التراث الفلسطيني بتسمية واحدة لهذا الشهر، بل أطلق عليه أوصافًا تشرح حالته المناخية والزراعية:
- شهر النوار: هي التسمية الأكثر شاعرية، وتأتي من "النُوار" أي تفتح الأزهار. يرى الفلاح في هذا التفتح "قوة الحياة" والقوة الخارقة للخالق التي تتجلى في كل برعم. كما تُشتق التسمية لغويًا من "النور" (الضياء)، دلالة على سطوع الشمس واكتمال الجمال الإلهي في الطبيعة.
- جمادي: هذه التسمية هي الأكثر دقة من الناحية الزراعية؛ ففي أيار تصل حبة القمح والشعير إلى مرحلة "التصلب". تتوقف الحبة عن كونها لينة في طورها الحليبي وتبدأ في القسوة استعدادًا لليباس، لذا يقول الفلاحون أن المحصول "جمد" وتصلب. وهي المرحلة التي تلي الفصل الماطر نيسان، وتمهد للدخول في فصل الصيف الجاف، حيث تبدأ الأرض بالصلابة وتفقد رطوبتها السطحية.
ثانيًا: الطقوس الزراعية.. سيمفونية المنجل والعونة
يمثل شهر أيار بداية موسم الحصاد للحبوب وخاصة القطاني والفول والشعير والقمح، ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو طقس اجتماعي وروحاني متكامل.
- إعلان الحصاد: المبدأ الحاكم هو "بأيار اسحب منجلك وغار". يبدأ الفلاحون بحصاد الشعير أولًا؛ لأنه ينضج قبل القمح، وتنتقل المناجل من المناطق المنخفضة كغور الأردن صعودًا نحو الجبال.
- نظام "العونة": لا يتم الحصاد بشكل فردي، بل تجتمع العائلات والجيران في تظاهرة تعاونية. تتعالى أصوات "المهاهاة" والأهازيج التي تشحن الهمم، ويتقاسم الجميع الطعام والشراب تحت ظلال الأشجار.
- طقس "صاع الخليل": مع تكويم أولى غلال القمح، يُخرج الفلاح كمية تسمى "صاع الخليل" (نسبة للنبي إبراهيم الخليل). هذا الصاع يُمنح للفقراء أو لعابر السبيل، وهو نوع من "الزكاة الشعبية" لضمان استمرار البركة.
- خروف الخليل: في بعض المناطق، يتم ذبح شاة بمجرد الانتهاء من عملية الدراس، وتسمى "خروف الخليل" تقديسًا لهذه المناسبة وشكرًا على المحصول الوفير.
- مشط القمح (التعليقة): تقوم النساء بجمع أجمل سنابل القمح وأطولها، ويقومون بنسجها بطريقة هندسية تشبه "المشط" أو "الكف". تُعلق هذه السنابل في صدر البيت، ويُعتقد أنها تحمي من الحسد وتجلب الرزق والبركة، ويحصد الشعير النبوي المستخدم في طقوس المولد ورد العين الحاسدة.
- تحضير الفريكة: بداية أيار تُجمع السنابل الخضراء التي وصلت لمرحلة "الجمادي"، وتُشوى على نار الحطب، ثم تُفرك لاستخراج حبات "الفريكة" ذات الرائحة المميزة.
- التحضير للمحاصيل الصيفية: ينشغل الفلاحون في أيار بحراثة بساتين اللوز والتين والزيتون للمرة الثانية "ثناية" عند بدء خروج الأوراق، وهي ممارسة تهدف للحفاظ على رطوبة الأرض. وفيه يزرع الفلاحون المحاصيل الصيفية وأهمها السمسم.
ثالثًا: المعتقدات الشعبية والارتباط بالفلك
عاش الفلاح الفلسطيني في تناغم مع النجوم والظواهر الطبيعية، وكان أيار مختبرًا لهذه العلاقة:
- طلوع الثريا (نجم الحصاد): يراقب الفلاحون بلهفة ظهور نجوم "الثريا" (حوالي 19 أيار). ظهورها يعني نهاية خطر البرد تمامًا، وبدء الحرارة التي تجعل السنابل "تطقطق" من الجفاف، وهو الموعد الحاسم لخروج القطعان للمراعي المكشوفة، ويُعد طلوع الثريا المبكر الإشارة الفعلية لبدء موسم الحصاد ويؤكد الفلاحون أن ظهورها يمثل بداية جفاف المحاصيل استعدادًا لجنيها.
- رياح الخماسين: ينقسم الفلاحون حول هذه الرياح الحارة والجافة في أيار التي يسمونها "السموم" من ناحية فائدتها والاستبشار أو الخشية منها. أهل مناطق الجبل يرحبون بقدومها في موسم عقد الزيتون ويدعون "يا رب السموم عند عقد الزيتون وما يظل في السهل ولا حبوم أجا الزرع (القمح) ولا عُمره ما أجا". أما أهل السهل فيتمنون العكس تمامًا "يا رب ندى ومبردا عند نفض المرودا يعقد الزيتون ولا عمره لا عقد". والسبب في ذلك أن أهل الجبل محصولهم الرئيسي الزيتون الذي يحتاج إلى هذا الجفاف للعقد، على عكس أهل السهل الذين يعتمدون على القمح، ويعتقدون إنها "تمتص الرطوبة"، لكنهم يستبشرون بالندى الذي يبرد الزرع. يُحذر الفلاحون من "حصيدة السموم"، حيث إن الحصاد أثناء هبوب الريح الشرقية الحارة يعني خسارة في كمية وجودة القمح المحصود.
- الحرارة الشديدة: سُجلت تاريخيًا موجات حرارة استثنائية في أواخر أيار في بعض الأعوام، حيث وصلت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في الظل.
- الهالات القمرية: كان رصد هالات حول القمر في ليالي أيار يُعد ظاهرة تستوجب التسجيل في المذكرات الفلكية المحلية، ولها دلالات مهمة للفلاحين.
- قدسية الخبز: في أيار، يبلغ تعظيم القمح ذروته. يُمنع التعامل مع حبات القمح باستهتار، ويُطلق عليه "العيش" أو "مصحف الله".و يسود اعتقاد شعبي بأن حبة القمح تحمل نقشًا خفيًا لاسم الله، دلالة على البركة العظيمة.
- تنبؤات الهلال: كان رصد شكل هلال أيار يحدد ملامح الموسم؛ فالهلال "القائم" (الواقف) ينذر ببرد، والمائل يبشر بوفرة وجودة في الثمار.
- الأيام المنحوسة: حدد التراث الشعبي أيامًا معينة في أيار (1، 6، 7، 8، 19، 25) كأيام "منحوسة" لا يُفضل فيها البدء بأعمال كبيرة أو مشاريع جديدة.
- العنصرة: هي حشرة تظهر في شهر أيار مع أول موسم حصاد القمح والقطاني، وهذه الحشرة تأكل الحشرات الأصغر مثل المن والبرغش، ويعد ظهورها إيذانًا ببداية موسم الحصاد. أما عند المسيحيين: مناسبة دينية تأتي يوم الأحد بعد 50 يومًا من عيد الفصح أي نهاية شهر أيار أو بداية حزيران، وهو عيد ديني لدى المسيحيين.
رابعًا: المأكولات الشعبية
تتزين المائدة الفلسطينية في أيار بباكورة إنتاج الصيف وبعض الوجبات الموسمية:
- المسخن: يشتهر خاصة في مناطق الأغوار وطوباس بسبب نضج البصل الجديد وتوفر زيت الزيتون والسماق البلدي.
- المشمش والتوت: يُلقب أيار بـ"أبو الثمر الطيار" لأن ثمار المشمش والتوت تنضج فيه وتختفي سريعًا، ومن هنا جاء المثل "جمعة مشمشية".
- البحتة والهيطلية: حلويات تعتمد على الحليب والنشا، تُصنع احتفاءً بموسم الحليب (الدرار) الذي يفيض في أيار وتُقدم باردة ومزينة بالزهور.
- القدرة الخليلية: تنتشر كأكلة تقليدية في هذا الموسم في الخليل وغزة وبئر السبع. وخاصة أثناء الخروج إلى البر "السيران".
خامسًا: موسوعة الأمثال الأيارية
الأمثال هي "القانون الشعبي" الذي ينظم حياة الفلاح، وأيار له نصيب الأسد منها:
- عن المحاصيل والوفرة:
- "أيار توت ومشمش وخيار": المثل الأشهر الذي يحدد خارطة الطريق الغذائية لهذا الشهر.
- "في أيار كُل كوسا وخيار": دعوة للاستفادة من خضروات الموسم الطازجة.
- "بأيار بتفتح الدنيا غمار غمار": (الغمر هو حزمة القمح الكبيرة)، دلالة على بدء الحصاد.
- "أيار أبو الثمر الطيار": إشارة لسرعة نضج واختفاء فواكه هذا الشهر.
- عن تقلبات الطقس:
- "برد أيار خراب ديار": إشارة إلى أن البرد المتأخر في هذا الشهر يقتل الثمار ويضرب المحصول.
- "شمس أيار بتعلّم ع الحجار": تعبيراً عن سطوعها القوي وبداية الصيف الفعلي.
- "أيار شهر الرياح والأزهار": يجمع بين تفتح الطبيعة وهبوب الرياح المريحة.
- "المطرة بأيار لاتنفع ولاتضار": كناية عن عدم حاجة المحاصيل الجافة للمطر.
- بأيار نام على سطح الدار
- عن العمل والإنتاج:
- "بآخر أيار الغمر طيار": دلالة على الإسراع في نقل المحصول من الحقل للبيدر.
- بأيار احصد الشعير ولو كان خيار، وإن ما صار موني بيصير بذار. للتأكيد على أولوية حصاد الشعير في وقته.
- "في أيار، اسحب المنجل وغار": دعوة صريحة للفلاح للبدء بعملية حصاد القمح والشعير قبل أن تجف السنابل وتتكسر.
- بأيار تثمر الأشجار
سادسًا: أهازيج الحصاد.. صوت الأرض
لم يكن الحصاد ليتم دون "الأهازيج" التي تعتبر وقود العمل:
أغاني الصباح: يناجي الحصادون "الندى" قائلين: "بارك الله في الندى.. الندى لولا الندى.. سمم الزرع وردى". فالندى يبرد السنابل ويجعل المنجل يقطع بسلاسة.
أغاني الشكوى والتحفيز: يخاطب الحصاد محصوله بـ"يا شعير أبو صفين.. قوّمتني من تالي الليل". وفي وقت الظهيرة، يغنون لطلب الطعام: طلع الهوا يا حصّاد.. حاجة قاعد في الفيّة.. يا حصّاد الملوكية.. ما بيحصد ولا فيّ.. إلا ما تيجي اللبنية.. حتى آكل واشبع.. بتدب المروة [الهمّة] فيّي.
أغاني الحاصدات: تقارن النساء بين تعب الحصاد وجني المشمش: "الحصيدة ما تتعبش.. يتعب لقط المشمش".
أيار.. ذاكرة الأرض التي لا تجف
في الختام، يظل شهر أيار في فلسطين مدرسة متكاملة في الانتماء للأرض. إنه الشهر الذي تتحول فيه حبات العرق إلى حبات قمح، وتتحول فيه الهموم إلى أهازيج. برغم كل الصعاب، يظل أيار يذكرنا بأن "اقتصاد البركة" الذي مارسه الفلاح الفلسطيني عبر "صاع الخليل" و"مشط القمح" هو السر وراء بقاء هذا المجتمع وصموده.
إنه شهر المنجل الذي يحصد الوجع ليزرع الأمل، وشهر النوار الذي يعطر ذاكرة البلاد مهما طال الزمن. ولكنه تحول بعد التشرد من شهر البركة الى شهر النكبة التي دمرت النسيج الوطني والاجتماعي الفلسطيني ولا زلنا حتى اليوم نعاني من آثارها.
الكلمات المفتاحية
من "القالوشة" إلى "الجورعة": موسم الدراس والبيدر
سمى الفلسطينيون شهر حزيران باسم "أقلاش" نسبة إلى القالوشة، وهي المنجل المستخدم لحصاد القمح والشعير وغيرها من الحبوب.
بعد 32 شهرًا في الاعتقال الإداري.. الإفراج عن القيادي في حماس حسن يوسف
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، عن القيادي البارز في حركة "حماس" الشيخ حسن يوسف، بعد قضائه نحو 32 شهرًا رهن الاعتقال الإداري
القمح والخبز في التراث الفلسطيني: أساطير القداسة وطقوس الحصاد
لا يقتصر موسم الحصاد الممتد من أيار إلى آب على القمح وحده، بل يرافقه الشعير والبقوليات كالحمص والفول والعدس، والذرة والسمسم، وهي محاصيل تسد حاجة الإنسان، وتعلف الحيوانات التي هي شريكة الفلاح في الكد
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية