ultracheck
قول

إذا كان 11 سبتمبر قد غيّر الاستراتيجية الأميركية العالمية.. فإن 7 أكتوبر غيّر الشرق الأوسط

20 يونيو 2026
إذا كان 11 سبتمبر قد غيّر الاستراتيجية الأميركية العالمية.. فإن 7 أكتوبر غيّر الشرق الأوسط
رائد أبو بدوية
رائد أبو بدوية أستاذ في القانون الدولي والعلاقات الدولية

ليست كل الحروب أحداثًا عسكرية عابرة، فبعضها يتحول إلى لحظات تأسيسية تعيد رسم الخرائط السياسية وتكشف نهاية مرحلة وبداية أخرى. وإذا كان الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 قد مثّل اللحظة التي أعادت توجيه الاستراتيجية الأميركية نحو "الحرب على الإرهاب"، فإن السابع من أكتوبر 2023 يبدو مرشحًا؛ لأن يكون الحدث الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط نفسه، ليس فقط بسبب حجم الصدمة الأمنية التي أحدثها، وإنما لأن تداعياته كشفت حدود النظام الإقليمي الذي تشكل منذ نهاية الحرب الباردة، ووضعت المنطقة أمام مرحلة انتقالية جديدة لم تتحدد ملامحها النهائية بعد.

لم يكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر مجرد عملية عسكرية مفاجئة أو حرب جديدة في غزة، بل شكل لحظة تاريخية كشفت عن نهاية مرحلة امتدت منذ اتفاق أوسلو وتعززت مع اتفاقيات أبراهام. فقد قامت الرؤية الأمريكية والإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الماضية على افتراضات بدت راسخة: إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية عبر التطبيع، وإدارة الصراع بدلًا من حله، والاعتماد على التفوق العسكري الإسرائيلي باعتباره ضمانة للاستقرار، مع افتراض أن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الموقع المركزي في الاستراتيجية الأميركية التي اتجهت نحو آسيا والمحيط الهادئ.

غير أن الحرب وما تبعها من تداعيات إقليمية أسقطت هذه الافتراضات دفعة واحدة. فقد عادت القضية الفلسطينية لتفرض نفسها باعتبارها أحد محددات الاستقرار الإقليمي، وأثبتت الأحداث أن تجاهل جذور الصراع لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. كما أظهرت الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، لا تستطيع بمفردها إنتاج نظام سياسي مستقر، وأن الأمن لا يمكن أن يكون بديلًا عن السياسة.

لقد انهار مع السابع من تشرين الأول/أكتوبر أحد أهم الأسس الفكرية التي حكمت المرحلة السابقة، وهو مفهوم "السلام الاقتصادي". فقد افترضت المقاربة الأميركية والإسرائيلية أن تحسين الظروف الاقتصادية ودمج إسرائيل إقليميًا يمكن أن يشكلا بديلًا عن التسوية السياسية. إلا أن الحرب أثبتت أن التنمية الاقتصادية لا تستطيع أن تحل محل الحقوق السياسية، وأن التطبيع الإقليمي، رغم أهميته، لم ينجح في تجاوز مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي والإسلامي وفي حسابات الأمن الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب الشرق الأوسط إلى قلب النظام الدولي. فبينما كانت الولايات المتحدة تعمل على تقليص انخراطها في المنطقة والتفرغ لمواجهة الصين، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى الشرق الأوسط بفعل المخاطر التي تهدد أمن الطاقة، والممرات البحرية، والتجارة العالمية، واحتمالات توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة. إلا أن هذه العودة لا تعني استعادة نموذج التدخل العسكري الذي طبع العقود السابقة، بل تعكس سعيًا أميركيًا لإدارة الأزمات والتوازنات بأقل تكلفة ممكنة.

وربما كان أحد أبرز نتائج الحرب هو الكشف عن التباين المتزايد بين المصالح الأميركية والإسرائيلية. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عالمية، تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره جزءًا من شبكة واسعة من المصالح الدولية، وتسعى إلى منع الحروب الكبرى والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي والتفرغ لمنافسة الصين وروسيا. أما إسرائيل، فتنطلق من اعتبارات الأمن القومي الإسرائيلي وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقها الاستراتيجي. وبينما تميل واشنطن إلى إدارة الصراعات واحتواء الخصوم، تميل إسرائيل إلى منطق الحسم وإعادة هندسة المنطقة بالقوة.

ومن هنا يمكن فهم التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية تجاه إيران. فبعد سنوات من سياسة الضغوط القصوى، باتت واشنطن تبدو أكثر ميلًا إلى التفاهمات التي تمنع الانفجار الكبير، حتى وإن تعارض ذلك مع الرؤية الإسرائيلية. فالهدف الأميركي لم يعد إعادة تشكيل المنطقة وفق مشاريع أيديولوجية، وإنما منع انهيارها وضمان حد أدنى من الاستقرار يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على أولوياتها العالمية.

لكن التحول الأهم الذي كشفته أحداث السابع من أكتوبر يتمثل في أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الهيمنة إلى التوازنات. فالنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب الباردة، والقائم على التفوق الأمريكي المطلق، يفسح المجال تدريجيًا أمام نظام أكثر تعقيدًا وتعددًا، تتداخل فيه أدوار القوى الإقليمية والدولية.

فالسعودية، ومصر، وتركيا، وإيران، وإسرائيل، ودول الخليج، لم تعد مجرد أطراف تتحرك ضمن الإطار الذي ترسمه واشنطن، بل أصبحت قوى تمتلك مشاريعها ومصالحها الخاصة، في حين بات الحضور الصيني والروسي جزءًا من معادلات المنطقة. وهكذا يتجه الشرق الأوسط نحو مرحلة تقوم على توازنات متحركة، وليس على هيمنة طرف واحد.

كما يبدو أن المرحلة القادمة ستقوم على الاحتواء بدلًا من الحسم، وعلى إدارة الصراعات بدلًا من السعي إلى إنهائها بالقوة، وعلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر تعقيدًا، يكون للقوى العربية دور أكبر فيها. وفي المقابل، ستبقى القضية الفلسطينية عنصرًا بنيويًا لا يمكن تجاوزه في أي نظام إقليمي جديد، مهما تعددت مشاريع التسوية أو تبدلت موازين القوى.

ولعل المفارقة التاريخية الكبرى أن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر دفعت الولايات المتحدة إلى الانغماس العميق في الشرق الأوسط، بينما قد يدفعها السابع من تشرين الأول/أكتوبر إلى الاتجاه المعاكس؛ أي إلى البحث عن شرق أوسط أكثر توازنًا وأقل تكلفة، قائم على إدارة التنافسات بدلًا من خوض الحروب نيابة عن الجميع.

وبهذا المعنى، فإن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن مجرد بداية حرب جديدة، بل لحظة تاريخية كشفت نهاية الشرق الأوسط الذي تشكل بعد أوسلو، وبداية مخاض شرق أوسط جديد يقوم على خمس ركائز كبرى: التوازن بدلًا من الهيمنة، والاحتواء بدلًا من الحسم، وعودة القضية الفلسطينية إلى قلب معادلات الاستقرار، وتزايد التباين بين المصالح الأميركية والإسرائيلية، وصعود نظام إقليمي متعدد القوى والمشاريع.

وربما لا تكون المبالغة كبيرة إذا قيل إن الحادي عشر من أيلول/سبتمبر غيّر الاستراتيجية الأميركية، لكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر غيّر الشرق الأوسط نفسه. أما الشكل النهائي لهذا الشرق الأوسط الجديد، فلن تحدده نتائج الحرب وحدها، بل ستحدده أيضًا طبيعة التوازنات التي ستنشأ بين القوى الإقليمية والدولية خلال العقد القادم، وهو ما يجعل المنطقة تقف اليوم أمام لحظة تأسيسية جديدة، قد تكون الأكثر أهمية منذ نهاية الحرب الباردة.

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


هيئة مقاومة الجدار: 59 أمرًا للاحتلال بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أخبار

مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام

أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
أخبار

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"

كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا