ultracheck
تقارير

احتلال من الأعلى: كيف تحولت "الزنانة" إلى جزء من الحياة اليومية وحرب الأعصاب في غزة؟

26 فبراير 2026
احتلال من الأعلى: كيف تحولت "الزنانة" إلى جزء من الحياة اليومية وحرب الأعصاب في غزة؟
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

في غزة، لا يبدأ الخوف بالانفجار بل يبدأ بصوت. صوتٌ رفيع، حاد، متواصل، يشقّ السماء ولا يغادرها. يسمّيه الناس "الزنّانة". لا يُرى غالباً، لكنه حاضر دائمًا، يعلو فوق البيوت، ويخترق الصمت، ويحوّل السماء إلى مساحة مراقبة مفتوحة.

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، لم يعد هذا الصوت مرتبطًا بجولة قتال محددة أو ليلة تصعيد عابرة. صار طبقة ثابتة من المشهد، سقفًا صوتيًا منخفضًا لا يرتفع، وجزءً من إيقاع الحياة اليومية في غزة.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عاد صوت المسيّرات ليصبح الأكثر حضورًا في السماء، مع تحليق متواصل على مدار الساعة في معظم مناطق القطاع، وفق شهادات السكان، حتى في الفترات التي لا تشهد قصفًا مباشرًا. لم يعد الصوت مقدمة لانفجار محتمل فقط، بل تحول إلى حالة دائمة من الترقب، تلازم النوم واليقظة، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والسماء. لكن هذا الصوت لم يولد فجأة في سماء غزة.

منذ عام 2008، نشأ جيل كامل في غزة تحت صوت المسيّرات. أطفال تعلموا التمييز بين أنواع الأصوات القادمة من السماء. شباب اعتادوا النوم على أزيز دائم.

المسيرات كعقيدة عسكرية 

الاسم الشعبي في غزة "الزنّانة"، يشير إلى منظومة واسعة من الطائرات المسيّرة الإسرائيلية غير المأهولة، المخصصة للتصوير والتعقب وتوجيه النيران وتنفيذ الاغتيالات.

بدأت إسرائيل تطوير واستخدام الطائرات غير المأهولة منذ عام 1969، واستخدمتها لاحقًا خلال حرب أكتوبر 1973، ثم في اجتياح لبنان عام 1982. لكن الاستخدام المكثف في الأراضي الفلسطينية برز مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، قبل أن يتحول إلى عنصر مركزي في الحروب المتكررة على قطاع غزة منذ عام 2008.

خلال عدوان أواخر 2008 على غزة، الذي أسفر عن أكثر من 1400 شهيد فلسطيني وفق تقارير حقوقية، برز الدور المكثف للمسيّرات في عمليات الرصد والاستهداف. وفي حرب 2014، التي استمرت 51 يومًا وأدت إلى استشهاد أكثر من 2200 فلسطيني، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين عسكريين أن الطائرات المسيّرة نفذت نحو 75% من الطلعات الجوية خلال العمليات.

منذ ذلك الحين، لم تعد المسيّرات مجرد أداة مساندة. أصبحت العمود الفقري للحرب الجوية، نظرًا لقدرتها على التحليق لساعات طويلة، وجمع المعلومات، وتنفيذ ضربات دقيقة، والبقاء بشكل دائم فوق مناطق مأهولة.

ومن أبرز هذه الطائرات: هيرون، هيرمز 450، هيرمز 900، إيتان، إضافة إلى طائرات كواد كابتر صغيرة الحجم تُستخدم في العمليات القريبة ويمكنها حمل ذخائر يتم التحكم بها عن بعد. لكن في غزة، كل هذه الأسماء والتوصيفات تختصر في كلمة واحدة: الزنّانة.

يقول المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو عون إن الطائرات المسيّرة أصبحت جزءًا مركزيًا من العقيدة العسكرية الإسرائيلية الحديثة، موضحًا أنها تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز الاستهداف المباشر.

ويضيف أن هذه الطائرات تقوم بمهام الرصد المستمر وجمع المعلومات الاستخبارية وتحديد الأهداف ومتابعة تحركات الأفراد، إضافة إلى توجيه الطائرات المقاتلة والمدفعية، وفي بعض الحالات تنفيذ عمليات اغتيال مباشرة. كما يشير إلى أن إحدى أهم وظائفها هي فرض حالة مراقبة دائمة، تتيح للجيش الإسرائيلي الاحتفاظ بصورة استخبارية متواصلة عن البيئة الميدانية.

ويؤكد أبو عون أن القدرة على البقاء في الجو لساعات طويلة، وبتكلفة أقل مقارنة بالطائرات المأهولة، جعلت المسيّرات أداة مثالية لإدارة ما يُعرف بـ"الحرب المستمرة منخفضة الوتيرة"، حيث لا يكون الهدف دائمًا تنفيذ الضربات، بل الحفاظ على السيطرة والمراقبة الدائمة.

تحت الأزيز حياة معلّقة بين السماء والأرض

محمد المصري، 34 عامًا، من مدينة خان يونس، نجا من استهداف سيارته خلال الحرب، ويقول: "الزنّانة كانت فوقنا ساعات. فجأة الصوت قرب أكثر، وبعدها نزل الصاروخ. من يومها الصوت صار مقدمة موت". لكن ما بقي معه لم يكن الانفجار فقط، بل استمرارية الصوت.

أضاف: "في الحرب الأخيرة، كانت فوقنا 24 ساعة. حاولت أنام. كل ما أغفو، أرجع أفيق على نفس الصوت. بتحس إنها شايفاك بالذات. أولادي يسألوني: بابا هي راح تضربنا الليلة؟ ما عندي جواب. الانفجار لحظة وبتمر. بس الزنّانة بتخليك تعيش لحظة الانفجار كل دقيقة".

في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تصف أمينة سالم، 41 عامًا، الليل بأنه وقت المواجهة الأصعب مع هذا الصوت. وتقول: "بالنهار بتحاول تلهي حالك. بس بالليل لما تسكت الدنيا، الصوت بصير أوضح. ابني الصغير يسكر أذانه بإيديه أول ما يسمعها بتقرب. مرة سألني: ماما هي بتعرف اسمنا؟ ما قدرت أجاوب. هو مش بس خايف من الصاروخ. هو خايف من إنه يضل مستني".

أما عبد الكريم الحداد، 27 عامًا، من مخيم النصيرات، فيصف الإحساس بالمراقبة المستمرة، بالقول: "الزنّانة بتحسسك إنك مراقَب طول الوقت. حتى وإنت واقف عالسطح أو ماسك الموبايل. مرة كنت قاعد بالليل والصوت كان قريب. حسيت إنه عم يلف فوق بيتنا تحديدًا. نزلت بسرعة. يمكن ما في سبب، بس الإحساس قوي. ما بتشوفها، بس بتسمعها. يمكن عشان هيك الخوف أكبر".

الحاج محمود فايز، 63 عامًا، عاش الحروب المتتالية على غزة، ويرى أن العلاقة مع هذا الصوت تغيّرت مع الوقت. ويقول "أول مرة سمعناها استغربنا الصوت. اليوم صار جزء من حياتنا. الفرق إنه زمان كانت تجي وقت الحرب وتروح. الآن بتظل. زمان كنا نخاف من الطيارة الكبيرة لأنها بتقصف. اليوم بنخاف من الصوت الصغير لأنه ممكن يقصف وممكن بس يراقبك. القصف بيوجع الجسد. الزنّانة بتوجع الأعصاب". وهذه الشهادات لا تصف خوفًا عابرًا، بل نمطًا متكررًا.

حرب نفسية مستمرة

توضح هيام خلف الله، الاختصاصية النفسية في دائرة الصحة النفسية التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أن التعرض المستمر لأصوات الطائرات المسيّرة يترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصاً لدى الأطفال.

وتقول إن الصوت المستمر وغير المتوقع يُبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، ما يؤدي إلى اضطرابات النوم، ونوبات هلع، والتبول اللاإرادي لدى الأطفال، وارتفاع مستويات القلق المزمن.

وتضيف: "الإحساس بالمراقبة المستمرة أخطر من الضربة أحيانًا؛ لأن الدماغ لا يحصل على فرصة للهدوء أو استعادة الإحساس بالأمان. هذا النوع من التعرض المستمر للتهديد يخلق استنزافاً نفسياً طويل الأمد".

في الأدبيات الأمنية، يُستخدم مفهوم "الردع النفسي المستمر"، أي إبقاء المجتمع في حالة توتر دائم كجزء من منظومة السيطرة. في هذا السياق، لا يكون الصوت مجرد أثر جانبي للحرب، بل جزءاً من بنيتها.

عندما يتحول الصوت إلى سياسة

ينص القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة، على وجوب حماية السكان المدنيين من إجراءات الترهيب والعقاب الجماعي، ويلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، وتجنب التسبب بمعاناة غير ضرورية.

يرى محمد النحال، الخبير في القانون الدولي، أن استخدام الطائرات المسيّرة بحد ذاته ليس محظورًا، لكن السياق الذي تُستخدم فيه هو العامل الحاسم في التقييم القانوني.

ويقول إن التحليق المستمر لطائرات مسلحة فوق مناطق مدنية، عندما يقترن بواقع الاستهداف الفعلي وغياب الأمان للسكان، يمكن أن يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام مبدأ حماية المدنيين، خاصة إذا أدى إلى خلق حالة دائمة من الخوف والضغط النفسي الجماعي.

ويضيف أن القانون الدولي لا يتعامل فقط مع نتائج الهجوم المباشر، بل أيضًا مع السياسات والممارسات التي قد تندرج ضمن إطار المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، خصوصًا عندما يكون أثرها واسعًا ومستمرًا على السكان المدنيين.

جيل تحت الأزيز

منذ عام 2008، نشأ جيل كامل في غزة تحت صوت المسيّرات. أطفال تعلموا التمييز بين أنواع الأصوات القادمة من السماء. شباب اعتادوا النوم على أزيز دائم. وأمهات ينتظرن لحظة الصمت كاستراحة مؤقتة، لا كطمأنينة حقيقية.

منذ الحرب الأخيرة، لم يعد صوت المسيّرات مرتبطًا بلحظة قصف فقط، بل أصبح خلفية ثابتة للحياة اليومية، يرافق النزوح والانتظار والنوم القلق، ويحوّل السماء إلى مصدر دائم للتهديد، حتى في غياب الانفجار.

في غزة، لا تُقاس الحرب بعدد الصواريخ فقط، بل بعدد الساعات التي يقضيها الناس وهم ينظرون إلى السماء، ينتظرون أن ينقطع الطنين… ولو لدقيقة.

الزنّانة ليست مجرد طائرة. هي احتلال من الأعلى. وحين يصبح الأزيز جزءًا من الهواء، تتحول السماء نفسها إلى سلاح.

الكلمات المفتاحية

انتخابات حماس | مصدر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

كشفت مصادر خاصّة في حديث مع "الترا فلسطين"، أن لجنة الانتخابات المركزيّة في حركة حماس ستعلن داخليًا عن موعد الجولة الثانية من انتخابات رئيس المكتب السياسي العام للحركة


أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال حديثي الولادة

أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال الخُدج وحديثي الولادة

الإبادة الجماعية انعكست بشكل كارثي على قدرة المستشفيات في توفير المستلزمات الطبية والأكسجين للأطفال، خصوصًا الأطفال الخُدّج وحديثي الولادة


خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

تكشف مصادر داخل فتح لـ"الترا فلسطين"، عن تفاصيل التحالفات التي قادها الرئيس محمود عباس وعدد من قيادات الحركة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية، في إطار التنافس على مواقع اللجنة ضمن أعمال المؤتمر الثامن للحركة


النكبة والإبادة

من النكبة إلى الإبادة.. شلالات الدم وقوافل المهجرين لا تنتهي

بعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية، ما زال الفلسطينيون يذكرون نكبتهم بصفتها وجعهم الأول وأصل مأساتهم التي ما زالت مستمرة منذ 78 عامًا

معـدل الشهداء في غزة ارتفع بأكثر مـن 5 أضعاف منذ وقف حرب إيران
أخبار

5 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة

ضمن استهدافات اليوم: 3 شهداء ومصابون إثر قصف الاحتلال مطبخًا تابعًا لمؤسسة تركية في دير البلح.

الاحتلال يقرر بناء متحف عسكري على أنقاض مقر الأونروا بالقدس
أخبار

الاحتلال يقرر بناء متحف عسكري على أنقاض مقر الأونروا بالقدس

المخطط الذي صاغه وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس ينص على تخصيص قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 36 دونمًا لصالح وزارته.


أسطول الصمود العالمي: اختطاف سفننا تصعيد غير مسبوق والصمت عليه تواطؤ
أخبار

أسطول الصمود لـ"الترا فلسطين": تحالف دولي جديد لكسر حصار غزة رغم تهديدات الاحتلال

لليوم الرابع على التوالي، يواصل "أسطول الصمود العالمي" رحلته البحرية باتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر حصار غزة.

رويترز: خرائط إسرائيلية تُظهر توسيع نطاق السيطرة العسكرية في غزة
راصد

تقرير إسرائيلي: "الخط البرتقالي" يقيّد حركة الإغاثة في 64% من مساحة غزة

وفق معطيات الأمم المتحدة، فقد قتل الجيش الإسرائيلي 224 فلسطينيًا، بينهم أطفال، قرب "الخط الأصفر" أو في محيطه، بين 10 أكتوبر 2025 و27 فبراير 2026.

الأكثر قراءة

1
تقارير

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا


2
مقابلات

ردًا على ملادينوف.. حماس لـ الترا فلسطين: تصريحاته دعوة للفوضى والسلاح شأن وطني


3
ذاكرة وطنية

قاد القسام ورمم قواته خلال الحرب.. من هو عز الدين الحداد؟


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح


5
تقارير

مؤتمر فتح الثامن: حضور الانتخابات ونقاش العضوية وغياب البرنامج السياسي