اختفاء الخبز من غزة: تقليص الإمدادات يشعل الأسعار ويغذي السوق السوداء
2 أبريل 2026
في سوق مخيم الشاطئ المكتظ غرب مدينة غزة، تقف مها غبن (28 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، منذ ساعات الفجر الأولى أمام بسطة صغيرة، تنتظر دورها ممسكةً بالقليل من النقود، وقلبها مثقل بقلق متراكم، على أمل أن تعود إلى أطفالها بربطة خبز واحدة؛ قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لهم تعني الحياة.
كلّ ما ترجوه مها؛ أن لا ينام أطفالها جائعين، وأن تتمكن من توفير ما يسد رمقهم، وأن تمنحهم لحظة دفء عابرة. فالأمومة لا تعرف الانكسار، كما تقول.
عجز كبير في إنتاج الخبز وصل إلى نحو 50%.. مع تراجع فرص الحصول على الخبز من المخابز، برزت السوق السوداء كملاذ اضطراري لكثير من الأسر، رغم تكلفتها الباهظة.
لا تزال ربطة الخبز التي تزن كيلوغرامين غير ميسورة الكلفة لدى معظم السكان، إذ تباع بمبلغ يزيد عن 30 شيكلًا (9 دولارات)، بالمقارنة مع شيكلين (0.3 دولار) في المخابز التي تدعمها الأمم المتحدة في مطلع سنة 2025، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا).
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، يواجه ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص في غزة، أي 77 في المائة من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لأحدث تصنيف مرحلي متكامل للأمن الغذائي (IPC).
طوابير الانتظار.. اختبار للصبر
وتروي مها معاناتها اليومية وتقول: "أستيقظ كل صباح وأنا أهيئ نفسي للأسوأ، لا أعلم إن كنت سأعود بربطة خبز أم بأيدٍ خاوية".
وتضيف: "أقف في الطابور لساعات طويلة، وغالبًا ما أعود بلا شيء، فأضطر لشراء الخبز من السوق السوداء بأسعار مضاعفة". وتشير: "أطفالي بدأوا يشعرون بتبعات الأزمة.. الجوع قاسٍ على الأطفال، وهذا أكثر ما يؤلمني".
وتستعيد مها ما كان عليه الوضع قبل أسابيع قليلة: وتوضح: "كان الخبز متوفرًا، والطوابير منظمة، والأسعار شبه مستقرة، وفجأة بدأ الحديث عن نقص الدقيق، فأغلقت معظم المخابز أبوابها، وقلصت أخرى إنتاجها، وأصبح الحصول على الخبز مهمة شبه مستحيلة".
وتكمل: "ربطة الخبز التي كانت تباع بثلاثة شواقل، ارتفع سعرها اليوم ما بين 15 و20 شيكلًا، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات".
وأثناء تجوالها في السوق، تشير مها إلى أكشاك صغيرة تعرض ربطات من الخبز بأسعار مضاعفة، وتتابع: "لا خيار أمامي سوى الشراء، لكنني أعلم أن ذلك استغلال لمعاناة الناس، وليس حلًا".
وتختم مها حديثها بمناشدة الجهات المعنية لممارسة دور الرقابة: "إذا استمر الوضع على هذا النحو، سيصبح الخبز سلعة نادرة فعلًا، وهذا ما يخيفني أكثر من أي شيء".
تغيّرات قاسية في نمط الحياة
هذا الحال لا يختلف بالنسبة للشاب أحمد ماضي، من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة؛ فالشاب العاطل عن العمل منذ سنوات، بات يرى في الحصول على الخبز معركة يومية لا تقل صعوبة عن أي تحدٍ آخر.
ويقول أحمد (23 عامًا)، وهو متزوج ولديه طفلان: "المشكلة لا تقتصر على طول الطوابير، بل في غياب اليقين، قد أنتظر لساعات، ثم يعلن نفاد الخبز أو توقف الإنتاج بسبب نقص الدقيق أو السولار".
ويصف أحمد: "قبل أيام، انتظرت نحو أربع ساعات أمام أحد المخابز، ومع كل دفعة إنتاج يزداد الازدحام، إلى أن أعلن في النهاية نفاد الخبز، فعدت إلى المنزل خالي الوفاض، عاجزًا عن تبرير ذلك لعائلتي".
السوق السوداء خيار اضطراري
ومع تراجع فرص الحصول على الخبز من المخابز، برزت السوق السوداء كملاذ اضطراري لكثير من الأسر، ورغم تكلفتها الباهظة، يقول أحمد: "من يملك المال يستطيع الشراء، لكن بأسعار مرتفعة جدًا، ومن لا يملك فيقف أمامه وقلبه مثقل بالحسرة، ينظر إلى رغيف الخبز كأنه حلم بعيد المنال، يطارده الجوع وتكابده الحاجة".
ويتابع: "أحيانًا أشتري الخبز من السوق السوداء، رغم إدراكي أن السعر مجحف، حيث لا يمكنني أن أترك عائلتي دون طعام".
وانعكست أزمة الخبز على تفاصيل الحياة اليومية للسكان؛ حيث باتت الأسر تعيد ترتيب أولوياتها الغذائية. ويوضح أحمد: "أصبحت أحسب كل لقمة، وأحاول تقليل الاستهلاك وإيجاد بدائل، لكنها لا تعوض عن الخبز، حتى عدد الوجبات في بعض الأيام أصبح أقل".
"هكذا أصبحت جزءًا من السوق السوداء"
وفي داخل بقالة صغيرة متواضعة بحي الزيتون شرق مدينة غزة، يقف الخمسيني رسمي سكر خلف طاولة خشبية قديمة، محاطًا بجموع كبيرة من الرجال والنساء، لبيع الخبز بأسعار مضاعفة.
ويشرح المسؤول كيف اضطر لدخول السوق السوداء: "عملت في هذه البقالة الصغيرة لسنوات، وكان الدخل متواضعًا، لكن مع إغلاق المخابز وصعوبة الحصول على الخبز، وجدت نفسي مضطرًا لبيعه في السوق السوداء لأتمكن من العيش".
وبسؤاله عن كيفية حصوله على الخبز، أوضح بخجل: "أشتري ربط الخبز من بعض التجار بسعر 6 شواقل، ثم أبيعها للزبائن بأسعار تتراوح بين 10 - 15 شيكلًا، ويتحدد سعر الربطة الواحدة تبعًا لارتفاع أسعار الدقيق في السوق المحلي".
ومنذ ساعات الصباح الباكر، يستقبل رسمي عشرات الزبائن يوميًا، ويقول: "يتوافد الناس من مختلف الأحياء، أطفال ونساء وكبار، وغالبًا ما يصطفون في طابور قبل فتح البقالة بساعات، ويبدأون بالاحتجاج إذا نفدت الكمية قبل أن يحين دورهم".
ويصف رسمي كيف يحاول تنظيم العملية قائلًا: "أبيع ربطة خبز واحدة لكل زبون، وأسعى إلى توزيعها بعدالة نسبية لضمان حصول أكبر عدد ممكن عليه، غير أن الكمية تبقى محدودة في نهاية المطاف".
عجز كبير
بدوره، يقول رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، إن "قطاع غزة يعاني عجزًا كبيرًا في إنتاج الخبز وصل إلى نحو 50%، نتيجة خفض برنامج الغذاء العالمي كميات الدقيق التي كان يزود بها المخابز بنسبة 30%، الأمر الذي انعكس بارتفاع كبير على أسعار الخبز".
ويضيف العجرمي: "قلّص برنامج الغذاء العالمي أيضًا كميات السولار المدعوم المخصص للمخابز، بفعل نقص الإمدادات وعدم انتظام دخولها، ما أدى إلى تراجع الإنتاج اليومي من الخبز من 300 طن إلى 200 طن فقط".
ويشير إلى أن "البرنامج مدد تقديم الخبز المدعوم لسكان غزة لمدة 6 أشهر إضافية، تبدأ في الأول من آذار/مارس الماضي، وذلك في إطار جهوده الرامية إلى التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية وتعزيز الأمن الغذائي للأسر بغزة".
ويتابع العجرمي: "تقليص الإمدادات أسهم في عودة السوق السوداء لبيع الخبز، حيث تباع الربطة بأسعار تتراوح بين 7 و15 شيكلًا، رغم أن سعرها الرسمي المدعوم لا يتجاوز 3 شواكل".
ويؤكد العجرمي: "هناك تفاؤل حذر بإمكانية تحسن الأوضاع، في حال سماح الاحتلال بإدخال كميات أكبر من الطحين والزيوت وقطع الغيار، بما يسهم في تخفيف الضغط على نقاط التوزيع المدعومة، وزيادة تشغيل المخابز، وتوسيع آليات التوزيع".
حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لعامين على غزة لم تنته بعد؛ فالخبز الذي يعد أبسط مقومات العيش، أصبح اليوم تحديًا يعكس حجم المعاناة المستمرة وانعكاس الحرب على أدق تفاصيل الحياة.
الكلمات المفتاحية
عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه
بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة
قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"
قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية