استعمار الموت: فشل التطهير العرقي واستدعاء الإبادة الجماعية في قطاع غزّة
2 يوليو 2025
تزيّت رواية الإبادة الجماعية على قطاع غزّة بالزيّ الإسرائيلي، وصارت الصّحف ومختلف المنصّات الناطقة باللغة الاستعماريّة، تتناول سرديّة الصّراع بإسقاط السرديات التوراتيّة، بحسب وجهة النّظر الإسرائيليّة، وأيضًا رؤية المستعمِر بروايته السياسيّة حول الشرق الأوسط عمومًا، وفلسطين خصوصًا؛ لأنّ الفكرة الصهيونيّة ذاتها، اكتسبت خصائصها البنيويّة في الاستئصال والإقصاء من المشاريع الكولونياليّة/ الاستعماريّة/ الاستيطانيّة الأوروبيّة، باعتبار الصهيونيّة وليدة فراش الاستعمار الغربي؛ واستُثنيِت إسرائيل مرات تلو الأخرى من تُهم ارتكابها لجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة في حربها على قطاع غزّة بعد مرور عام وسبعة أشهر.
وبالرغم من وفرة الأبحاث والدراسات التي ركّزت على الحرب في قطاع غزّة من بُعدٍ قانونيّ وسياسيّ، تدور حول مفهوميّ «الإبادة الجماعيّة» و«التطهير العرقيّ»، إلّا أنّه صار جليًا البناء الاصطلاحي لمفهوم الموت في قطاع غزّة هو الذي يتم التركيز على وصفه؛ ومن المهم التذكير بأنّ الاستعمار كما أبدع في القتل والطّرد والقضاء على السكّان الأصليين، فإنّه أيضًا أبدع في "نحت" مصطلحات تصِف الفعل، كما استورد الفكر الصهيوني هذا الأمر، ولعب دوره في وصف فعل التهجير عام 1948، عندما كان الصهاينة أوّل من استخدم لفظ "النّكبة/الكارثة"، إذ في تموز/يوليو 1948، وزّعت العصابات الصهيونيّة-النواة الأولى للجيش الإسرائيلي- منشورات باللغتين العربيّة والعبريّة على قرية طيرة حيفا، حذّرت فيها العصابات من "نكبةٍ" قادمة إذا لم يستسلموا، وبحسب ما وضّح الباحث إييتان برونشتاين، كان أوّل استخدام لوصف النكبة في سياق التهديد العسكري باللغتين العربيّة (نكبة/كارثة) والإنجليزيّة (disaster). وفي آب/أغسطس 1948 أصدر قسطنطين زريق كتابه "معنى النكبة" واصفًا ما حدث عام 1948 من خسارةٍ للعرب بأنه كارثة إنسانيّة كبرى. أي أنّ وصف النّكبة نُحِت عسكريًا من قبل العصابات الصهيونيّة، ومن ثم تبنّاه زريق أكاديميًا وسياسيًا. وعليه؛ نُعالج في هذه المادّة، مدى ترسيخ الاستعمار الأبيض مفهوميّ «الإبادة الجماعيّة»، و «التطهير العرقيّ» دون شعوره بالتزامٍ أخلاقيّ تجاه الفعل، أو حتّى الوصف ذاته.
بالرغم من كل أدوات الإزالة والإقصاء والترحيل التي حاولت إسرائيل فرضها، إلّا أنّها فشلت في تطبيق التطهير العرقي، فجاءت حرب الإبادة الجماعية
صنع الجريمة، تصديرها، وتسميتها..
أولًا، صيغَ مفهوم الإبادة الجماعية سنة 1944 بعد الاضطهاد والقتل الذي تعرّض له اليهود في ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان أوّل من نحت المصطلح، الباحث القانوني رفائيل لمكين، يهودي بولندي، في كتابه "ألمانيا النازية وحلفاؤها في الأقطار الأوروبية"، من لفظتين «genos» من اليونانية القديمة، والتي تعني "الجنس/ القبيلة"، واللفظ الثاني «cide» من اللاتينية، والتي تعني "القتل"، وأُضيف المفهوم إلى معجم المفردات السياسية بالإنجليزية «genocide» الذي تُرجم إلى اللغة العربية «الإبادة الجماعية».
اعتبر لمكين أنّ الإبادة الجماعية لا تعني بالضرورة القضاء الكامل على الأمة، وإنما على تخطيط منسّق من أفعال مختلفة تستهدف القواعد الحياتية الأساسية لمجموعة قومية بهدف محقها. أي تفسيخ مسألتي المكان والهوية، المتمثلتين في المؤسسات السياسية والاجتماعية للمجموعة القومية وثقافتها، ولغتها، ومشاعرها القومية، ودينها، ووجودها الاقتصادي.
مع دخول المصطلح إلى القاموس الدولي بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 260 (أ) 3 عام 1947، الذي بموجبه أُنشئت معاهدة لمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبتها، ودخلت حيّز التنفيذ عام 1951، توسّعت المعاهدة لتشمل مفردات/ مفاهيم ثانية في إطار مفهوم الإبادة الجماعية، مثل "التطهير العرقي"، و"الترحيل"، و"إبادة الذاكرة"؛ لأنّها تتقاطع مع فعل قتل الجماعة ماديًا أو معنويًا، ثم أُسقط المفهوم لوصف حالات من القتل الجماعي شهدتها مناطق عديدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضًا في التاريخ السابق لابتداع مفاهيم أخرى.
اقرأ/ي: مشاريع تهجير غزة: منذ عام 1967 وإسرائيل تفشل
"غزة مشكلة أكثر من كونها هدية".. عن مشروع تهجير قطاع غزّة المُبكر
ثانيًا، ظهر مفهوم التطهير العرقي «Ethnic Cleansing» سنة 1992، خلال الحرب في البوسنة لوصف الهجمات الصربية على المسلمين البوسنيين بهدف طردهم من مناطقهم. ويجب الإشارة هنا إلى أنّ الوصف الاستعماري الأبيض للمفهوم ذاته، وبحسب معناه المعجمي بالإنجليزية Cleansing، تعني "التنظيف" أو "التطهير"، والذي يدل على أنّ هناك "نجسًا" ينبغي إزالته، كذا الأمر في الترجمة العربية، فبحسب معجم الدوحة التاريخي، فإنّ كلمة "تطهير" تعني تنقية الشيء من الوسخ والقذر، كما يُستخدم في سياق ديني "التطهير، التطهّر، cleansing" للدلالة على التخلّص من الذنوب والخطايا.
قدّم الباحث القانوني درزان بتروفيتش، دراسةً حاول فيها تقديم صيغ مختلفة لمفهوم التطهير العرقي، ووصل إلى تعريف يتلخّص، في: سياسة واضحة لمجموعة من الأشخاص تقوم بشكل منهجي على اجتثاث مجموعة أخرى من منطقة ما على أساس أصولها الدينية، أو العرقية، أو القومية، تتضمّن ممارسة العنف من خلال العمليات العسكرية.
في المقابل، وضعت الأمم المتحدة تعريفًا خاصًا يتضمّن تفصيلات مختلفة ضمن إطار مفهوم التطهير العرقي، باعتباره تعريض منطقة ذات عرقية متجانسة لاستخدام القوّة والترهيب لترحيل أشخاص من جماعة معيّنة من تلك المنطقة، عبر استخدام الجريمة، التعذيب، الاعتقالات التعسفية، الإعدام، محاصرة المدنيين في محتشدات، والهجمات العسكرية بين الفترة والأخرى على مناطق المدنيين بهدف التدمير والترهيب والتهديد، وترتقي هذه الجريمة إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
حاول الكثيرون من الباحثين التفريق بين مفهومي "التطهير العرقي" و"الإبادة الجماعية"؛ لأنّ الهدف من التطهير العرقي هو الترحيل/ الإزالة، بينما الهدف من الإبادة الجماعية هو القتل/ القضاء على الجماعة. اعتبر باحثون آخرون أنّ التفريق بين المفهومين غير واقعي؛ وباعتبار أنّ عملية الترحيل ذاتها تصاحبها أعمال عنف/ إجرام؛ لكون السكان أصحاب الأرض، لا يغادرون منطقتهم بسهولة/ بطريقة سلمية، حيث إنهم يتمسكون بالوطن والثقافة السائدة ويقاومون كل محاولات الانتزاع والإزالة، ما يستوجب استخدام وسائل عنيفة لإجبارهم على الرحيل، حيث القتل هو الأسلوب الأكثر اتباعًا، ويدخل في إطار المعنى المقصود بمفهوم الإبادة الجماعية.
المشروع الصهيوني: الإبادة الجماعية هي نتيجة فشل التطهير العرقي
تصعد إلى السطح مرةً تلو الأخرى، رؤية الفكر الصهيوني للفلسطيني وأرضه، حيث تدور في فلك المحو والإزالة وشطب/ محو الذاكرة، من خلال التطهير العرقي، وإن فشل فرض الترحيل بصورة أو بأخرى، فعلينا بالإبادة الجماعية للفلسطينيين، حيث عبّر المؤرخ الصهيوني - الأميركي بيني موريس في لقائه مع بيرس مورغان، عن رأيه تجاه الإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزّة باعتبارها نتيجة "فشل" التطهير العرقي، وأعاد صياغة كلامه في مناظرة مع مهدي حسن، قال فيها: "أفضّل التطهير العرقي على الإبادة الجماعية". لم يقتصر الأمر على مطالبات موريس بالقضاء/ التخلص من بقايا الفلسطيني الذي هُجّر عام 1948 داخل حدود فلسطين التاريخية، بل استرسل في هذه المطالبات وزراء إسرائيليون في حكومة بنيامين نتنياهو وأيضًا أعضاء في الكنيست الإسرائيلي.
تعتمد إسرائيل في فلسطين سياسات متنوعة في التخلص من بقايا الفلسطيني الناجي من نكبة 1948 داخل حدود فلسطين التاريخية، فمثلًا تقوم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اتباع إجراءات محددة في القدس، متمثلة في تغيير طابع القدس العربي الإسلامي، وعزلها عن محيطها الفلسطيني، ومنع وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزّة إليها إلا بموجب تصاريح خاصة، كل ذلك يأتي في سياق فرض غالبية يهودية في "القدس الموحَّدة"، من خلال تغيير الوضع السكاني، عبر الاستيطان الذي يدفع الفلسطينيين للهجرة القسرية نتيجة الاستيلاء على الأرض، والحدّ من حرية الحركة والتنقل، وهو فعليًا ما يتوافق بتعريف "التطهير العرقي" وأدواته المتمثلة في استخدام القوة والترهيب لنقل أشخاص من الإقليم لإيجاد تجانس عرقي، ويأتي ذلك في سياق الطرد والإزالة أو دفع السكان بالعنف تجاه الهجرة. وهو ما يتشابك فعليًا مع مفهوم "الترحيل" القائم على الطرد «Transfer» الذي يعني إجبار سكان، بوسائل مختلفة، خاصة تلك التي تستخدم العنف، على مغادرة الموطن الأصلي إلى مناطق أخرى، حيث يتطابق فعل الترحيل مع فعل التطهير العرقي في المضمون والأهداف.
علاوة على ما سبق، توجّه إسرائيل عنفها أيضًا تجاه "الذاكرة" وتعمل على إبادة الذاكرة الجمعية، وهي بمثابة الوعاء الذي يحتفظ فيه الفلسطينيون بذكرياتهم عن الماضي، واستحضار سجلهم التاريخي. هذا الفعل يُعرّف على أنه "قتل الذاكرة"، وهو الذي يعني الفعل العمد الذي يتقصّد مرتكبوه محو جميع أو بعض ما يذكّر جماعة إنسانية أخرى بماضيها السياسي، الاجتماعي، أو الفكري العقائدي، وبالتالي تعمل إسرائيل في فلسطين عمومًا، وفي القدس والداخل المحتل خصوصًا، على مبدأ أساسي، وهو التطهير العرقي القائم على الترحيل ومحو الذاكرة، عبر طمس تاريخ الفلسطيني، وإحلال تاريخ "مزيف" مكانه، بالإضافة إلى تدمير كل الآثار المادية التي تذكّر بماضي الفلسطينيين، بدءًا بالمدرسة، مرورًا بدور العبادة والمقابر، وصولًا إلى الآثار. حيث تعتبر مهمة إبادة الذاكرة تندرج تحت مفهوم الإبادة الجماعية؛ لأنّ المصادرة أو الطمس أو التزييف، هو فعل يهدف إلى إعدام هوية دالّة على الفلسطيني، أو تمهيدًا لإبادتها/ قتلها.
إنّ ما يحدث في قطاع غزّة حاليًا، هو نتيجة الفشل في التطهير العرقي الذي هدف إلى ترحيل وتهجير الغزيين، حيث حاولت إسرائيل خلال السنوات السبع عشرة الأخيرة، تفعيل أدوات الابتزاز الغذائي، والاقتصادي، والتعليمي، والصحي، والمعيشي، وأيضًا استخدام العنف العسكري بين الفينة والأخرى (37 عملية عسكرية على قطاع غزّة منذ عام 2000–2024)، كل هذا في سبيل التضييق ودفع الغزيين نحو الهجرة من قطاع غزّة، إكمالًا لمشروع نكبة 1948، لكن بالرغم من كل أدوات الإزالة والإقصاء والترحيل التي حاولت إسرائيل فرضها، إلّا أنّها فشلت في تطبيق التطهير العرقي، فجاءت حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لـ"تُصلِح" ما فشلت وسائل التطهير العرقي عليه.
خاتمة
ذكرنا آنفًا، أنّ المشروع الصهيوني، اكتسب خصائصه البنيوية في الاستئصال والإقصاء من المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، واستورد من جميع نماذج الاستعمار الأوروبية التي تربّى في مهدها، نمط الاستعمار الإحلالي ليحذو حذوه، القائم على زخم الهجرة البشرية مع قوة مسلحة إلى الأرض المرغوبة – فلسطين، والاستيلاء عليها، وطرد السكان المحليين – الفلسطينيين، أو قتلهم وتدمير البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والحلول محلّ السكان الأصليين، وتتويج ذلك بسلطة سياسية – دولة إسرائيل –، تدّعي فوق عظام المهجّرين وذكرياتهم حق السيادة.
هكذا إذًا خلق المستعمِر فعله، راكم عليه، صدّره بأدوات عنيفة، بل ووصفه أيضًا، وصار للقتل مرادفات تفرّق بين قتل مئة أو خمسين ألفًا، فصار الوصف سائلًا، دون فهمٍ لماهية الفعل ذاته، فماذا نعني بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وما هي الجرائم التي تندرج تحتهما؟ ليس في سياق مدى صحّة إسقاط الصفتين على صورة الموت في غزّة، وإنما في سياق فشل تطبيق أحدهما فجاء الثاني لتصحيح الخطأ. وهنا تتركّز رغبة إسرائيل الحقيقية منذ اليوم الأول للهجرة الصهيونية الأولى إلى فلسطين: "أرضٌ بلا شعب"، هم جاؤوا ورأوا الأرض فارغة بالرغم من وجود سكان، وبالتالي إبادتنا ليست حقيقة، وإنما خيال؛ لأنّ هذه الأرض، في مخيلتهم، كانت فارغة أصلًا.
الكلمات المفتاحية
قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي
ملامح أزمة جديدة في حركة فتح
تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية
إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت
إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية
بذكرى استشهاده.. القسام تنشر تسجيلًا سابقًا لمحمد الضيف: "زوال كيانكم غنيمتنا"
نشرت كتائب القسام رسالةً صوتيةً سابقةً لقائد هيئة أركان القسام، الشهيد محمد الضيف "أبو خالد" في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاده.
زامير يحذر نتنياهو من تعميق أزمة التجنيد في الجيش الإسرائيلي
إيال زامير يعلن معارضته لمشروع القانون الذي يقضي بتجميد إجراءات الاعتقال والتحقيق والملاحقة بحق طلاب المدارس الدينية اليهودية (اليشيفوت) المطلوبين للتجنيد.
حكومة الاحتلال ترصد 8 مليارات لإقامة 18 مستوطنة في شمال الضفة
بحضور نتنياهو.. أبرمت حكومة الاحتلال أول "اتفاقية سقف" مع مجلس استيطاني إقليمي، لدعم الاستيطان في شمال الضفة الغربية.
قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي