ultracheck
قول

اقتصاد الصمود.. أم اقتصاد الإنهاك؟

12 فبراير 2026
اقتصاد الصمود.. فلسطين
فاطمة الخطيب
فاطمة الخطيب صحفية من رام الله

يُعدُ الصمود منذ منتصف القرن العشرين جزءًا أصيلًا من الخطاب السياسي الفلسطيني، إذ يعبر عن مقاومةٍ مستمرة للبقاء على الأرض في مواجهة الاحتلال والاستعمار ونقل القصص التاريخية للنكبة والنضال. الكلمة استُخدمت في مراحل متعددة للدلالة على قدرة الفلسطينيين على مواجهة القمع والتطهير، بدءًا من مقاومة الاحتلال البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي، مرورًا بحروب 1948 و1967، ثم كجزء من السرد التاريخي للنضال الوطني.

في مراحل مبكرة، ركز الاقتصاد الوطني الفلسطيني في السياسات والبرامج على الاعتماد على الذات وتنمية القدرات الإنتاجية لتعزيز الصمود ضد الاحتلال، مع ربطه ارتباطًا وثيقًا بالتصدي للاستعمار

جرى تبنّي الصمود كشعار وطني فلسطيني منذ ستينيات القرن العشرين، في سياق إعادة بناء الهوية السياسية بعد النكبة، قبل أن يُروَّج له بصورة أوسع كمفهوم سياسي منظم على يد منظمة التحرير الفلسطينية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. في تلك المرحلة، لم يكن الصمود مجرد توصيف لحالة اجتماعية، بل أداة خطابية تهدف إلى تثبيت الفلسطيني في الجغرافيا والوعي، في مواجهة مشاريع الاقتلاع والتهجير.

في استخدامه الأول، أُطلق تعبير "الصامدين" على الفلسطينيين الذين بقوا في مخيمات اللجوء في الأردن ولبنان، وكذلك على الفلسطينيين الذين ظلوا داخل الأراضي التي احتُلّت عام 1948، بوصفهم شهودًا أحياء على النكبة وامتدادها. غير أن دلالة المصطلح شهدت تحوّلًا لافتًا خلال سبعينيات القرن العشرين، إذ بات يرتبط بصورة خاصة بالفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وشرق القدس وقطاع غزة، باعتبارهم يعيشون تحت احتلال مباشر، ويجسّدون شكلًا يوميًا من أشكال المواجهة عبر البقاء على الأرض ومقاومة سياسات الضمّ والاستيطان.

هذا التحوّل لم يكن لغويًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز، إذ جرى تحميل مفهوم الصمود معنىً نضاليًا كثيفًا، جعله مرادفًا للاستمرار في الحياة تحت شروط قسرية، وهو ما مهّد لاحقًا لتمديده من حقل السياسة والمقاومة إلى حقل الاقتصاد والتنمية، بكل ما حمله ذلك من التباسات وإعادة توظيف.

الصمود كأيديولوجيا وممارسة: من مقاومة إلى خطاب اقتصادي

في مراحل مبكرة، ركز الاقتصاد الوطني الفلسطيني في السياسات والبرامج على الاعتماد على الذات وتنمية القدرات الإنتاجية لتعزيز الصمود ضد الاحتلال، مع ربطه ارتباطًا وثيقًا بالتصدي للاستعمار. هذا الربط بين الصمود والتصدي كان جوهريًا في الرؤى التنموية الفلسطينية قبل اتفاقيات أوسلو.

لكن مع مرور الوقت وأثر الاتفاقيات السياسية، بدأ استخدام مفهوم الصمود يتوسع في برامج التنمية بطرقٍ تبدو منفصلة عن أهدافه الأصلية، وغالبًا بتوجيهات من مؤسسات دولية ومانحين يعالجون الجوانب الاقتصادية دون ربطها بالتحرر الوطني وضرورة تغيير بنى القوة القائمة.

مفهوم "اقتصاد الصمود": تعريفات وتقاطعات

لم يظهر مفهوم "اقتصاد الصمود" في السياق الفلسطيني كمفهوم أكاديمي مُنجز أو إطار نظري واضح المعالم، بل تشكّل تدريجيًا عند تقاطع الخطاب الوطني المقاوم مع مقاربات التنمية الدولية، في ظل اقتصاد محكوم ببنية استعمارية مستمرة. تشير دراساتٌ صادرةٌ عن معهد الدراسات الفلسطينية إلى أن الصمود، في جذوره الفلسطينية، كان مفهومًا سياسيًا–اجتماعيًا بالأساس، قبل أن يُعاد تأطيره لاحقًا ضمن مقولات اقتصادية وتنموية، خصوصًا بعد اتفاقيات أوسلو.

في الأدبيات الاقتصادية الفلسطينية النقدية، يُقدَّم اقتصاد الصمود بوصفه محاولة لتعزيز القدرة على البقاء والاستمرار في ظل الاحتلال، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية المحلية، خصوصًا الزراعة والمشاريع الصغيرة، وتقليل التبعية البنيوية للاقتصاد الإسرائيلي. هذا الطرح حاضر في دراسات متعددة صادرة عن باحثين فلسطينيين ومراكز أبحاث محلية ترى أن أي حديث عن تنمية أو صمود لا يمكن فصله عن واقع السيطرة على الأرض والموارد، والقيود المفروضة على الحركة والتجارة.

في المقابل، تعتمد المؤسسات الدولية تعريفًا مختلفًا وأكثر تقنية لمفهوم الصمود الاقتصادي. ففي تقارير الأمم المتحدة يُستخدم مفهوم الصمود للدلالة على قدرة الاقتصاد والمجتمع على امتصاص الصدمات والتعافي الجزئي منها، من دون افتراض إمكانية تفكيك البنية السياسية التي تنتج هذه الصدمات. ويظهر التوجه نفسه في تقارير البنك الدولي، التي تركز على تحسين سبل العيش، وخلق فرص عمل محدودة، وتعزيز "المرونة"، في إطار إدارة الأزمة لا معالجتها جذريًا.

الصمود كمفاهيم دولية وتنموية: تطبيع الأزمات

في العقود الأخيرة، تبنّت مؤسسات دولية ومراكز بحثية مصطلح الصمود في استراتيجياتها وبرامجها في فلسطين، ما ساهم في تحويل المفهوم إلى أداة بلاغية تُستخدم لإضفاء طابع شرعي على تدخلات اقتصادية وتنموية لا تستهدف إصلاح الأسباب الهيكلية للأزمات.

تظهر هذه الظاهرة بشكل واضح في البرامج التي تصنف مشاريع بنية تحتية أو تنموية عادية كتعزيز للصمود، حتى لو كانت هذه المشاريع لا تتناول المسائل الجوهرية مثل القيود المفروضة على حرية الحركة، أو إغلاق الأسواق، أو ظروف العمل في المناطق الخاضعة للاحتلال.

الخطورة في هذا الاستخدام أنه يُفرّغ الصمود من أبعاده السياسية والتحررية، فيصبح مجرد وصفٍ رنان لمشاريع تنموية لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمات الاقتصادية، بل تستجيب لها كظروف "مستعصية".

الصمود والسلطة الفلسطينية: تحميل الأفراد عبء الأزمة

أغلب السياسات الاقتصادية المحلية في فلسطين تستند إلى سياق الظرف الاستثنائي الناجم عن الاحتلال، وهو ما يجعل من الصمود مبدأً يُستخدم لتبرير غياب شبكات الأمان الاجتماعي الكافية، وتهميش دور الدولة في تأمين حماية اقتصادية حقيقية للمواطنين.

انهيار الاقتصاد بعد الحرب يعكس أن أطر الصمود الاقتصادية التي تعتمد على مشاريع ذات أثر محدود لا تكفي لمعالجة الصدمات العميقة

غالبًا يجري تحميل الأفراد والشركات الصغيرة والمجتمعات المحلية مسؤولية مواجهة الأزمات المستمرة، بينما تبقى السياسات الهيكلية محدودة أو غير فعالة في معالجة العوامل الأساسية مثل البطالة المزمنة، تراجع الإنتاج المحلي، القيود على حرية الحركة، وحرمان الأسواق من فرص التوسع الاقتصادي.

أبعاد معاصرة: الانهيار الاقتصادي بعد الحرب

أحدث التقارير الدولية تعكس حجم الانهيار الاقتصادي الفلسطيني، ما يضع تساؤلات إضافية حول مصداقية خطاب الصمود في ظل أزمات متفاقمة. وبحسب تقريرٍ للأمم المتحدة، تراجع الناتج المحلي الفلسطيني إلى مستويات 2003 بسبب الحرب المستمرة والقيود المفروضة، ما يمس قدرة الاقتصاد على التعافي المستدام ويزيد الاعتماد على الدعم الدولي.

هذا الانهيار يعكس أن أطر الصمود الاقتصادية التي تعتمد على مشاريع ذات أثر محدود لا تكفي لمعالجة الصدمات العميقة، ما يعيدنا إلى التساؤل المركزي: هل ما يُطرح دفاعًا عن الصمود هو بالفعل مسار يضمن ديمومة اقتصادية حقيقية، أم أنه مجرد استجابة مؤقتة لأزمات أعمق؟

الكلمات المفتاحية

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا

أرى صديقي وليد دقة بكامل الألق والزهو، أراه مكتنزًا بالمعاني والإشارات وبهاء الرقص على أوتار عوده الذي صنعه من شرايينه، وعزف عليه كل الحكاية، حكايته هو الذي كان يحيا ما بين دوف وخلدون


كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟

كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟

هذه اللغة الجديدة خلقتْ معانٍ أخرى لكلمات قديمة، وأضافت لوازم كلامية بدأت بحزام ناري ونزوح ولم تنتهِ بالخيمة، حتى أصبحَ القَول بالنسبة للغزيين ليسَ فِعل تعبير بل وسيلة بقاء يتكئون عليها، ويطوون بها أيامهم الثقيلة


السلام بالقوة.. الحرب كمدخل للتطبيع في الشرق الأوسط

السلام بالقوة.. الحرب كمدخل للتطبيع في الشرق الأوسط

دخلت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مرحلة إعادة تعريف شاملة لوظيفة القوة في سياقها الإقليمي


العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم

العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم

في مدينة كانت تعدّ المعمول والكعك علامة على الفرح صار العيد أحيانًا بطعم آخر. طعم يعرفه جيدًا آباء وأمهات كثيرون هنا

مشروع الحاجز التحت أرضي في غزة: منظومة هندسية معقّدة لمواجهة الأنفاق
راصد

مشروع الحاجز التحت أرضي في غزة: منظومة هندسية معقّدة لمواجهة الأنفاق

كشفت قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية، في تقرير خاص بثّت فيه تفاصيل ما وصفته بمشروع "الحاجز التحت أرضي"، الذي يعمل جيش الاحتلال على إقامته في قطاع غزة

بعد أوربان: المجر تواصل دعم نتنياهو بدعوة رسمية وزيارة مرتقبة
أخبار

بعد أوربان: المجر تواصل دعم نتنياهو بدعوة رسمية وزيارة مرتقبة

أجرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء، اتصالًا هاتفيًا وُصف "بالودي" مع رئيس الحكومة المجري المنتخب بيتر ماغيار


تصاعد خروقات اتفاق غزة: إصابات في استهدافات متفرقة للمدنيين
أخبار

تصاعد خروقات اتفاق غزة: إصابات في استهدافات متفرقة للمدنيين

أفاد مراسل "الترا فلسطين" يوم الأربعاء، بوقوع إصابات نتيجة خرقين منفصلين للاتفاق في مدينة غزة

كتاب "ما ورد": تأمل سردي في المجزرة والألم الإنساني
منوعات

كتاب "ماء ورد": تأمل سردي في المجزرة والألم الإنساني

يقدّم الكتاب نصوصًا تتأمل المجزرة بوصفها حضورًا يوميًا يطال الوعي والذاكرة

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص الترا فلسطين | ترقّب لردّ حماس على "ورقة ملادينوف".. والوسطاء يسعون لتقديم مقترح جديد


2
قول

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا


3
تقارير

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة


4
راصد

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة


5
تقارير

ريتاج ريحان.. طفلة قُتلت برصاصة إسرائيلية داخل خيمتها الدراسية في بيت لاهيا