ultracheck
قول

الإبادة الإستباقية: قراءة في سيكولوجية جرائم الحرب

28 يونيو 2026
الإبادة الإستباقية: قراءة في سيكولوجية جرائم الحرب
Avishay Mohar/Activestills
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

المشاهد القادمة من أروقة المجتمع الإسرائيلي اليوم لا يمكن وصفها بأقل من كونها انحدارًا أخلاقيًا مرعبًا، يعكس أزمة وجودية عميقة في بنية هذا المجتمع الذي بات يتغذى على مآسي الآخرين ويحول دماء الأبرياء إلى مادة للترفيه والتسلية. فلم يكن مشهد تجمع بعض الإسرائيليين على التلال المرتفعة المحيطة بقطاع غزة، وهم يتناولون المقرمشات والمشروبات الغازية والكحولية ويصفقون مع كل انفجار يمزق أجساد الأطفال، مجرد سلوك عابر أو تصرف فردي شاذ يمكن عزله. بل كان تجسيدًا حيًا لثقافة متجذرة من نزع الإنسانية عن الآخر، وهي الثقافة ذاتها التي تمتد اليوم جغرافيًا لتطال لبنان عبر ابتكاروسائل جديدة للمشاهدة والبهجة، فغابت التلال الجغرافية لتحل محلها الشاشات الكبيرة والموسيقى التصويرية الصاخبة المصاحبة لأصوات القنابل والدمار في الساحات العامة والمقاهي.

هذا التحول من الفرجة الحية المباشرة لغزة إلى الفرجة الرقمية المنظمة لجنوب لبنان وبيروت يكشف عن عطب بنيوي في الضمير الجمعي، حيث يعاد إنتاج الموت والدمار كمنتج استهلاكي يومي، وتتحول الإبادة إلى عرض مسرحي مشوق تشارك فيه العائلات وتصطحب إليه المدارس أطفالها في رحلات تربوية بائسة.

إن تعرية الحقيقة وإظهار هذا الوجه البشع والوحشي للعالم هو السبيل الوحيد لكسر طوق التضليل والدعاية الممنهجة التي حاولت آلة الإعلام الصهيوني طويلًا رسمها لترسيخ صورة "واحة الديمقراطية" والتحضر والإنسانية في منطقة من الركام

إن غرس قيم الكراهية والتشفي في عقول أطفال المدارس منذ نعومة أظفارهم، وتلقينهم أن رؤية أشلاء أقرانهم في غزة أو لبنان هي مدعاة للفخر والانتصار وتفوق العرق، هو تدمير ممنهج لمفهوم الإنسانية الفطرية، وصناعة واعية لجيل جديد مشبع بالعدوانية والوحشية السادية، مما ينذر بمستقبل أكثر ظلامية وتطرفًا، حيث تصبح الجريمة فضيلة جماعية والتعاطف خيانة.

إنه من غير الممكن لأي مراقب منصف، يمتلك حدًا أدنى من السوية النفسية والأخلاقية، أن يصنف هذه السلوكيات ضمن حدود المجتمع الصحي أو الطبيعي. فالاحتفاء بانتزاع حيوات الآلاف من البشر، والرقص على أنغام القذائف التي تحصد أرواح المدنيين في لبنان وفلسطين، هو علامة فارقة على تفشي حالة من التبلد الأخلاقي الجماعي وتأصيل ما يُعرف علميًا بـ "السادية الاجتماعية".

وفي الوقت الذي تشير فيه الأرقام والتقارير الدولية الصارخة إلى أن نسبة هائلة من ضحايا القصف المستمر في غزة هم من الأطفال والنساء والشيوخ، يصر هذا الفكر الاستعلائي على إغلاق عينيه عن الحقيقة الإنسانية للضحايا، والتعامل معهم كأرقام مجردة أو كـ "أضرار جانبية" لا تستحق عناء التعاطف أو الأسف، بل تستحق التشفي والبهجة والسخرية الرقمية.

هذه العقلية الإقصائية التدميرية تجد جذورها في رعاية رسمية وسياسات ممنهجة تغذيها النخب السياسية والدينية والعسكرية على حد سواء، وتؤكدها التقارير الأممية والدولية؛ فالأمر لم يعد مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل وثقته تقارير كاملة ومفصلة صادرة عن الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية تفيد بأن استهداف الأطفال والمدنيين وتدمير مقومات الحياة يمثل جزءًا لا يتجزأ من العقيدة العسكرية والاستراتيجية الميدانية المتبعة.

إن نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا هو الخطوة الأولى والأساسية لتبرير الجرائم الكبرى؛ وحين يصف المسؤولون والنخب في ذلك المجتمع الطرف الآخر علنًا وبلا حرج بأنه مجرد "حيوانات بشرية"، فإنهم يمنحون الضوء الأخضر الأخلاقي والنفسي والشرعي للجنود على الجبهات وللمواطنين في الخلف لاستباحة كل شيء، بدءًا من البنى التحتية والمستشفيات والمدارس، وصولًا إلى الأطفال الرضع الذين لم يتجاوزوا الأيام العشرة من أعمارهم.

وفي هذا السياق البائس والمنحرف، يتم تبني منطق "الضربة الاستباقية" وتوسيع مفهومه كغطاء أيديولوجي وسياسي لتمرير أبشع أنواع الجرائم وأكثرها وحشية. حيث يروج هذا المنطق لفكرة مشوهة ومرعبة مفادها: "يجب علينا إبادتكم اليوم وسحق أطفالكم، لأنكم إن عشتم وكبر هؤلاء الأطفال فستأتون لإبادتنا غدًا".

هذا الطرح الفاشي لا يمثل دفاعًا عن النفس بأي حال من الأحوال، بل هو تشريع علني وصريح لما يمكن تسميته بـ "الإبادة الجماعية الاستباقية". إنه قتل متعمد للمستقبل، ومحاكمة جائرة للنوايا المفترضة، وإبادة شاملة للنسل تحت ذرائع أوهام وجودية تختبئ وراء عقدة الضحية التاريخية لتبرير التحول إلى جلاد يمارس ساديته علنًا وأمام الكاميرات وبمباركة مجتمعية وسياسية واسعة لا تلقى أي معارضة حقيقية في الداخل.

أمام هذا الانحدار المرعب والخطر الحقيقي الذي يهدد السلم والقيم الإنسانية العالمية برمتها، يصبح من الواجب الأخلاقي والسياسي والمهني على المجتمع الدولي، وعلى وسائل الإعلام الحرة والمنظمات الحقوقية، تسليط الضوء الكثيف على هذه الممارسات السلوكية الثقافية وفضحها بكل الوسائل المتاحة.

إن تعرية الحقيقة وإظهار هذا الوجه البشع والوحشي للعالم هو السبيل الوحيد لكسر طوق التضليل والدعاية الممنهجة التي حاولت آلة الإعلام الصهيوني طويلًا رسمها لترسيخ صورة "واحة الديمقراطية" والتحضر والإنسانية في منطقة من الركام. يجب أن يرى العالم، وخاصة الشعوب الغربية التي غُيب وعيها لعقود، كيف تتحول أموال ضرائبهم ودعم حكوماتهم المالي والعسكري غير المشروط إلى وقود يغذي هذا الجنون والتشفي بموت الأبرياء وسحق عظامهم.

ولعل بارقة الأمل الوحيدة في هذا المشهد القاتم والمظلم تتجلى في الحراك المتنامي والوعي الجديد داخل المجتمعات الغربية، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية. حيث بدأ المواطن المكلف بالضرائب يربط بشكل مباشر وواضح بين أمواله التي تُستقطع من قوته اليومي ومن خدماته التعليمية والصحية، وبين القنابل والذخائر الذكية والفتاكة التي تقتل الأطفال في الشرق الأوسط وتُعرض شاشات ومقاطع تدميرها كـ "ترفيه منزلي" واستعراض قوة في تل أبيب.

إن رفض فئات واسعة ومتزايدة من الشعب الأميركي، وخاصة جيل الشباب والطلبة في الجامعات العريقة، لاستمرار هذا الدعم الأعمى والانحياز غير المشروط هو مؤشر حاسم على يقظة ضميرية واعدة تتجاوز الروايات الرسمية المسيسة والمضللة.هذا الحراك الطلابي والشعبي يستند إلى وعي إنساني حقيقي يرفض أن يكون شريكًا أو ممولًا بأي شكل من الأشكال في رعاية مجتمع يعاني من هذا العطب الأخلاقي الشامل والتواطؤ الجماعي على الجريمة.

إن فضح هذا السلوك وتوثيقه بالصوت والصورة والتحليل ليس مجرد تنديد سياسي مؤقت، بل هو معركة وجودية من أجل الحفاظ على ما تبقى من قيم ومواثيق إنسانية مشتركة توافقت عليها البشرية بعد الحروب العالمية الكبرى. فالسماح بمرور ثقافة "التشفي بالموت" وتشريع "الإبادة الاستباقية" وتمريرها دون رادع دولي أو محاسبة قانونية صارمة يعني بوضوح الانهيار التام للمنظومة الأخلاقية والقانونية الدولية برمتها، وتحول عالمنا إلى غابة مطلقة للعلاقات الدولية؛ مسرح بدائي متوحش يُصفق فيه القوي لأشلاء الضعيف وسط ألحان الموسيقى وصيحات الابتهاج وصخب الاحتفالات.

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


هيئة مقاومة الجدار: 59 أمرًا للاحتلال بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أخبار

مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام

أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
أخبار

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"

كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا