التداول الرقمي في غزة.. طريق الربح السريع تحفّه عمليات الاحتيال
14 مارس 2026
بعد سنوات من البحث دون جدوى عن فرصة عمل، وجد الشاب "عبد الله" (26 عامًا) الذي درس تخصص الوسائط المتعددة في الجامعة أمام واقع يلزمه بالبحث عن أي مصدر رزق بعدما تبين له أن الحرب أغلقت أمامه معظم الفرص، وأنه "يدور في حلقة مفرغة" كما يقول.
أنشطة الاستثمار الهرمي أو التداول الرقمي التجميعي تُعدّ محظورة ما لم تُمارس عبر شركات مرخصة وتخضع للرقابة
بدأ "عبد الله" يبحث عن أي بديل يمكن أن يوفر له مصدر دخل ولو كان محدودًا، وأثناء تصفحه المتكرر للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، صادف إحدى المجموعات على تطبيق تلغرام تضم عددًا كبيرًا من المشاركين وتنشر صورًا لأرباح كبيرة تحققت خلال وقت قصير.
يقول: "كانت تُنشر يوميًا صور لأرباح كبيرة تحققت خلال وقت قصير، إضافة إلى صور تحويلات مالية وكشوف أرباح ومحادثات توحي بالمصداقية، لاحقًا اكتشفت أن كل ذلك كان مزيفًا، لكنني في ذلك الوقت لم أكن أعلم."
ورغم تردده في البداية، تعرض "عبد الله" لضغط متكرر من القائمين على المجموعة للإسراع في تحويل المال، بحجة أن الفرصة محدودة، وتحت تأثير تلك المغريات، قرر تحويل مبلغ قدره 300 دولار كان قد جمعه من أعمال مؤقتة.
يوضح "عبد الله" أنه حاول لاحقًا الاستفسار عن مقر الشركة أو سجلها القانوني لكنه لم يحصل على أي إجابة واضحة، بل طُلب منه بدلاً من ذلك استقطاب مستثمرين جدد مقابل عمولة، ليدرك أنه أمام جهة تعمل بأسلوب "الاستثمار الهرمي".
ويضيف: "في البداية حقّقتُ أرباحًا بسيطة في بعض الصفقات، وهذا منحني حماسًا كبيرًا وجعلني أعتقد أن الأمر أسهل مما توقعت."
وهكذا أقنع عبد الله أحد أصدقائه بالانضمام إلى هذا المجال أيضًا، حيث قام كل منهما بتحويل مبلغ 1000 دولار، وبعد إرسال المبلغ مباشرة، تم حظرهما وقُطع التواصل معهما عبر جميع المنصات. هنا أدرك عبد الله أنه كان "ضحية عملية نصب واحتيال".
أما "أحمد" (24 عامًا) فقد انضم إلى عالم التداول الرقمي بعد أشهر من متابعته مقاطع تعليمية حول العملات الرقمية واستراتيجيات الاستثمار، ليقرر أخيرًا خوض التجربة مستثمرًا جزءًا من مدخراته التي جمعها من عمل سابق.
وخلال بحث "أحمد" عن مصادر إضافية للتعلم، لفت انتباهه إعلانٌ على مواقع التواصل الاجتماعي يروج لدورة تدريبية مجانية في التداول الرقمي يديرها أشخاص قالوا إنهم يعملون من خارج البلاد. يقول إن الدورة بدت منظمة واستمرت قرابة شهر، وكان القائمون عليها "يتحدثون بلغة احترافية عززت ثقته بهم" حسب قوله.
بعد انتهاء التدريب، عُرض على "أحمد" بدء التداول عبر حساب تديره الجهة نفسها مقابل إيداع أولي قدره 500 دولار، مع وعود بإدارة الحساب وتحقيق أرباح سريعة. وافق "أحمد" بعد أن تمكن القائمون على الدورة من كسب ثقته تدريجيًا، غير أن التجربة سرعان ما تحولت إلى صدمة، فبعد تحويل المبلغ تم حظره من جميع المنصات التي كان يتواصل معهم عبرها، ليكتشف أنه وقع ضحية عملية احتيال.
ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، إذ حاول أحمد لاحقًا دخول السوق بشكل فردي لتعويض أمواله مستندًا إلى ما تعلمه، ولذلك استدان أكثر من ألفي دولار بعدما أقنعه بعض الأشخاص بأن الأرباح في هذا السوق مضمونة، إلا أن هذا المبلغ تحول إلى خسارة كبيرة خلال ساعات مع هبوط مفاجئ في سعر العملة، لتتفاقم خسائره مع محاولات متتالية لتعويضها.
واليوم، يؤكد "أحمد" أن التداول في العملات الرقمية ليس كما يظهر في الإعلانات أو على وسائل التواصل الاجتماعي، "فاحتمال الخسارة كبير، خصوصًا لمن يفتقرون إلى الخبرة" وفق قوله، ولذلك فإنه ينصح الشبان بالحذر والتفكير مليًا والامتناع عن وضع مدخراتهم في سوق شديد التقلب مثل سوق العملات الرقمية.
النصب تحت مسمى الاستثمار
يحذر مدير التنمية الاقتصادية في وزارة الاقتصاد بغزة محمد بربخ من تزايد محاولات النصب المالي التي تُسوَّق في قطاع غزة تحت مسمّى “الاستثمار” أو “تشغيل الأموال”، مستغلةً الظروف الاقتصادية الراهنة، مشيرًا إلى أن الوزارة تتابع مؤشرات عودة هذه الظاهرة عن كثب، إلا أنها لا تمتلك إحصاءات دقيقة، لأن معظم هذه الأنشطة تُدار بشكل غير معلن عبر شبكات هرمية يصعب رصدها أو تتبع حجم الأموال المتداولة فيها.
ويوضح بربخ في حديث لـ"الترا فلسطين" أن أنشطة الاستثمار الهرمي أو التداول الرقمي التجميعي تُعدّ محظورة ما لم تُمارس عبر شركات مرخصة وتخضع للرقابة، مؤكدًا أن إجراءات التسجيل والرقابة الدورية تمثل خط الدفاع الأول في كشف المخالفات والجرائم المالية المرتبطة بهذا النوع من الأنشطة.
ويبيّن أن هناك لوائح وقوانين اقتصادية واستثمارية تنظّم الأنشطة المالية المختلفة، غير أن التداول بالعملات الرقمية لا يخضع حتى الآن لإطار تنظيمي معتمد داخل قطاع غزة، ما يزيد من مستوى المخاطر المرتبطة به.
ويشير بربخ إلى أن الوزارة رصدت قبل الحرب ست قضايا كبرى للتداول الرقمي اتضح أنها عمليات نصب، بما فيها شركتان تقدمان دورات تدريبية وشبكات أخرى لتجميع الأموال، وقد بلغ إجمالي الأموال المحتالة نحو 15 مليون دولار، وأحيلت الملفات إلى نيابة جرائم الأموال.
ويضيف أن الاستثمار الفردي يتحمل فيه الشخص مسؤوليته، أما الدخول في أنشطة عالية المخاطر فيتطلب خبرة وفهمًا عميقًا للأسواق، داعيًا المواطنين، خصوصًا فئة الشباب، إلى توخي الحذر وعدم تسليم مدخراتهم لأي جهة غير مرخصة، والإبلاغ عن أي شبهات مالية لحماية المجتمع من خسائر جديدة.
سلاح ذو حدين
يقول المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن قطاع غزة شهد خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في ظاهرة التداول عبر الانترنت، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه السكان، وارتفاع معدلات البطالة وقلة فرص العمل، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشباب وجدوا في هذا المجال مصدر دخل بديل.
وعرّف أبو قمر لـ"الترا فلسطين" التداول الإلكتروني بأنه عمليات بيع وشراء عبر الإنترنت تشمل الفوركس والأسهم والسندات والعملات الرقمية مثل البيتكوين، مشيرًا إلى أن هذه الأسواق شديدة التقلب وتحتوي على فرص وأيضًا مخاطر كبيرة.
ويؤكد أن التداول بالعملات الرقمية يمثل سلاحًا ذا حدين، فهذه الأسواق تتميز بتقلبات حادة وسريعة، فمن جهة يمكن أن يحقق المتداول أرباحًا إذا امتلك المعرفة الكافية والخبرة في تحليل الأسواق وإدارة المخاطر، ومن جهة أخرى قد يؤدي الدخول العشوائي إلى خسائر مالية كبيرة تحت تأثير الإعلانات المضللة التي تروّج لفكرة الثراء السريع الوهمي.
الخسائر الكبيرة للأفراد تعني خروج سيولة نقدية من قطاع غزة إلى الأسواق الخارجية دون أن يقابلها إنتاج حقيقي أو تشغيل للأيدي العاملة داخل الاقتصاد المحلي
يوضح أبو قمر أن أبرز المخاطر تكمن في منصات غير موثوقة وشركات وهمية تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة وحاجة الشباب للعمل في الترويج لفكرة الأرباح السريعة، فتكسب ثقة الضحايا وتقنعهم بإيداع الأموال لديها، لننتهي العملية بالاستيلاء على أموالهم.
ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة، وفق أبو قمر، على الخسائر الفردية للمتداولين، بل قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد المحلي، إذ إن الخسائر الكبيرة تعني خروج سيولة نقدية من قطاع غزة إلى الأسواق الخارجية دون أن يقابلها إنتاج حقيقي أو تشغيل للأيدي العاملة داخل الاقتصاد المحلي، مشددًا على أن التداول الرقمي لا يمكن اعتباره حلاً اقتصاديًا شاملًا لمشكلة البطالة، بل جزءًا من منظومة أكبر تشمل العمل عن بُعد والاقتصاد الرقمي.
ويؤكد أبو قمر أن معالجة الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة تتطلب حلولًا أعمق وأكثر استدامة، في مقدمتها فتح المعابر، وإدخال المواد الخام، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وهي عوامل أساسية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية وتحريك عجلة الإنتاج والاقتصاد المحلي.
الكلمات المفتاحية
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟
يتناول هذا التقرير فرص الالتزام بالموعد المعلن للانتخابات، في ظل التعقيدات السياسية والأمنية والقانونية التي لا تزال تحيط بالعملية الانتخابية.
الغارديان: التعذيب والموت في سجون إسرائيل أمر اعتيادي لا يحاول الإسرائيليون إخفاءه
كل ذلك يحدث على مرأى من الجميع، ومع ذلك، نادرًا ما تُقابل باحتجاج داخل إسرائيل، أو تثير غضبًا حقيقيًا لدى حلفاء إسرائيل في الغرب
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
المكتب الحكومي بغزة: 3689 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 275 يومًا
أشار المكتب يوم الثلاثاء إلى دخول 58,664 شاحنة فقط إلى قطاع غزة من أصل 165,000 شاحنة كان يفترض دخولها حتى اليوم
داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر يوم الثلاثاء، مجزرةً جراء استهدافه نقطة للشرطة غربي مخيم جباليا شمال قطاع غزة
الضفة: هدم منازل وردم بئر مياه وحملة احتجاز واعتقالات واسعة
شنت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات طالت ما لا يقل عن 22 مواطنًا، بالتزامن مع حملة احتجاز وتحقيق ميداني واسعة في مدينة الخليل.