ultracheck
قول

الجنرالات التائبون

1 سبتمبر 2026
الجنرالات التائبون
يمكن الإشارة إلى كثير من المعطيات، عن سياق نشوء الاستيطان أساسًا في عهد حكومة لحزب العمل، أو ما صار يومًا "يسارًا صهيونيًا"، بعدما تحول من الحكم إلى مقاعد المعارضة، وقرر أن يمثل صوت النزعة الدولانية (أو عنف من أجل الأمن، أمن من؟ المستوطنين) بدلًا من العنف المنفلت.
nytimes
باسل رزق الله
باسل رزق الله صحفي من فلسطين

أفردت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا مطولًا، تحت عنوان "هؤلاء الجنرالات قاتلوا من أجل إسرائيل. والآن يرون ’الإرهاب اليهودي’ بمثابة التهديد". يستعرض التقرير جولات، ينظمها جنرال متقاعد من الجيش الإسرائيلي، تهدف إلى عرض واقع الضفة الغربية المحتلة، وتقديم "صورة حقيقية" عن الوضع الكارثي الذي تعيشه الضفة، تحت وطأة هجمات المستوطنين، والجولات عن المستوطنين فقط، وعن عنفهم دون عنف غيرهم، أي الجيش.

تضمن التقرير، عدة اقتباسات من الجنرالات، كلها كانت تسبق، بسجل عسكري، مثلًا إيال بن رؤوفين، كتب عنه "نجا من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، عندما كادت فصيلته أن تباد، ثم تولى قيادة فرقة في الضفة الغربية وقاد القوات البرية الإسرائيلية في حرب 2006". وقال بعد جولة في الضفة: "هذا ما يفعله المستوطنون هنا، هو التهديد الحقيقي لإسرائيل. هذا الأمر يقلقني أكثر من إيران أو غزة أو لبنان".

وتابع التقرير: "أبدى مسؤولون إسرائيليون سابقون آخرون رفيعو المستوى كانوا يرافقونه في جولة بالضفة الغربية نفس الاستياء. قال إفرايم سنيه، وهو عميد متقاعد ووزير الصحة السابق، عن هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية: هذا تطهير عرقي، بكل بساطة".

ووفق التقرير: "ذهب آصاف أغمون، وهو جنرال متقاعد في سلاح الجو، إلى أبعد من ذلك، حيث قارن الأمر بما عاناه أسلاف بعض الإسرائيليين في المحرقة - ليس من حيث حجم العنف، كما أوضح، ولكن من حيث الجهود المبذولة لمحو الوجود الفلسطيني من جزء كبير من الضفة الغربية. وقال: إذا تصرف مجتمع ما بهذه الطريقة، فإن مصيره محتوم".

التقرير، الذي يقدم بعض أصوات الضحايا، هو ليس عنهم، وقيل فيه: "شارك العديد من المنتقدين الإسرائيليين في أعمال عنف مفرطة خلال مسيرتهم العسكرية، حيث أصدروا أوامر بتنفيذ عمليات اغتيال مستهدفة، وغارات جوية مميتة، ومداهمات، وهجمات أخرى على الفلسطينيين، بما في ذلك في الضفة الغربية. لكنهم يزعمون أنهم كانوا يتصرفون لمصلحة الأمن الإسرائيلي، وفقًا لتسلسل القيادة والرقابة القانونية".

ويضيف التقرير، في محاولة لتقديم عنف مفهوم وآخر غير مفهوم، أو التمييز الإسرائيلي المتوهم بين عنف الأمن وعنف المستوطن: "يقولون إن الفرق الآن هو أن العنف أصبح بلا رادع، وعشوائي، ويستهدف المدنيين الأبرياء، بهدف تطهير مساحات شاسعة من الضفة الغربية حتى يتمكن الإسرائيليون من الاستيلاء عليها لأنفسهم والقضاء على أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية. ويزعمون أن الظلم اليوم قد تجاوز الخط الأحمر الأخلاقي الذي تسمح فيه الدولة، بل وتساعد أحيانًا، المدنيين الإسرائيليين على ضرب وطعن وإطلاق النار على الآخرين دون أي عواقب تقريبًا".

وفي التقرير، قال غال ليفرتوف، الرئيس السابق للقسم الدولي في وزارة العدل، والذي مثل إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي: "لو اضطررت لذلك، لكان بإمكاني تقديم دفاع قانوني عما فعلته قوات الدفاع الإسرائيلية في غزة"، وأضاف: "لكن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية؟ إنه أمر لا يمكن تبريره".

أمّا منظم الجولة، فهو يعقوب أور، جنرال متقاعد خدم في الضفة الغربية غالبية فترته في الجيش، والعسكري البالغ من العمر 79 عامّا، شارك في حرب حزيران/يونيو 1967، التي كانت لحظة مفصلية في تأسيس واقع الضفة الغربية القائم حاليًا.

ولكن النوايا والدوافع مهمة أيضًا، إذ يقول نحميا داجان، 86 عامًا، وهو جنرال متقاعد في سلاح الجو ساعد في بناء قدرات إسرائيل في مجال طائرات الهليكوبتر وشغل أيضًا منصب كبير مسؤولي التعليم في الجيش الإسرائيلي: "عندما تحرقون الكتب، وعندما تدمرون المعرفة وتهاجمون الأطفال، فإنكم تشبهون الألمان، لقد فقدنا أنفسنا، وخسرنا هذه المعركة". وأضاف، في إشارة إلى حل الدولتين: "يجب أن ننفصل، ليس من أجلهم، بل من أجلنا".

ولعل هذا الاقتباس هو العقدة الأساسية في التقرير، عقدة حنين النخب الأمنية الإسرائيلية إلى "إسرائيل القديمة"، فالقضية هي "إسرائيل التي يعرفونها"، لا إسرائيل القائمة حاليًا، ومن أجلهم لا من أجل الضحايا، ليصيروا هم القصة مرة أخرى، لا الضحايا، وليكون العنوان ما تخسره إسرائيل، لا عن الضحايا الذين يخسرون كل شيء.

وهذه النخب الأمنية الإسرائيلية، تقيم في نوستالجيا، الزمن الذي "تحتكر فيه الدولة العنف" لا الميليشيات التقدم كمنفلتة رغم أن مشروعها استراتيجي يقوم على الطرد والتهجير (تحضر قصة سفينة ألتانيا التأسيسية في هذا السياق من جديد في إسرائيل)، وتتجاهل العنف المؤسس لهذا الواقع، الذي صنع بسنوات من رعاية المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، فلولا ذاك الاحتلال، ما كان "محو حوارة" و"لتحترق قريتهم" واقعًا ممكنًا، ولولا جولات المداهمة اليومية الليلة، ما كان حصار قصرة يحدث نهارًا.

يمكن الإشارة إلى كثير من المعطيات، عن سياق نشوء الاستيطان أساسًا في عهد حكومة لحزب العمل، أو ما صار يومًا "يسارًا صهيونيًا"، بعدما تحول من الحكم إلى مقاعد المعارضة، وقرر أن يمثل صوت النزعة الدولانية (أو عنف من أجل الأمن، أمن من؟ المستوطنين) بدلًا من العنف المنفلت.

وبينما تنشغل هذه الجولات المتكررة، بفحص آثار عنف المستوطنين، فإنها تتجاهل تمامًا أيضًا ما يفرضه الجيش من واقع مرير، قائم على شبكة من الحواجز والاقتحامات والإغلاقات، وادعاء للعجز أمام إرهاب المستوطنين. وصولًا إلى منافسة بين الضباط المرشحين للترقية "تضغط على رئيس الأركان لاستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين"، من أجل الحصول على ترقية، كما كشفت صحيفة "هآرتس". وكما أن الجيش نفسه، أسس وحدات الدفاع الإقليمي (هاغمار)، التي تكونت من مستوطنين تحولوا إلى اللباس الرسمي في الجيش، وكانت حراستهم للمستوطنات ضمن خدمتهم العسكرية في الجيش.

أسس "جنرالات إسرائيل التائبين" واقع الحالة القائمة، بعنفها واستيطانها، واليوم، ينتقدون واقعًا هم شكلوا صورته الأولى، وعودتهم "النادمة" إلى الضفة، ليست نادمة تمامًا في جوهرها، ولكنها متحسرة، فالاحتلال كان يجب أن يكون مستنيرًا، كما طرح في تصورات موشيه ديان/غازيت الأولى، ويدير الواقع القائم، ويكون خفيًا غير مرئي، ويمكن الدفاع عنه لو كان من الجيش، كما قالها صراحة أحد الجنرالات، عندما قارن غزة في الضفة، وهذا الخطاب في عمقه يعبر عن صراع خسارة إسرائيل التي تصور مثل "فيلا في غابة الشرق الأوسط"، أي إسرائيل بن غوريون الدولانية، التي تحافظ على صورتها في العالم، ولا يمثلها سموتريتش وبن غفير وسوكوت في العالم ومشروع E1.

مثلًا، آيزنكوت، يعارض مشروع E1 الاستيطاني، وهو جنرال سابق أيضًا، لكنه "أقل توبة" ممن ينفذون جولات في الضفة الغربية، وحاليًا ربما يعبر عن تطلعاتهم في الحكم، فهو يعارض هذا المشروع، لا لكونه يقوم على أراضٍ فلسطينية، ولكن لكونه يقوض صورة إسرائيل في العالم، ويلحق فيها ضررً استراتيجيًا، إذ يقول عن مشروع الاستيطان E1: "ليس الآن. هذا خطأ يكلفنا ثمنًا دوليًا باهظًا"، ويضيف "سلّم نتنياهو الشرطة إلى بن غفير والإدارة المدنية إلى سموتريتش، وبالتالي فقد الجيش سيادته في المنطقة، ويجب استعادتها. إن تصرفات هذين الوزيرين، إلى جانب حوادث عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، تتسبب في فقدان إسرائيل شرعيتها الدولية وتهدد المستوطنة بأكملها. إنهما يُخربان المصالح الوطنية الإسرائيلية". أمّا عن الدولة الفلسطينية، أكد آيزنكوت رفضها، بالقول: "كل من يفكر في حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول يعيش في حالة وهم".

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها


مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

موسم الزيتون في الضفة الغربية.jpg
أخبار

الاحتلال يحاصر موسم الزيتون.. تهديد بإغلاق الحقول إذا شارك المتضامنون

أفادت صحيفة "هآرتس" أن جيش الاحتلال يهدد بإعلان حقول زيتون فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة مناطق عسكرية مغلقة، في حال استعان أصحابها بمتضامنين أجانب.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


4
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه


5
تقارير

خاص | إخلاءات غزة.. أهداف مدنية تنافي الذرائع العسكرية وتحذيرات فلسطينية من تصعيد نتنياهو