الحج إلى النكبة الكولونيالية
3 مايو 2026
الحاضرون الغائبون، هذا كان "الكود" الاستعماري الصهيوني الخاص بالفلسطينيين الذين نُكبوا وهُجّروا من قراهم وبلداتهم، ولجأوا إلى مناطق أخرى داخل فلسطين إبان نكبة عام 1948.
وكان المستعمِر الصهيوني في خضم سعيه المحموم والحثيث نحو تأسيس كيانه الغاصب على أنقاض النكبة، يشاء لهؤلاء الذين أبوا التهجير والرحيل عن ديارهم، وإن دُمّرت، أن يصبحوا مجرد كائنات تعيش في برزخ الإنكار والتهميش، كما لو أنهم "زومبي". إلاّ أنهم، وبفضل صمودهم وإيمانهم ببقائهم في الحيز الفلسطيني القريب من نكبتهم، رفضوا هذا التصنيف العنصري واللاإنساني، وواظبوا على البقاء، حتى وإن كانوا يُشرفون على أماكنهم وآبارهم الأولى وأطلال ذكرياتهم من بعيد، من قرى وأماكن أخرى داخل ما بات يُعرف "بالخط الأخضر".
لا يحيي الفلسطينيّون الباقون في البلاد البِكر ذكرى النكبة، فالأمر ليس مجرد احتفالية مفعمة بالحزن وشعائرية النكبة الكارثية، بل يؤكدون على استمرارية وثبات الوعي الجمعي في مواجهة النسيان
تلاشى "الزومبي" التاريخي المشوّه، عبر انخراط الباقين في نضال الصراع في سبيل الهوية الوطنية ووعي النكبة الجمعي المُحمّل بالذاكرة، المُعبّأة بأنفاس الروايات والشهادات الشفوية للذين شهدوا النكبة، وحفظوا في نفس الوقت واعتنقوا أسرار ووعود الأرض ورياحينها وحكاياتها، ليقوموا بروايتها لأبنائهم وأحفادهم، الذين حافظوا بدورهم على الحنين وذلك الوعي النكبوي المشحوذ بأمل العودة، والتعبير عن الهوية الفلسطينية رغم الالتباسات وخيبات الأمل.
وفي نيسان وأيار من كل عام، لا يحيي الفلسطينيّون الباقون في البلاد البِكر ذكرى النكبة، فالأمر ليس مجرد احتفالية مفعمة بالحزن وشعائرية النكبة الكارثية، بل يؤكدون على استمرارية وثبات الوعي الجمعي في مواجهة النسيان؛ إذ إن النكبة مستمرة وزاحفة وممتدة، ولها تداعياتها وتمثيلاتها المتعددة. ومن أهمها سياسات نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني الخاصة باستهداف الجماعة الفلسطينية الباقية والصامدة داخل فلسطين المنكوبة منذ عام 1948. هذه السياسات "الناعمة والمسمومة"، الخالية من حمم المقاتلات النفاثة وجحيم الدبابات وفتك البنادق، سياسات عنصرية مدعومة بقوانين فاشية جرى تمكينها وتشريعها على مدار الصيرورة التاريخية الصهيونية، لتتجلى في قانون القومية الذي سنّه البرلمان الصهيوني "الكنيست" في صيف عام 2018، وذلك في سبيل تكريس شرعنة العنصرية كنهج مضمون قانونيًا وقضائيًا وتشريعيًا إزاء الجماعات الفلسطينية في كافة أنحاء فلسطين المستعمَرة، وبشكل خاص إزاء الجماعة الفلسطينية داخل "الخط الأخضر".
إذ تهدف هذه السياسات "الناعمة" بصورة أساسية إلى تفكيك الوعي الفلسطيني ببعديه الفردي والجماعي، واستدراج الفلسطيني والفلسطينية نحو أوهام المواطنة الزائفة، والمُعدة من الدونية والمخاطر الوجودية والتمييز والتهميش وتفكيك الإنسانية، بحيث يغدو الفلسطيني متموضعًا في حيّز "الما بين" فلا هو مواطن حقيقي ولا هو أيضًا فلسطيني مكتمل التعريف أيضًا، لينهمك في أولويات التعريف والبحث عن محددات تكفل اللجوء إلى نمط معين من الهوية.
و هذا الانهماك هو، بشكل أو بآخر، اشتباك يومي مباشر على عدة جبهات، من أهمها جبهة الاشتباك مع الآخر الصهيوني على كل شيء، بدءًا من اللغة وليس انتهاءً بالعنف والجريمة المنظمة المدعومة من قِبل المنظومة الأمنية الصهيونية والتي تفتك وتهتك نسيج الجماعة الفلسطينية. أما الجبهة الأخرى فهي تتمحور في التواصل والتفاعل مع المحيط الفلسطيني والعربي، الذي لم يدّخر خيبةً ولا خذلانًا بحق "فلسطينيي الداخل"، لناحية الالتباس في عملية تعريفهم ومدى إمكانية إلحاقهم في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي قامت، بلا أدنى تردد، بإزاحتهم وإقصائهم عن متن الخطاب الوطني الفلسطيني، نتيجة الواقعية السياسية المحبّذة لدى قيادة المنظمة، وبذلك أُلقي الفلسطيني في الداخل في وجه إعصار الهوية والسؤال الأفظع "من أكون ؟"، وما الذي تعنيه له تلك المواطنة المشوهة في النظام الصهيوني.
لتأتي الإجابة الصارخة بالبقاء والهوية والانتماء من خلال هذا "الحج النكبوي" في كل عام، والذي يقوده الأطفال الذين ورثوا الحكاية ووعود أرض الحكاية، من خلال ذهابهم مع ذويهم وأجدادهم نحو أنقاض وبقايا قراهم وأماكنهم المنكوبة. ليقوم هذا الطفل وهذه الطفلة بتلمس الحجارة، وشمّ الأزهار، واقتفاء أثر الحكاية والفراشة، والغناء وإلقاء القصائد التي تحثّ على العودة والصمود والهوية الوطنية.
أولئك الأطفال يحجّون إلى ديارهم، كما لو أنهم وُلدوا وترعرعوا فيها؛ يتأملون في بقايا البيوت، ويتجولون في الأزقة وإن كانت منكوبة. والأهم أنهم يتخيّلون؛ هنا تكمن الحكاية، بلى، في الخيال والتخيّل. وهؤلاء الأطفال، حين يلتحقون بركب الحج النكبوي ضد الكولونيالي، فإنهم يُلقون عن أنفسهم لبوس الخنوع والتشوّه والالتباس، ولا يعودون مجرد جماعة فلسطينية كولونيالية خُلقت مشوّهة من رحم النكبة الكولونيالية، بل يستعيدون كامل الملامح الإنسانية والفلسطينية الوطنية، ويرثون الحكاية، وحتمًا سيرثون أرض الحكاية.
الكلمات المفتاحية
معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!
منذ بدأت ملامح مفاوضات ما بعد الحرب على غزة تظهر إلى العلن، عاد سؤال قديم ليتصدر المشهد من جديد: ماذا سيحدث لسلاح الفصائل الفلسطينية في غزة؟
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تجديد للشرعية أم إعادة هندسة النظام السياسي؟
يصعب التعامل مع مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل باعتباره خطوة ديمقراطية طبيعية أو استحقاقًا مؤجلًا طال انتظاره
مروان البرغوثي وكأس العالم
هل تعلمون أن مروان البرغوثي يشجع بكل ما أوتي من شغف وحماسة منتخب البرازيل في كأس العالم؟ هل تعلمون أيضًا أنه يشجع بإثارة مكثفة نادي ريال مدريد الإسباني؟
الصليب الأحمر: آلاف المدفونين تحت أنقاض غزة قد لا يتم التعرف عليهم أبدًا
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن خطر عدم التعرف على هوية آلاف الفلسطينيين المدفونين تحت أنقاض غزة يتزايد يومًا بعد يوم
إيران تهدد إسرائيل.. وترامب ينتقد قصف بيروت
قال ترامب إن الهجوم الذي كانت ترد عليه إسرائيل بقصفها للضاحية كان صغيرًا جدًا وغير ذي معنى، ولم يُقتل أو يُصب أو يُجرح أحد
تخصيص ملياري شيكل لصالح مشاريع تطويرية في مستوطنة "كارني شومرون"
قال سموتريتش: لقد حان الوقت للحسم أيضًا في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها حتى قبل موعد الانتخابات
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.