الذاكرة المفقودة.. حين تضيع الأوراق الثبوتية تحت ركام الإبادة
5 فبراير 2026
لم يُمهل الاحتلال الإسرائيلي محمود الرقب (45 عامًا) سوى دقائق معدودة لإخلاء منزله في بلدة بني سهيلا شرق مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، قبل أن يحيله ركامًا مع عدد من المنازل والمباني والمحال التجارية في المنطقة.
غياب هذه المستندات يجعل إثبات ملكية الأراضي والمنازل أمام المحاكم أو الجهات الرسمية شبه مستحيل، مما يعرّض الفلسطينيين لمخاطر التجريد من ممتلكاتهم على المدى البعيد ويضع حقوقهم المدنية في حالة تهديد دائم
بالكاد نجا الرقب مع زوجته وأطفاله من هذا الاستهداف الذي جاء في الأسابيع الأولى لحرب الإبادة الجماعية، فلم يستطع أخذ أيٍّ من متعلقاته الشخصية أو أوراقه الثبوتية، ليظل طيلة أيام الحرب يعاني من إثبات شخصيته في كل مرفق حكومي أو إغاثي يقابله. ومن الوثائق الضائعة سندات ملكيته لأرضه الزراعية التي ورثها عن والده، وكانت مصدر رزقه الوحيد.
يقول الرقب: "رغم أن الأرض حاليًا تقع ضمن نطاق الخط الأصفر، لكنني لم أعد أملك أي سند قانوني يثبت وجودها وملكيتها، فشهادات الطابو لم تعد بحوزتي، ولا حتى عقود المُزارعات مع المؤسسات الداعمة للمزارعين التي كنت أحتفظ بها".
ويساور الرقب قلقٌ دائمٌ على مستقبل الأرض التي يملكها، وكيف يُمكن له تحديدها، إذ إن معالم المنطقة مُسِحت تمامًا خلال حرب الإبادة، فيقول: "كيف لي أن أعرف مكانها وأنا لم أعد أعرف أين حدودها، وهل يمكنني بعد كل هذا الدمار أن أستخرج شهادات بدل الفاقد لها".
وفي منطقة المواصي غرب خان يونس، ينزح الرقب بجوار سائد ضهير (62 عامًا) من مدينة رفح، الذي ترك حقيبة متعلقاته الشخصية في نزوحه الثاني بعدما لم يتمكن من النجاة بها. يقول ضهير إنه فقد كل أوراقه الرسمية وعقود البيع والشراء، و"كوشان الطابو" لأرضه البالغة ثلاثة دونمات في شمال رفح.
والآن، يخشى ضهير من أن يجد صعوبة في استخراج بدل الفاقد من شهادات تسجيل أرضه لدى دائرة الطابو التي دُمِّرت هي نفسها خلال الحرب وفُقِد أرشيفها، ما يعني أنه مهددٌ بفقدان حقه في أي عملية إعادة إعمار أو أي تعويض قادم.
طمس الذاكرة
وإلى جانب ما خلفته الحرب الإسرائيلية على مدار عامين من قتلٍ وتشريدٍ وإبادة، تتكشف الآثار المروعة على مستقبل الإنسان وهويته وروايته، بعد أن فقد الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة سجلات الملكية لأراضيهم وعقاراتهم وممتلكاتهم، وحتى بطاقات الهوية، ووثائق الزواج والطلاق، والأحكام القضائية، وسجلات الأنساب والميراث وغيرها.
هذا الواقع "يفتح الباب أمام الاحتلال للقضاء على الذاكرة الفلسطينية ومحوها لأجيال وعقود" بحسب قول رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني صلاح عبد العاطي، في حديث لـ"الترا فلسطين".
ويشرح عبد العاطي خطورة فقدان الأوراق الثبوتية على حقوق السكان قائلاً: "غياب هذه المستندات يجعل إثبات ملكية الأراضي والمنازل أمام المحاكم أو الجهات الرسمية شبه مستحيل، مما يعرّض الفلسطينيين لمخاطر التجريد من ممتلكاتهم على المدى البعيد ويضع حقوقهم المدنية في حالة تهديد دائم".
وحذّر عبد العاطي من أن فقدان الوثائق سيشكّل ثغرة يمكن أن يستغلها الاحتلال للطعن في ملكية الفلسطينيين للأراضي والمنازل، خصوصًا في سياق النزاع المستمر على الأرض، "وقد سبق للاحتلال الإسرائيلي أن اعتمد على فقدان السجلات لاختلاق حقوقٍ للمستوطنين أو للطعن في ملكيات الفلسطينيين، ما يجعل الحفاظ على أي دليل، حتى غير رسمي، أمرًا بالغ الأهمية".
ويؤكد أن تدمير سجلات الطابو والبلديات والمحاكم "سيعقّد استعادة الحقوق العقارية بشكل كبير، لأن الاعتماد يصبح على الشهادات الشفهية والخرائط القديمة، أو السجلات البديلة التي تحتفظ بها بعض المؤسسات المحلية، لكنها غالبًا غير مقبولة بالكامل أمام القضاء المحلي أو الدولي، مما يزيد من هشاشة الحق الفلسطيني في الملكية".
ورأى عبد العاطي أن "غياب الأوراق الثبوتية سيعرقل مشاريع إعادة الإعمار، ويؤخر صرف التعويضات، ويضعف قدرة الأسر على المطالبة بحق العودة إلى المنازل المدمرة".
وقال: "سيؤدي ذلك حتمًا إلى تعطيل التخطيط العمراني في حال تم، وسيزيد من صعوبة استعادة الأراضي السكنية والزراعية، وبالتالي زيادة معاناة السكان في الحصول على الخدمات الإنسانية الأساسية".
وأكد عبد العاطي أن الاحتلال كان يسعى إلى تدمير الوثائق كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى طمس الرواية الفلسطينية المرتبطة بالأرض والملكية، وتقويض الحقوق التاريخية للأهالي في القطاع.
بدائل قانونية مؤقتة
وبيّن عبد العاطي أنه في حال فقدان الوثائق الأصلية، يمكن اللجوء إلى شهادات الشهود والأهالي المعروفين بعقاراتهم، أو عن طريق الخرائط القديمة والصور الجوية للأراضي والمنازل بالإضافة إلى سجلات الجمعيات المحلية والمؤسسات الخيرية.
وأضاف: "يمكن أيضًا الاستناد إلى العقود أو الإيصالات القديمة، وإفادات مؤقتة صادرة عن البلديات أو المحاكم، رغم محدودية الاعتراف بها حاليًا".
وشدد على ضرورة توثيق الملكيات لمنع ضياعها مستقبلًا، عبر إنشاء قاعدة بيانات رقمية وطنية آمنة، تشمل كافة السجلات العقارية وربطها بالخرائط الميدانية، مع نسخ احتياطية خارج غزة.
وقال: "يجب دعم مسح شامل للملكية عبر الشهادات والأدلة الميدانية، لضمان استمرار الحقوق حتى في ظل ما خلفته الحرب من دمار واسع".
وأشار عبد العاطي إلى مسؤولية المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية في حفظ السجلات العقارية في غزة، وقال: "يتوجب على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية دعم حماية السجلات العقارية، والمساعدة في التوثيق الرقمي واستعادة الوثائق، والضغط على الاحتلال لمنع استغلال فقدان الوثائق لتقويض الحقوق الفلسطينية".
وحذر عبد العاطي من أنه "في حال لم تُعالج أزمة ضياع الوثائق الآن، ستواجه الأجيال القادمة صعوبة في إثبات حقوقها على الأراضي والمنازل، وسيصبح حق العودة معرضًا للخطر، وستتضرر الرواية التاريخية الفلسطينية والهوية القانونية للأهالي، مما يعمّق فجوة الحقوق المدنية والقانونية ويهدد استقرار المجتمع الفلسطيني في المستقبل".
الكلمات المفتاحية
الحمى المالطية تهدد الثروة الحيوانية في ريف جنين.. شكاوى من غياب التدخل الحكومي
الأغنام والأبقار المصابة تواجه خطر النفوق، الأمر الذي ينذر بخسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين الذين يعتمدون على تربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل
غاب الأحبَّة وحضرت الدموع.. حفلات التكريم تعود منقوصة في غزة
غابت وجوه كثيرة عن منصات التكريم، لكن ذكراهم تبقى حاضرة في كل شهادة تُمنح وكل اسم يُنادى عليه
البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟
البحر الذي شكل على الدوام متنفسًا للعائلات والأطفال في غزة، تحول اليوم إلى ساحة تختلط فيها مياهٌ ملوثةٌ بخيام نزوحٍ تمتد بمحاذاة الساحل
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.
الاحتلال يعاود قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أسبوع على التصعيد
يزعم الاحتلال أن قصف الضاحية الجنوبية جاء ردًّا على استهداف مواقع إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة بمسيّرات لحزب الله.
بعد 24 عامًا من الاعتقال.. استشهاد الأسير عماد سرحان في سجون الاحتلال
سلطات الاحتلال أبلغت عائلة الأسير سرحان باستشهاد نجلها في السجن، مشيرة إلى أنه تعرض لنوبة قلبية يوم أمس.
رئيس "أرض الصومال" يزور "إسرائيل" لافتتاح سفارة بالقدس وسط تنديد واسع
وصل رئيس إقيلم "أرض الصومال" الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، اليوم الأحد، إلى "إسرائيل"، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها.