ultracheck
قول

السياسة الأميركية الجديدة تجاه فلسطين: من الوساطة إلى فرض الإملاءات

29 نوفمبر 2025
السياسة الأميركية الجديدة تجاه فلسطين: من الوساطة إلى فرض الإملاءات
Photo by Selçuk Acar/Anadolu via Getty Images
رائد أبو بدوية
رائد أبو بدويةأستاذ في القانون الدولي والعلاقات الدولية

تشهد السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية تحولًا جوهريًا يتجاوز تبدّل الإدارات والأسلوب الخطابي، ليصل إلى إعادة تعريف دور واشنطن في الصراع برمته. فبعد عقود من الادعاء بلعب دور الوسيط، تتجه الولايات المتحدة اليوم نحو فرض معادلة جديدة تنقل القضية من حيّز السياسة إلى ملف أمني تُراد إدارته لا حله. وفي ظل هذا التحول، تتكرس على الأرض ترتيبات تُعزّز السيطرة الإسرائيلية، وتُضعف موقع الفلسطينيين وتهمّش حقوقهم الأساسية.

تسعى واشنطن إلى تحويل مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي إلى رافعة مركزية لسياستها الإقليمية

لطالما شكّل شعار "حل الدولتين" الإطار المرجعي للموقف الأميركي، رغم افتقاره لأي خطوات عملية. أما اليوم، فقد أصبح هذا الشعار مجرد عبارة بروتوكولية تُستخدم في البيانات الرسمية، وتتردّد كثيرًا في إثارتها، فيما تعمل واشنطن على بناء نموذج مختلف يقوم على إدارة فلسطينية بلا سيادة، ضمن ترتيبات أمنية تشرف عليها إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إن هذا النموذج يهدف إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى جهاز إداري–أمني، وظيفته ضبط السكان لا تمثيلهم السياسي، وتسيير شؤونهم ضمن حدود مرسومة سلفًا.

في 31 تموز/يوليو 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على القيادة الفلسطينية، في خطوة من خطوات، عكست بوضوح الاتجاه الجديد في السياسة الأميركية. وبدلًا من استخدام الضغط لإطلاق عملية سلام أو وقف الاستيطان، تأتي هذه العقوبات لفرض تغييرات داخلية على البنية السياسية الفلسطينية، من خلال تجريد القيادة من أدواتها السياسية وإعادة تعريف دورها بما يتوافق مع الرؤية الأميركية-الإسرائيلية. فالعقوبات لم تعد تعبيرًا عن خلاف مع القيادة، بل جزءًا من مشروع هندسة نظام سياسي فلسطيني ضعيف وملائم للترتيبات الأمنية.

كما تسعى واشنطن إلى تحويل مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي إلى رافعة مركزية لسياستها الإقليمية. لكنّ هذا المسار لم يعد مشروطًا بأي تقدّم في المسار الفلسطيني، بل بات يُستخدم لتجاوز الفلسطينيين وإقصائهم عن صياغة مستقبلهم. فمع توسع الشراكات الاقتصادية والأمنية بين إسرائيل ودول عربية، يتراجع موقع القضية الفلسطينية من مركز الصراع إلى هامش قابل للتجاوز.

وتتعامل الإدارة الأميركية مع الفلسطينيين اليوم بوصفهم "ملفًا أمنيًا" أكثر من كونهم شعبًا يناضل من أجل الحرية. ولهذا تركز واشنطن على: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتقليص أدوات القوة لدى الفصائل، ومنح إسرائيل حرية حركة واسعة في الضفة وغزة، وفرض ترتيبات دائمة على الحدود والمعابر. وبهذا تختزل واشنطن القضية إلى إدارة السكان تحت الاحتلال، لا إنهاء الاحتلال ذاته.

وتحمل هذه السياسة مجموعة من التداعيات التي تُعيد رسم المشهد الفلسطيني: انهيار فعلي لحل الدولتين وتحويله إلى شعار بلا مضمون. تعميق الانقسام الفلسطيني واستغلاله كأداة ضغط. ترسيخ السيطرة الإسرائيلية في الضفة وغزة تقديم التطبيع كبديل عن التسوية بما يفصل الدول العربية عن جوهر القضية، وفتح الباب أمام انفجارات سياسية وأمنية بسبب غياب الأفق.

ورغم محاولات واشنطن فرض ترتيبات تتجاوز الفلسطينيين، فإن الساحة الفلسطينية نفسها ما زالت تحمل فرصًا قادرة، إذا استُثمرت، على إعادة التوازن. فإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وإنهاء الانقسام وتوحيد مراكز القرار، يمثلان نقطة الانطلاق لصدّ الإملاءات الخارجية وتعزيز القدرة التفاوضية.

كما أن صياغة استراتيجية وطنية مستقلة تتيح للفلسطينيين فرصة التحرر من الارتهان للولايات المتحدة واستثمار التحولات الدولية المتزايدة لصالحهم.

باختصار، إن الفرصة الفلسطينية اليوم لا تكمن في انتظار تغيّر السياسة الأميركية، بل في إعادة صياغة الذات الفلسطينية، وتحويل لحظة الضغط إلى لحظة بناء تستعيد فيها فلسطين قدرتها على فرض روايتها وحقوقها على أجندة الإقليم والعالم.

الكلمات المفتاحية

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزةلقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة

لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام


الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي

تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص


أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد الطوفان أ

أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة

تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي


نهاية عام

نهاية عام.. حروب نتنياهو ممتدة

يترقب العالم بداية عام جديد، بينما ما يمكن ترقبه في المنطقة، نهاية العام، الذي يُختم في لقاء ترامب ونتنياهو، وما يحمله من ملفات مفتوحة أو تركت مفتوحة حتى اللقاء، بينما لا تبدو النهايات فاصلًا بين مرحلتين، بل امتدادًا لمسار واحد من التصعيد الإسرائيلي القائم

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
مقابلات

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟

عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيلة "مجلس السلام" لغزة ويعين قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
أخبار

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"

جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية


القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
تقارير

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟

لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
تقارير

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة

انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

الأكثر قراءة

1
راصد

نيكولاي ملادينوف: من المساهمة في إدارة الصراع إلى "مجلس السلام" لغزة


2
تقارير

المجلس الثوري لفتح يحدد موعد المؤتمر الثامن: محطة مفصلية أم استمرار للحالة القائمة؟


3
راصد

الطابو الإسرائيلي الجديد: نكبة صامتة وتمهيد لمصادرة نحو 70% من أراضي مناطق "ج"


4
تقارير

إبادة المستقبل.. كيف تصنع "إسرائيل" جيلًا مشوهًا في غزة؟


5
راصد

فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق "ب" في الضفة: ملف صحراء القدس