ultracheck
تقارير

الصحفي الذي لا يملك وقتًا للحزن

8 يونيو 2026
رابطة الصحفيين الأجانب: حظر دخول الصحفيين إلى غزة مهزلة ويجب أن تتوقف
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

خرج أسامة جمال من سجون الاحتلال بعد عامٍ ونصف من الاعتقال، وهو يحمل فكرةً بسيطة: أن يعود إلى الكاميرا ليتجاوز ما عاشه وينساه. لكن العودة لم تكن بالبساطة التي تخيّلها.

يقول المخرج الوثائقي: "طلعت من السجن وحبيت أنخرط بعملي الصحفي من جديد رغبة مني أنسى تجربة الاعتقال". لكن ما وجده خارج السجن لم يكن أقل وطأة. فالحرب التي كانت مستمرة في الخارج تركت قصصًا أثقل من أن تُنسى.

ترى الأخصائية النفسية سمر قويدر أن ما يصفه الصحفيون في غزة يتجاوز ضغوط العمل المعتادة، ويقترب مما يُعرف بـ "الصدمة الثانوية".

يجلس خلف كاميرته يوميًا ليستمع إلى ناجين فقدوا كل شيء؛ أمهات رحل أبناؤهن بينما كانوا خلف القضبان، وأسرى عادوا ليجدوا بيوتهم ركامًا، وعائلات مزقتها شهور النزوح والحصار. يُصغي إلى الشهادات، يُصوّرها، ثم يُسلّم الفيلم.

لكن القصص لا تبقى داخل الشاشة. يقول أسامة: "جرت العادة أننا إحنا يلي ننقل وجع الناس، بغض النظر عن شو بنحس وإحنا بننقل شهاداتهم للعالم".

في غزة، لا يقف الصحفي خارج الحدث. هو جزء منه. يوثّق الخسارة فيما يعيشها، ويسأل الآخرين عن الألم فيما يحاول التعامل مع ألمه الخاص.

وخلال الحرب على غزة استشهد أكثر من 260 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي، وأصيب واعتُقل عشرات آخرون أثناء أداء عملهم. غير أن الخسائر التي يمكن عدّها بالأرقام ليست وحدها ما يرافق العاملين في المهنة. فهناك أثر آخر أقل ظهورًا، يتراكم بصمت لدى أولئك الذين يقضون أيامهم بين الشهداء والجرحى والأسرى والناجين، ويحملون قصصهم إلى العالم.

نحمل الوجع ولا نملكه

بالنسبة للمصور الصحفي إسلام مالك، لا يحتاج الأمر إلى شهور أو سنوات حتى يترك أثره. يوم واحد يكفي. يقول: "مر علي يوم صورت فيه مقابلات مع أسرى قضوا ما يقارب السنتين داخل السجون، وكانت شهاداتهم مليانة وجع".

لم ينتهِ اليوم عند هذا الحد. بعد ساعات قليلة كان أمام منزل مستهدف في مخيم النصيرات، ثم في مستشفى الأقصى، ثم أمام ثلاجات الموتى. "التصوير عندها قاسٍ لأقصى درجة". لم تكن هناك فرصة لاستيعاب ما شاهده أو حتى التقاط أنفاسه.

يقول إسلام في حديث لـ"الترا فلسطين": "ما لحقت ألقط نفسي وأحاول أتعامل مع كمية الوجع يلي شفتها إلا بتيجي إشارة لنسجل مناشدة لجرحى من أجل العلاج بالخارج، كان جرحهم ماكل نفسيتهم وبينهش بأجسامهم".

هكذا يتوالى اليوم الصحفي في غزة: شهادة أسير، بيت مدمر، جرحى ينتظرون العلاج، عائلات تبحث عن مفقوديها، وأخبار جديدة لا تمنح أحدًا فرصة للتوقف.

لكن العمل لا ينتهي مع انتهاء المهمة. في المساء يعود إسلام إلى الخيمة التي تؤويه وعائلته بعد فقدان منزلهم في بداية الحرب.

"آخر النهار بروح للخيمة ومطلوب مني أكون بكامل قواي العاطفية منشان أعوض غيابي عن ولادي ومرتي، يلي أصلاً شاعرين بكل الضياع والتعب لأن بيتنا راح ببداية الحرب".

وحين يُسأل إن كان يصل أحيانًا إلى حافة الانهيار، تأتي إجابته قصيرة: "لا. لأنه بينفعش. الانهيار بالنسبة إلنا مش خيار".

وربما لهذا السبب تبدو معاناة الصحفيين أقل ظهورًا من غيرها. فالأشخاص الذين يُطلب منهم يوميًا الاستماع إلى روايات الفقد والنجاة، لا يجدون غالبًا مساحة كافية للحديث عن خساراتهم الخاصة.

الاحتكاك بالمأساة لا يتوقف عند الميدان

حسن ناصر، الذي يعمل في المونتاج، يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة يعيد مشاهدة المادة المصورة مرارًا وتكرارًا. المشهد نفسه يعود عشرات المرات قبل أن يصبح تقريرًا جاهزًا للنشر.

يقول لـ"الترا فلسطين": "صح ممكن نكون تعودنا على الدم والبتر وشكل الناس وهي محروقة وميتة، وبكاء الأمهات والآباء، وفجع الصغار، وأجواء الجنازة". لكن الاعتياد، كما يصفه، لا يعني أن الأثر اختفى.

"كل هذا مطلوب مني يوميًا وعلى مدار الساعة أتعامل معه بحرفية وأطلع تقريرًا خبريًا ممتازًا للعالم منشان يشوف شو عملت فينا إسرائيل على مدار ثلاث سنوات من الحرب".

في كل مرة يتوقف فيها الفيديو أو يعود إلى بدايته، تعود معه الوجوه نفسها والصرخات نفسها والتفاصيل نفسها. لهذا يرفض النظر إلى الصحفي باعتباره مجرد ناقل محايد للأحداث.

يقول: "الصحفي مش مجرد آلة لنقل الصورة. المراسل والمصور والمحرر — جواتهم مشاعر وقلب بيتعب ومزاج بيوصل أحياناً لأقصى درجات الاستسلام. بس لازم يكمل".

وإذا كان حسن يواجه هذه الصور عبر شاشة المونتاج، فإن الصحفية فاتن الحميدي تلتقي بها يوميًا عبر الأخبار والشهادات التي تتابعها وتكتب عنها.

تقول الحميدي إن هذا الاحتكاك اليومي يضعها باستمرار أمام "دوامة من المشاعر المتناقضة". في بعض الأحيان لا تستطيع الفصل بين العمل ومشاعرها الشخصية.

تضيف: "في أحيان كثيرة أجد نفسي أكتب خبرًا عن شهيد أو مجزرة وأنا أبكي أثناء العمل". وتستعيد مشهدًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتها؛ اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى في أحد أيام الجمعة. "شعرت يومها كأن الدنيا فاضية، وقلبي بده يطلع من مكانه، وبس دموعي لحالها بتنزل"، تقول الحميدي.

لكن ما يرهقها أكثر أن بعض الأحداث لا تنتهي بمجرد نشر الخبر. تغلق الحاسوب، بينما تظل الصور والأفكار حاضرة.

"قد أبقى طوال اليوم في حالة من الصمت والانشغال الذهني بما شاهدته أو كتبته. لم تعد آثار هذه الضغوط محصورة في نطاق العمل، امتدت لتؤثر على حياتي الاجتماعية وعلاقاتي مع أهلي".

ومع مرور الوقت يظهر تحدٍ آخر أكثر تعقيدًا. "الاعتياد على روتين أخبار الموت والفقد يضعنا أحيانًا أمام تبلد المشاعر. وهاد من وجهة نظري موضوع نفسي متعب"، تقول الحميدي.

ما الذي تفعله الحرب بمن ينقلونها؟

ترى الأخصائية النفسية سمر قويدر أن ما يصفه هؤلاء الصحفيون يتجاوز ضغوط العمل المعتادة، ويقترب مما يُعرف بـ "الصدمة الثانوية"، وهي حالة قد تصيب الأشخاص الذين يتعرضون بصورة متكررة لقصص المعاناة الإنسانية وآثارها النفسية.

وتوضح، في لقاء مع "الترا فلسطين"، أن تراكم هذه الخبرات لفترات طويلة قد يظهر في صورة اضطرابات نوم، أو استنزاف عاطفي، أو شعور دائم بالتوتر واليقظة، حتى خارج أوقات العمل.

غير أن خصوصية الحالة في غزة تجعل الأمر أكثر تعقيدًا. فالصحفي هنا لا ينقل المأساة من مسافة آمنة؛ بل يعيشها في الوقت نفسه على المستوى الشخصي والعائلي. قد يغطّي قصفًا بينما عائلته نازحة، أو يوثّق فقدان الآخرين فيما يحمل هو أيضًا خساراته الخاصة.

أما ما يصفه بعض الصحفيين بـ"الاعتياد"، فلا تراه قويدر دليلًا على غياب التأثر بقدر ما هو آلية دفاع مؤقتة يلجأ إليها العقل لمواصلة العمل وسط الاستنزاف المستمر.

وتحذر من أن تجاهل هذه الضغوط لا يؤدي إلى اختفائها، بل قد يجعل آثارها أكثر عمقًا مع مرور الوقت.

في نهاية المطاف، لا يخرج الصحفي من كل قصة كما دخلها، فكل حكاية يرويها تترك فيه أثرًا، ويبقى معه منها شيءٌ ما على الدوام؛ وجه أم فقدت أبناءها، شهادة أسير خرج من السجن مثقلًا بالغياب، صرخة ناجٍ من تحت الركام، أو صورة عالقة في الذاكرة لم تنجح كل الأخبار اللاحقة في محوها.

وكما تقول فاتن الحميدي: "الفكر شغال حتى في غير وقت العمل".

الكلمات المفتاحية

نهج الاسترضاء.. تصاعد التعيينات والترقيات العليا في السلطة الفلسطينية

نهج الاسترضاء.. تصاعد التعيينات والترقيات العليا في السلطة الفلسطينية

ائتلاف أمان لـ"الترا فلسطين": 179 حركة وظيفية في الفئات العليا خلال 2025 وسط أزمة مالية متفاقمة.. وبعض الترقيات والتعيينات استرضائية لا تخدم المصلحة العامة.


فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة


المرور عبر معبر كرم أبو سالم

رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم

إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.


لماذا فُصلت الانتخابات التشريعية عن الرئاسية؟

لماذا فُصلت الانتخابات التشريعية عن الرئاسية؟

يرى محللون وخبراء أن من غير الممكن قراءة قرار الفصل بين الاستحقاقين التشريعي والرئاسي بمعزل عن الحسابات السياسية للقيادة الفلسطينية

جيش الاحتلال يعتقل شادي جمعة بعدما قضى 19 عامًا في سجون السلطة
أخبار

بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة

الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.

انتهاك جديد بحق الأسرى المنوي الإفراج عنهم في صفقة التبادل المقبلة
أخبار

تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة

برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.


أحزاب ألمانية تطالب إسرائيل بوقف تشريع عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين
أخبار

"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح

وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.

استطلاع "معاريف": تراجع الائتلاف الحاكم وصعود معسكر المعارضة إلى 61 مقعدًا
أخبار

استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62

بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح