الفائزة بجائزة اليونسكو لـ"الترا فلسطين": نخوض معركة تحت الركام لإنقاذ ذاكرة غزة
14 سبتمبر 2026
في وقت تتعرض فيه غزة لتدمير واسع طال ذاكرة الأرض من معالم ومكتبات ومخطوطات ووثائق، وجدت حنين العمصي نفسها أمام مهمة معقدة ومحفوفة بالمخاطر، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث والتاريخ، وحمايتهما من الاندثار.
المهندسة العمصي، المديرة التنفيذية لمؤسسة "عيون على التراث"، حازت بالاشتراك مع المؤرخ الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم على جائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم لعام 2026، في إنجاز غير مسبوق لفلسطين، تقديرًا لجهودهما في حماية التراث الوثائقي، ولا سيما خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.
المهندسة حنين العمصي: بدأت عمليات الإنقاذ بفريق من 11 عاملًا ومتخصصًا، وكنت المرأة الوحيدة في الموقع، القريب جدًا من قوات الاحتلال في مناطق الخط الأصفر شرق مدينة غزة.
وبحسب خطاب اليونسكو، أشادت لجنة التحكيم بجهودهما في توثيق ورقمنة وحفظ التراث الوثائقي في غزة، بما شمل رقمنة أكثر من 228 مخطوطًا نادرًا و8 آلاف كتاب، وحفظ 25 ألف صفحة من تراث مخطوطات غزة، إلى جانب تأسيس أول مختبر متخصص لترميم المخطوطات في قطاع غزة، ووضع بروتوكولات للحفظ في حالات الطوارئ.
"الترا فلسطين" حاور العمصي حول ما تعنيه هذه الجائزة لها ولفريقها، وتجربة العمل في مناطق الخطر، والتحديات التي تواجه حماية ما تبقى من ذاكرة غزة.
ماذا تعني لك جائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم، خصوصًا أنها المرة الأولى التي تحصل فيها فلسطين على هذه الجائزة؟
هي تكريم كبير لمسيرة طويلة من العمل في مجال التراث الوثائقي برفقة أستاذي المؤرخ أبو هاشم، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. هذه الجائزة لا تخصني والدكتور أبو هاشم وحدنا، وإنما تعكس قيمة الجهود التي بذلها فريق المتطوعين والمتخصصين في مجال حفظ التراث، وحماية الذاكرة التاريخية والثقافية للمجتمع.

لجنة التحكيم أشادت تحديدًا بجهودكما في إنقاذ ورقمنة وحفظ التراث الوثائقي، ما الذي جعلكما تواصلان هذا العمل رغم الظروف الصعبة؟
لأننا ندرك أن خسارة أي مخطوط أو وثيقة أو صورة قديمة تعني خسارة جزء من تاريخ غزة لا يمكن تعويضه، وخلال الحرب أصبح الوقت عاملًا حاسمًا، وكل يوم يمر كانت هناك وثائق جديدة مهددة بالضياع والاندثار بسبب القصف وتدمير المباني والمعالم.
لم يكن أمامنا خيار الانتظار حتى تتحسن الظروف، لأن بعض المجموعات الوثائقية كانت موجودة في مناطق معرضة للخطر، ولذلك تحركنا بما يتوفر لدينا من إمكانات متواضعة ومحدودة جدًا.
كيف خضتم عمليات إنقاذ التراث الوثائقي ميدانيًا، وسط القصف والدمار؟
كانت مختلفة تمامًا عن أي عمل سابق، فالحرب فرضت ظروفًا معقدة وخطرة للغاية. بدأت عمليات الإنقاذ بفريق من 11 عاملًا ومتخصصًا، وكنت المرأة الوحيدة في الموقع، القريب جدًا من قوات الاحتلال في مناطق الخط الأصفر شرق مدينة غزة.

لم تكن لدينا معدات ثقيلة أو أدوات ترميم متخصصة، واضطررنا في كثير من الأحيان إلى العمل بأيدينا وتحت القصف. كنا ندخل إلى أماكن مدمرة ونحاول الوصول إلى الوثائق وسط الركام، وأحيانًا كان علينا التعامل مع كل قطعة باعتبارها ربما تكون الأخيرة التي نستطيع إنقاذها.
ما الذي يعنيه إنقاذ وثيقة أو مخطوط من تحت الركام؟
قد يبدو الأمر لبعض الناس مخاطرة غير محسوبة ولا تستحق، لكنه بالنسبة لنا لا يقل أهمية عن إنقاذ روح بشرية، ولربما كانت الشهادة الوحيدة على مرحلة تاريخية كاملة. لذلك، فإن إنقاذ كل كتاب أو وثيقة أو مخطوط أو صورة يمثل إنجازًا كبيرًا، فنحن لا ننقذ الورق فقط، بل نحاول إنقاذ المعلومات والقصص والذاكرة الموجودة داخله.

وفي ظل حجم الدمار الهائل الذي أحدثته آلة الحرب والتدمير الإسرائيلية، أصبحت عملية الإنقاذ أشبه بسباق مع الزمن. وينبغي الإشارة هنا إلى أن المدينة القديمة في غزة فقدت معالم ومواقع تاريخية مهمة، من مساجد ومقابر وزوايا وكنائس ومكتبات وبيوت قديمة ذات طابع تاريخي، إلى جانب منشآت ومعالم مرتبطة بالحياة اليومية القديمة.
والمؤلم أيضًا أن هناك جيلًا من الشباب والأطفال لم تتح له فرصة التعرف على كثير من هذه الأماكن قبل تدميرها. وعندما يسأل شاب اليوم: "هل كان هذا المكان موجودًا فعلًا؟"، ندرك حجم الفجوة التي يمكن أن يتركها فقدان المكان والذاكرة معًا.
ما أبرز الصعوبات التي تواجهونها في حماية التراث الوثائقي في ظل حرب مدمرة؟
كل شيء يمثل تحديًا، ونواجه صعوبات وتعقيدات في الوصول إلى المناطق التي توجد فيها بعض الأرشيفات، ونقصًا في أدوات الترميم، ونقصًا في المواد الأساسية التي نحتاج إليها، ومنها الكحول الطبي المستخدم في عمليات الترميم والحفظ.

كما أن غياب المعدات الثقيلة يجعل إخراج المواد الوثائقية من بعض المباني المدمرة أمرًا شديد الصعوبة، فضلًا عن أن جزءًا من التراث موجود في مناطق يصعب الوصول إليها أو ما زالت معرضة للخطر.
هل تحظى المؤسسات الثقافية والمعنية بحماية التراث في غزة بالدعم الكافي؟
للأسف، الدعم المؤسسي المخصص للثقافة وحماية التراث ما زال أقل بكثير من حجم الحاجة. في ظروف الحرب، تكون الأولويات بطبيعة الحال مرتبطة بالحياة الآدمية والإغاثة الصحية، لكن حماية الذاكرة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب، لأن بعض الأشياء إذا فقدناها الآن فلن نستطيع استعادتها لاحقًا.
نحن بحاجة إلى دعم دولي متخصص ومستمر، ليس فقط لإنقاذ الموجود حاليًا، وإنما لبناء قدرة محلية على الترميم والحفظ والرقمنة والاستجابة السريعة للكوارث.
ما خسائركم كمؤسسة معنية بإنقاذ التراث وحمايته؟
لدينا أرشيف مؤسسة "عيون على التراث"، لا يزال عالقًا بين طبقات برج يوجد به مقر المؤسسة غرب مدينة غزة، وتعرض للاستهداف والقصف خلال الحرب، ولحق به دمار كبير. وبالتالي، فإن بقاء المواد فيه يجعلها عرضة للخطر في حال وقوع أي تصعيد أو استهداف جديد أو انهيار كلي للبرج.
ما الذي يمكن أن تفتحه جائزة اليونسكو أمام جهود حماية التراث والذاكرة الفلسطينية، خصوصًا في غزة؟
أتمنى أن تكون الجائزة بداية لتعاون أكبر، وليس مجرد لحظة احتفاء، ويمكن لها أن تفتح المجال أمام منح دراسية وتبادل خبرات ومشاريع ثقافية مشتركة، وأن تسهم في تطوير سياسات فلسطينية أكثر قوة في مجال حماية التراث الوثائقي.
كما أتمنى أن يصبح هناك استثمار أكبر في تدريب الشباب الفلسطيني على الترميم والرقمنة والحفظ، لأن بناء الخبرات المحلية هو الضمان الحقيقي لاستمرار العمل.
هل لا تزال هناك إمكانية لمواصلة إنقاذ التراث في غزة؟
نعم، وسنواصل ما نستطيع. صحيح أن المهمة أصعب بكثير، لكن حجم الخطر يجعلها أكثر إلحاحًا. ما زال هناك الكثير مما يمكن إنقاذه، من الأرشيفات الشخصية إلى أرشيف المؤسسات والمخطوطات والصور والوثائق، ونحن بحاجة إلى الاستمرار في التوثيق والإنقاذ والتوعية، وإلى إشراك المجتمع في هذه المهمة، لأن التراث ليس ملكًا لمؤسسة أو شخص، وإنما هو ملك للأجيال القادمة.

ما رسالتك إلى المؤسسات الدولية المعنية بالتراث؟
رسالتي أن غزة بحاجة إلى حماية ذاكرتها الآن وقبل فوات الأوان، فهناك مواد يمكن إنقاذها اليوم، وإذا تأخرنا فقد تختفي إلى الأبد. نحن مستعدون للعمل، ولدينا الخبرة والإرادة، لكننا نحتاج إلى أدوات وإمكانات، وحماية ودعم دولي حقيقيين.
الكلمات المفتاحية
حوار | مهند مصطفى: نتنياهو حوّل الشعبوية من خطاب إلى أيديولوجيا
مهند مصطفى: لم يعد الليكود حزبًا تاريخيًا كما كان في الماضي، أي حزب مؤسسات، إذ بات نتنياهو هو من يحدد خطاب الليكود وتوجهاته السياسية والأيديولوجية
حوار | عام على وقف إطلاق النار.. "كيف حال" الدفاع المدني في غزة؟
أكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، في حديث خاص لـ"الترا فلسطين"، أن أي تحسن لم يطرأ على قدرات الجهاز وإمكاناته
جمال زحالقة لـ"الترا فلسطين": قرار قضاة العليا بخصوص أبو شحادة جاء انسجامًا مع الأجواء الفاشية
قال جمال زحالقة إن قرار قضاة المحكمة العليا هو محاولة لإسكات الصوت الذي يتصدى للرواية الإسرائيلية
مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية
عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"
تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية
حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها
مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة