أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.60
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.03
سعر الصرف 5.08
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.17
سعر الصرف 4.20
القاهرة - غزة.. طريق الآلام الجديد

القاهرة - غزة.. طريق الآلام الجديد

4711 مشاهدة
صورة أرشيفية من الصالة الفلسطينية في معبر رفح - gettyimages

"هذا الجواز صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية وفقًا لاتفاقية أوسلو الموقعة في واشنطن في 13 سبتمبر 1993. يرجى من ذوي الشأن السماح لحامل هذا الجواز المرور بدون أي تأخير أو إعاقة وعند الضرورة حمايته وتقديم المساعدة له". هذه السطور هي أول ما تقع عليه عينك عند استلام جواز سفر السلطة الفلسطينية، وهي - كما يقول مُسافرون من قطاع غزة - التطبيق الفعلي لعبارة "كلام لا يسوى الحبر الذي كُتب به"، وذلك نتيجة للمعاناة الكبيرة التي وجدوها عند السفر لمعظم بقاع العالم، وتحديدًا في معبر رفح الذي تبدأ رحلاتهم منه، وتنتهي من خلاله.

ظل معبر رفح عنوانًا لمعاناة المسافر منذ كان تحت السيطرة الإسرائيلية عند تأسيسه عام 1982، مرورًا بسيطرة السلطة عليه بعد إعادة انتشار الاحتلال حول قطاع غزة عام 2005، وصولًا إلى الانقسام وسيطرة حركة حماس عليه عام 2007، ثم عودته للسلطة مرة أخرى نهاية 2017، كإحدى نتائج ملف المصالحة الطويل، لكن ربما الفترة الحالية هي الأسوأ والأكثر صعوبة في تنقل المسافرين عليه، وهذا ما وثقناه في حالات تنقلت عبر المعبر في الشهور الأخيرة.

الترا فلسطين يوثق شهادات عن عذابات المُسافرين من غزة.. ازدحام، نظافة معدومة، سرقات وإهانات يرتكبها موظفون مصريون

الوضع الحالي للسفر عبر معبر رفح، تشرحه إيمان عويمر، خلال رحلة سفرها التي بدأت من غزة في أول أيام رمضان وسط أيار/مايو الماضي، وكانت أولى فصولها، الانتظار الطويل في الصالة المصرية من المعبر، وسط أوضاع تصفها بـ "غير الإنسانية"، فتقول: "كنا أشبه بالمحتجزين داخل صالة مزدحمة لا تتوفر فيها أي خدمات، لا كهرباء لا تكييف ولا مراوح، حتى النظافة في الحمامات معدومة وأنت مضطر لدفع الأموال مقابل أن تكون دورة المياه تصلح للاستخدام الحذر".

اقرأ/ي أيضًا: سماسرة هجرة غير شرعية ينشطون مجددًا في غزة

وتقول إيمان (25 عامًا) لـ الترا فلسطين، إن أول انطباعاتها عن رجال الأمن كان حين استفسرت إن كان المسافرون سيتمكنون من المرور خلال اليوم، فجاء رد أحد الضباط: "لا أنتم ستتسحرون هنا، وكلمة أخرى ستفطرون أيضًا".

18 ساعة كانت المدة التي انتظرتها إيمان في الصالة المصرية لمعبر رفح من عصر اليوم الأول من رمضان 17 أيار حتى صباح اليوم التالي، ثم استقلت الحافلة بعد ختم جوازات السفر حتى أول حاجز أمني، حيث انتظرت وصول وحدات الجيش المصري - المكلفة بتأمين الحافلات - منذ الساعة 8:00 صباحًا حتى منتصف النهار.

بالنسبة لإيمان، فإن طريق الخروج من غزة، على صعوبته وطوله مسراه المقدر بـ 702,72 كلم، والذي استغرق ثلاثة أيام كاملة للوصول إلى القاهرة، إلا إنه يُعتبر نزهة بالنسبة لخوض نفس الطريق في الاتجاه المُعاكس خلال العودة، إذ تصف طريق القاهرة - غزة بــ"بروفة لجهنم".

بدأت رحلة العودة من بداية يوم الأحد الـ 15 تموز/يوليو، مع ساعات الفجر، إذ غادرت القاهرة تجاه قنطرة الفردان لعبور قناة السويس التي وصلتها في السابعة صباحًا، وانتظرت عليها حتى الخامسة من مساء اليوم ذاته، حينها أخبروها بالإغلاق وتأجيل العبور حتى اليوم التالي.

وتكمل إيمان قصتها، "حجزنا دورنا في الميكروباص وتركنا حقائبنا داخله، وتوجهنا للمبيت في مسجد قريب، وفي اليوم التالي كان العبور أخيرًا، لكن الراحة لم تَدُم طويلاً، فمع أول نقطة تفتيش - وتسمى "بير العبد" - تم إنزال كل الحقائب وتفتيشها يدويًا بشكل همجي، وبعد ذلك بـ 10 دقائق فقط تم تفتيشنا مرة أخرى بنفس الآلية ونفس الطريقة غير المحتملة، لكن هذه المرة مع تدقيق كبير وتفتيش جسدي".

المُسافرون من قطاع غزة يتعرضون لتفتيش مهين أكثر من مرة يستغرق ساعات طويلة على نقاط عسكرية مصرية

يصل الطريق بعد ذلك إلى منطقة سيناء، ويوجد بها حاجزان رئيسيان هما الميدان، والريسة. تقول إيمان إن حاجز الميدان كان "هيّنًا"، أما الريسة "فحدث ولا حرج من تفتيش سيء كالمعتاد، إلى انتظار طويل ومعاملة سيئة، وينتهي الطريق بالبوابة المصرية من معبر رفح".

اقرأ/ي أيضًا: من غزة إلى بلجيكا.. رحلة ينقصها الموت

إيمان وصلت المعبر رفقة أهلها الساعة السابعة مساءً، وهناك أخبروها أنه تم إغلاق المعبر لأن النظام معطل ويتم إصلاحه حاليًا، فاضطرت للمبيت "في ليلة مأساوية" كما تصفها، إذ نامت مع المسافرين على الأرض ومقاعد حديدية، "كنا وجبة سهلة للناموس والحشرات" وفق قولها.

في صباح اليوم التالي، أبلغت السلطات المصرية، المسافرين مرة أخرى أن النظام معطل، وهناك احتمال للبقاء يومًا آخر، حينها - تقول إيمان - ثار الناس واجتمعوا عند أحد الضباط محتجين، "معنا أطفال ومرضى، والمكان سيء وغير محتمل". فرد الضابط، "اللي مش عاجبه يأخذ باسبوره ويرجع العريش".

رحلة إيمان مع عائلتها لعلاج والدتها انتهت مع العبور من الصالة المصرية الساعة 9 ونص مساءً، وتؤكد أنها كانت سيئة للغاية في مجملها، "إلا أنه يوجد العديد من رجال الأمن المصريين المحترمين"، مبينة أن هؤلاء كانوا يعتذرون دائمًا عن سوء الأوضاع الإنسانية والتأخير بالقول "هذه أوامر معلش سامحونا"، أو بـ"إجراءات أمنية بسبب الجماعات المسلحة".

ضباط مصريون اعتذروا لمسافرين من غزة عن سوء الأوضاع الإنسانية وسوء المعاملة قائلين "هذه أوامر سامحونا"

تجربة محمود الشيخ خليل - الذي يقيم خارج فلسطين - لم تختلف كثيرًا، فيقول إنه استشعر المعاناة التي سيخوضها منذ حطّ في مطار القاهرة، مبينًا، "موظفو المطار أكثر لباقة من غيرهم، فهم لا يطلبون منك أي شيء بشكل مباشر، إنما يتعمدون التأخير في التفتيش ووضع العراقيل حتى تبادر أنت وتضع في يده شيئًا ما".

ويُبين الشيخ خليل (35 عامًا) أنه رأى "كافة أوجه المعاناة" في الطريق إلى المطار الذي احتاج حتى يقطعه - خلال سفره في شهر تموز/يوليو الماضي - خمسة أيام رفقة عائلته، اضطُّر فيها للمبيت في استراحة ومسجد وسيارة، وكان عليه التنازل عن العديد من الهدايا التي جلبها معه لصالح أفراد من الأمن والجيش على الحواجز".

"أخذوا مني 3 زجاجات عطر، وولاعات سجائر، وبوير بانك للهاتف، وكنت محظوظًا أنهم لم يستحوذوا على السجائر كلها أيضًا، إنما فتحوا الدستتين المسموح بهما للمسافر وأخذوا من كل واحدة علبة" يقول الشيخ خليل لـ الترا فلسطين، مبينًا أن أكثر التصرفات إزعاجًا بالنسبة له لم تكن المصادرة، إنما "التفتيش الهمجي بالكلاب البوليسية لملابسنا وحقائبنا، وكان على زوجتي وأطفالي أن يشهدوا هذا كله".

يُفتش الجنود المصريون حقائب الغزيين، ويستولون على ما بها من هدايا كشرط لمواصلة رحلاتهم

و"المضحك المبكي" بالنسبة للشيخ خليل، أنه خلال المرور بالعريش وبين البيوت المهجورة، كانت آلية الجنود لإخبار سيارات المسافرين التوقف لسبب ما، هي إطلاق عيار ناري في الهواء. يقول: "ابني عندما سمع الصوت سألني، هذا الصوت يعني Race start؟، ظنًا منه أننا في ألعاب القوى".

اقرأ/ي أيضًا: ثالوث التدمير لم يبق رجال أعمال في غزة

أما هدية إبراهيم، فتقول إن تجربتها كانت سيئة مع الوقت الطويل، إذ استغرقت رحلة الذهاب إلى غزة خمسة أيام كاملة، منها يوم عطلة رسمية بمناسبة (ثورة 23 يوليو)، وتقول إنها اضطرت في اليوم الأول للانتظار على قنطرة الفردان منذ الساعة 8 صباحًا حتى 7 ونص مساءً، ثم لم يتسنَّ لها العبور مع عائلتها.

وتُبين هدية (31 عامًا) أنها عادت للمبيت في منطقة الإسماعلية القريبة، وقامت بغسيل نفس الملابس التي ترتديها، على أمل أن يذكرها رجال الأمن من اليوم السابق ويعجلوا من مرورها، وهذا ما كان. تضيف، "هناك الضباط الجيدون والسيئون، أعتقد كل المشكلة في التعامل، يجب استحضار أسلوب يتناسب مع كل نوع حتى لا تتفاقم مشاكلك أكثر".

وتابعت، "الجنود أنفسهم يعرفون ذلك، ويعرفون أن هناك من زملائهم من يسرق ويصادر بدون حق. مثلاً كنا على أحد الحواجز ويتم تفتيش الحقائب مع عائلة صديقة لنا ترافقنا، وكانت قد تركت مصاغ ذهبي في الحقيبة التي يتم تفتيشها، فطلب منها الجندي حملها في جيبها أو حقيبة يدها وعدم تركها في حقائب السفر خلال التفتيش".

في ضوء العديد من الشهادات التي اخترنا منها ثلاثة فقط، تواصلنا مع إدارة المعبر للحصول على تعقيب حول ما يحدث، فأكد لنا مدير إدارة معبر رفح رشيد البوجي "أن كل ما يحدث سببه الأوضاع الأمنية في سيناء بالدرجة الأولى، وأن هذه الأوضاع هي التي تفرض كل هذه التعقيدات والإجراءات المشددة".

إدارة معبر رفح تُعلل الانتهاكات التي يرتكبها الجنود المصريون بالأوضاع الأمنية السيئة

ويقول البوجي لـ الترا فلسطين: "لا يوجد أي مكان مثالي في الدنيا، والأخطاء والتجاوزات موجودة لكن ذلك لا يعني أنها مقصودة، ونعتقد أن الأخوة المصريين يقومون بكل ما يقدروا عليه لتسهيل سفر الفلسطينيين، لكن الوضع الأمني يفرض أحكامه".

ويضيف أن "القيادة الفلسطينية" تواصلت بالفعل مع الجانب المصري حول الموضوع، "وهناك تطمينات ووعود مصرية بتحسين الوضع الحالي، وتسهيل حركة المسافرين الفلسطينيين عبر الأرضي المصرية" وفق قوله.

ورغم هذه التطمينات، إلا أن أحاديث بدأت تتردد في وسائل الإعلام حول نية مصر إغلاق معبر رفح مجددًا، كوسيلة للضغط على حركة حماس من أجل المضي في ملف المصالحة ووقف مسيرات العودة بالكامل، وذلك بعد أنباء من مصادر فلسطينية عديدة تُفيد بتوقف مفاوضات التهدئة التي ترعاها مصر بين الفصائل في غزة، والاحتلال الإسرائيلي، ما يعني عودة المُحاصَرين في غزة إلى المربع الأول الذي ظلوا فيه حتى الأيام الأخيرة قبل حلول شهر رمضان، وإعادة فتح المعبر.


اقرأ/ي أيضًا:

سرقات في شوارع غزة..

بلديات القطاع تُلوث بحر غزة.. ما نتائج ذلك؟

مغتربات في غزة.. لا شفاء من البعد