لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين. لم يعد الذهاب إلى المستشفى يعني بالضرورة العلاج، بل الدخول في سلسلة احتمالات تبدأ بتشخيص محدود، وتمرّ بنقص الأدوات، وقد تنتهي بقرار طبي يُتخذ تحت ضغط يفوق قدرة أي نظام صحي على الاحتمال.
يتتبع هذا التحقيق تحوّل القطاع الصحي في غزة من منظومة هشّة قابلة للاستمرار قبل الحرب، إلى بنية منهارة تعمل خارج المعايير الطبية المعروفة منذ أكتوبر 2023، ويرصد كيف أعادت الحرب تعريف مفهوم الخطأ الطبي، ليس بوصفه خللًا فرديًا، بل نتيجة بنيوية لانهيار شامل طال المكان والإنسان والقانون.
أكثر من 40% من قائمة الأدوية الأساسية كانت تعاني من نقص دائم، فيما شكّلت القيود الإسرائيلية على إدخال المعدات الطبية، ومنح تصاريح السفر للعلاج خارج القطاع، عامل ضغط إضافيًا على منظومة تعالج الحالات المعقدة بأدوات غير كافية، أو تؤجلها قسرًا.
منظومة قبل الحرب: هشاشة قابلة للعمل
حتى ما قبل الحرب، كان النظام الصحي في قطاع غزة يعمل عند حدوده الدنيا. فالحصار الإسرائيلي المفروض منذ عام 2007 فرض واقعًا من النقص المزمن في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعطّلًا متكررًا للأجهزة الحيوية، وقدرة استيعابية لا تتناسب مع عدد السكان.
بحسب بيانات رسمية فلسطينية، لم يتجاوز عدد الأسرّة الطبية في القطاع 2612 سريرًا، بمعدل 1.2 سرير لكل ألف نسمة، وهو أقل بكثير من المعدلات المقبولة عالميًا. كما كانت وحدات العناية المركزة محدودة، وأجهزة التنفس الاصطناعي شحيحة، في قطاع يقطنه أكثر من مليوني إنسان.
أكثر من 40% من قائمة الأدوية الأساسية كانت تعاني من نقص دائم، فيما شكّلت القيود الإسرائيلية على إدخال المعدات الطبية، ومنح تصاريح السفر للعلاج خارج القطاع، عامل ضغط إضافيًا على منظومة تعالج الحالات المعقدة بأدوات غير كافية، أو تؤجلها قسرًا.
الأخطاء الطبية قبل الحرب: فراغ تشريعي وضغط مهني
ضمن هذا الواقع، لم تكن الأخطاء الطبية غائبة، لكنها كانت تُفهم في سياق محدود الإمكانيات. حاولت وزارة الصحة في غزة تنظيم التعامل مع الشكاوى عبر لجان تحقيق فنية وقانونية، واستقبال شكاوى المواطنين، لكن غياب قانون فلسطيني شامل للمساءلة الطبية ترك الملف مفتوحًا على الاجتهاد.
أقرّ مسؤولون سابقون في الوزارة بوجود إشكالية مستمرة في الفصل بين الخطأ الناتج عن تقصير مهني، والمضاعفات الطبية الطبيعية، خاصة في ظل نقص الأدلة وضعف أدوات التوثيق. ووثّقت تقارير حقوقية محلية عشرات الشكاوى المتعلقة بسوء تشخيص أو تأخر علاج، كثير منها لم يُحسم، لا لغياب الضرر، بل لغياب الإطار القانوني الناظم.
الحرب: من الضغط إلى الانهيار
مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، انتقل القطاع الصحي من حالة الضغط المزمن إلى الانهيار شبه الكامل. طال القصف الإسرائيلي المستشفيات ومحيطها، ودُمّرت أو تضررت غالبية المرافق الصحية، فيما شُلّت قدرة الاستجابة الطارئة بفعل نقص الوقود وانقطاع الكهرباء.
وفق معطيات وزارة الصحة ومنظمات دولية، خرج أكثر من 80% من المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، ودُمّرت عشرات سيارات الإسعاف، وتحوّلت غرف الطوارئ إلى مساحات إسعاف أولي تعمل دون حدٍّ آمن من التعقيم أو التشخيص.
الأكثر خطورة كان الاستهداف المباشر للكوادر الطبية، فقد قُتل أكثر من 1580 من العاملين في القطاع الصحي حتى منتصف عام 2025، وأُصيب واعتُقل المئات، ما أحدث فجوة مهنية عميقة، خصوصًا في التخصصات الدقيقة، وأفقد المنظومة قدرتها على العمل التراكمي.
استهداف المنظومة الصحية: الانهيار كسياسة موثقة
لا يمكن فهم انهيار القطاع الصحي في غزة بوصفه نتيجة جانبية للحرب فقط. فوفق بيانات موثقة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تعرضت المرافق الصحية في غزة لمئات الهجمات المباشرة منذ أكتوبر 2023، شملت مستشفيات وعيادات ومخازن أدوية وسيارات إسعاف، في نمط متكرر لا يمكن عزله عن سياق الاستهداف المنهجي.
أشارت تقارير أممية إلى أن هذه الهجمات ترافقت مع حصار طبي شامل، شمل منع إدخال الوقود والمستلزمات، وقطع الكهرباء والمياه، ما أدى إلى شلّ قدرة المستشفيات على العمل حتى في الحالات التي لم تُقصف مباشرة. في هذا السياق، يصبح انهيار الرعاية الصحية نتيجة متوقعة لسياسة تُفرغ الحق في الصحة من مضمونه العملي.
حين ينهار التشخيص: الخطأ الطبي كأثر بنيوي
في الظروف الطبيعية، يُعرَّف الخطأ الطبي ضمن مسار واضح يبدأ بالتشخيص، ثم الفحص، فالعلاج والمتابعة. لكن هذا المسار انهار في غزة. نقص أجهزة التصوير، وتعطّل المختبرات، وغياب الأدوية الأساسية، حوّل التشخيص إلى تقدير احتمالي، والعلاج إلى قرار إسعافي، والمتابعة إلى استثناء نادر.
ووفق تقديرات مشتركة لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في غزة حتى منتصف عام 2025، فإن أقل من 20% من المرافق الصحية تعمل بقدرة جزئية، بينما لا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته الطبية والتشخيصية. كما أن أكثر من 70% من الخدمات التشخيصية المتقدمة، بما يشمل التصوير بالرنين المغناطيسي، والأشعة المقطعية، والتحاليل المخبرية المتخصصة، باتت غير متاحة أو تعمل بشكل متقطع.
هذا الواقع يعني عمليًا أن غالبية المرضى يُعالجون دون تشخيص مكتمل، في نظام صحي يعمل على أساس الاحتمال لا اليقين، وهو ما يفسر الارتفاع في الحالات التي تتأخر فيها التدخلات الطبية الحاسمة.
شهادات من الداخل: وقائع بلا اتهام
تروي مرام الأستاذ أنها نقلت ابنتها، البالغة من العمر 14 عامًا، إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح بعد معاناة من آلام حادة في البطن. خلال يومين، شُخّصت الحالة على أنها "يرقان"، في ظل غياب الفحوصات اللازمة. ومع تدهور الحالة، اضطرت الأسرة إلى مراجعة مستشفى خاص، حيث كشفت فحوصات متقدمة عن انفجار في الزائدة الدودية، استدعى تدخلًا جراحيًا عاجلًا.
في شهادة أخرى، يروي أحمد مزيد أن ابنه نُقل إلى المستشفى بعد سقوطه من علو، وشُخّصت إصابته على أنها بسيطة لا تحتاج إلى تجبير. بعد ساعات من الألم والتورم، تبيّن وجود كسر يتطلب جبيرة كاملة.
أما إيمان عودة، فتقول إن طفلها عانى من قيء وإسهال لعدة أيام، وشُخّصت حالته كنزلة معوية مرتبطة بظروف النزوح، قبل أن تُظهر تحاليل أُجريت خارج المستشفى إصابته بالتهاب الكبد الوبائي.
ولا تُقدَّم هذه الشهادات بوصفها إدانة لأطباء، بل كوقائع تعكس انهيار منظومة تشخيصية كاملة.
اختبار الرواية: هل كان يمكن تفادي بعض الأخطاء؟
رغم شمولية الانهيار، تطرح منظمات طبية دولية سؤالًا إشكاليًا: هل كان بالإمكان تقليص حجم الضرر؟ تشير تقارير صادرة عن منظمة أطباء بلا حدود إلى وجود تفاوت نسبي في مستوى الخدمات بين مناطق القطاع، مرتبط بدرجة التدمير وإمكانية الوصول إلى الوقود والمياه.
غير أن هذه الفروقات بقيت هامشية، ولم ترقَ إلى مستوى نموذج بديل قابل للتعميم. فحتى المرافق التي وُصفت بأنها "الأقل تضررًا" كانت تعمل دون شروط السلامة الطبية الأساسية، ما يعزز الاستنتاج بأن الأخطاء الطبية لم تكن نتيجة ضعف إدارة محلية، بل انعكاسًا لبيئة عمل قسرية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الممارسة الآمنة.
توصيف رسمي وأممي: نظام يعمل خارج معاييره
يؤكد خليل الدقران، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، أن النظام الصحي "لم يعد يعمل وفق المعايير الطبية المعروفة"، بل ضمن ما يصفه بـ"إدارة الكارثة"، حيث يُجبر الأطباء على اتخاذ قرارات مصيرية دون توفر أدوات التشخيص والعلاج اللازمة.
يتقاطع هذا التوصيف مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية، التي أعلنت أن النظام الصحي في غزة "انهار فعليًا"، بعد توثيق مئات الهجمات على مرافق طبية. كما حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن المستشفيات العاملة تعمل دون الحد الأدنى الآمن، في ظل نقص الوقود والمياه النظيفة.
أكدت الأونروا بدورها أن انهيار الخدمات الصحية انعكس بشكل مباشر على اللاجئين، خصوصًا الأطفال والحوامل ومرضى الأمراض المزمنة، محذّرة من وفيات كان يمكن تفاديها لو توفرت الرعاية الأساسية.
القانون الدولي: من توصيف الجريمة إلى مسار المساءلة
وفق اتفاقيات جنيف الرابعة، يُعد استهداف المستشفيات والكوادر الطبية جريمة حرب صريحة. أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن النظام الصحي في غزة وصل إلى "نقطة اللاعودة"، فيما وصفت مقررة الأمم المتحدة الخاصة بالحق في الصحة ما يجري بأنه "حرب على الطب".
وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن توثيق الانتهاكات الصحية في غزة يجب أن يُعامل كملف قانوني مستقل، يشمل أرشفة الهجمات على المرافق الطبية، وتوثيق الوفيات الناتجة عن الحرمان من العلاج، وليس فقط عن القصف المباشر. كما تدعو هذه المنظمات إلى إنشاء آلية دولية لضمان حماية القطاع الصحي في مناطق النزاع، وإدخال الإمدادات دون قيود، باعتبار ذلك التزامًا قانونيًا غير خاضع للتفاوض.
المرضى بلا منظومة
ما يعيشه القطاع الصحي في غزة ليس أزمة عابرة، بل تفكيكًا ممنهجًا لحق أساسي من حقوق الإنسان. الأخطاء الطبية هنا ليست حوادث فردية، بل أعراض لانهيار منظومة حُرمت من الحماية وسُحقت بالحرب.
إعادة بناء القطاع الصحي لا تبدأ بإعادة إعمار المباني وحدها، بل بوقف الاستهداف، وضمان المساءلة، وإعادة تعريف الصحة كحق غير قابل للتفاوض. ما يحدث في غزة اليوم ليس فشلًا طبيًا، بل إخفاقًا دوليًا في حماية الحياة.









