القوات المكانية في الضفة الغربية: من وحدات حراسة محلية إلى جيش المستوطنين
26 يوليو 2025
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، يشهد المشهد الأمني والعسكري في الضفة الغربية تحوّلًا نوعيًا وخطيرًا، يتمثل في تعاظم دور ما تُعرف بـ"القوات المكانية" (הגנה מרחבית هجَنَة همرخَفيت)، وهي تشكيلات عسكرية من المستوطنين يُزعم أنها مكلفة بحماية المستوطنات، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى ذراع هجومي فعّال ضمن بنية الجيش الإسرائيلي، يمارس وفقًا لتقارير صحيفة "هآرتس" العنف ضد الفلسطينيين، ويوسّع السيطرة الميدانية في عمق الضفة.
هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مسار طويل من التدرج في التسليح والتدريب والإسناد العسكري، حتى بات من المشروع اليوم القول إن الضفة الغربية لم تعد فقط ساحة احتكاك بين الجيش والفلسطينيين، بل صارت أيضًا ميدانًا لجيش موازٍ يتكون من مستوطنين مسلحين يعملون بتنسيق رسمي كامل مع الجيش.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تعزيز لحماية المستوطنات، بل مأسسة لبنية استعمارية مسلحة، تقوم على دمج الجيش بالمستوطنين، وتحويل كل مستوطنة إلى ثكنة هجومية
- الجذور: من دفاع مدني إلى بُنية منظمة
تعود جذور "القوات المكانية" إلى سنوات السبعينات والثمانينات، حين بدأ جيش الاحتلال بتشكيل وحدات "الدفاع المدني" داخل المستوطنات، هدفها المعلن حماية المستوطنين من عمليات فلسطينية محتملة في محيط المستوطنات. كانت تلك الوحدات محدودة التسليح وعدد أفرادها لا يتجاوز العشرات في كل مستوطنة، وكان يُنظر إليها بوصفها تشكيلًا شبه مدني.
لكن مع الانتفاضة الثانية في مطلع الألفية، بدأ هذا التصور يتغير، حيث أدخل الجيش الإسرائيلي تحسينات كبيرة على تدريب هذه القوات، ومنحها أسلحة أوتوماتيكية وأجهزة اتصال، ووضعها ضمن منظومة تنسيق دائمة مع قيادة الألوية العسكرية في الضفة الغربية. ومع ظهور ما يسمى "الحرس المدني" بعد عمليات طعن وإطلاق نار متفرقة في الأعوام 2015–2020، صارت هذه الوحدات تتصرف باعتبارها خط الدفاع الأول عن المشروع الاستيطاني.
- التمدد النوعي بعد 7 أكتوبر: تسليح جماعي وتحول عقائدي
بعد هجمات 7 أكتوبر، أطلق وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، أحد رموز أقصى اليمين، مشروعًا واسعًا لتسليح آلاف المستوطنين. تم توزيع أكثر من 8,000 قطعة سلاح خفيف ومتوسط على ما لا يقل عن 500 "مجموعة حراسة مكانية"، بميزانية أولية فاقت 45 مليون شيكل، ضمن خطة معلنة لتشكيل "حرس مدني قومي".
ومع اتساع القتال في غزة، تصاعد الخطاب الذي يربط بين الأمن في الجنوب و"الحفاظ على الجبهة الداخلية" في الضفة، باعتبارها الخاصرة الشرقية الضعيفة. وهكذا، تحولت القوات المكانية من عنصر ردعي إلى أداة هجوم، خاصة في المناطق المصنفة "ج" والتي تمثل حوالي 60% من الضفة، وتخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
اقرأ/ي: هستيريا السلاح.. سباق تسلح إسرائيلي للمستوطنين
- المعطيات: من وحدات ثانوية إلى منظومة قتالية موازية
تشير تقارير متعددة إسرائيلية ودولية إلى أنّ عدد أفراد القوات المكانية تضاعف خمس مرات منذ بدء الحرب. ووفقًا لمعطيات نشرها موقع "هآرتس" ومراسل الشؤون العسكرية يانيف كوبوفيتش، فإن عدد المجندين في الألوية المكانية ارتفع من نحو 1,000 قبل الحرب إلى أكثر من 5,300 مجند حاليًا، غالبيتهم من سكان المستوطنات أنفسهم.
وقد تم تأسيس ألوية مستقلة لكل منطقة استيطانية، أبرزها:
- لواء "شمشون" في منطقة بنيامين شمالي رام الله.
- لواء "إفرايم" في شمال الضفة الغربية.
- لواء "غوش عتصيون" جنوب بيت لحم.
- ألوية إضافية في الأغوار والخليل وشمالي القدس.
كل هذه التشكيلات تعمل تحت إشراف الجيش، لكنها تخضع عمليًا لأجندة المستوطنين، الذين يقودون العمليات بدوافع أيديولوجية، تستهدف الفلسطينيين بحجج "الردع" أو "التحذير المسبق".
- بنية التواطؤ الرسمي: الدولة تدعم والمستوطنون ينفذون
الخطير في تكوين هذه القوات ليس فقط طبيعتها الأيديولوجية، بل في حقيقة أنّها تعمل ضمن غطاء رسمي كامل. فوزارة الجيش ووزارة الأمن القومي تديران هذا المشروع بتنسيق ميداني مباشر. القواعد العسكرية فتحت أمام تدريبات هؤلاء المستوطنين، وتم دمجهم في منظومة "كودو" (קודו) الخاصة بتنسيق العمليات العسكرية في المناطق المدنية. وتُعقد اجتماعات تنسيق أسبوعية بين قادة الألوية المكانية وقادة الألوية النظامية في الضفة، لتحديد المهام وتوزيع مناطق النشاط.
هذا التواطؤ يُفسّر تصاعد العنف ضد الفلسطينيين، حيث وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية أكثر من 600 حادثة عنف خلال الأشهر التسعة الأخيرة، تورطت بها القوات المكانية مباشرة، سواء عبر إطلاق نار، أو إخلاء قسري، أو قطع طرق، أو منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
- البُعد الاستراتيجي: الجيش الإسرائيلي الثاني؟
يطرح تصاعد نفوذ "القوات المكانية" سؤالًا استراتيجيًا خطيرًا: هل نحن أمام نشوء جيش إسرائيلي موازٍ في الضفة الغربية؟ إن وجود قوات مؤدلجة، مدربة، ومسلحة، تخضع لقيادات محلية تمثل المستوطنين، وتُمنح صلاحيات العمل الميداني، يعني تفكيك مفهوم "وحدة القيادة العسكرية" الذي يفترض أن يكون الجيش هو الوحيد المخوّل باستخدام السلاح.
وبالنظر إلى السياق السياسي الذي يُهيمن عليه اليمين القومي والديني في إسرائيل، فإن تعزيز هذه القوات ليس عرضيًا، بل يأتي ضمن تصور استيطاني أوسع، يعتبر الضفة أرضًا إسرائيلية خالصة، ويهدف إلى إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية عبر فرض الوقائع المسلحة.
- الخلاصة: بنية استعمارية مسلحة ومأسسة العنف
ما نشهده اليوم ليس مجرد تعزيز لحماية المستوطنات، بل مأسسة لبنية استعمارية مسلحة، تقوم على دمج الجيش بالمستوطنين، وتحويل كل مستوطنة إلى ثكنة هجومية. إن "القوات المكانية" لم تعد وحدات دفاع محلي، بل باتت أحد أبرز أذرع المشروع الاستيطاني الذي يستخدم السلاح لتكريس السيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين منها.
هذا التحول الاستراتيجي يجب أن يكون موضع متابعة فلسطينية ودولية عاجلة؛ لأنه يكرّس واقعًا جديدًا في الضفة الغربية: جيش للمستوطنين، يعمل تحت مظلة الجيش الإسرائيلي، ويشكّل تهديدًا دائمًا لأي حل سياسي أو حتى لاستقرار ميداني.
الكلمات المفتاحية

كيف قرأ الخبراء الإسرائيليون عملية اغتيال رائد سعد؟
أكد محللون عسكريون واستخباراتيون إسرائيليون أن عملية اغتيال رائد سعد هي "خطوةٌ مدروسةٌ أرادت منها إسرائيل تحقيق أهداف مزدوجة وإرسال رسائل"

تحقيق: الاحتلال قتل فلسطينيًا عند حاجز المربعة لأنه كان يحمل قارورة
تحيقي إسرائيلي: الشيهد أحمد شحادة قُتل بإطلاق 18 رصاصة من قبل جنود الاحتلال رغم أنه لم يشكل أي تهديد.

الخط الأصفر: نزوح صامت في غزة خلال وقف إطلاق النار
أشار التقرير إلى أنه إجمالاً، تقدّم خط الحدود أكثر من كيلومتر خلال فترة وقف إطلاق النار، مما تسبب في موجات نزوح صامتة لم تحظَ بتغطية إعلامية تُذكر

أكسيوس: واشنطن غاضبة من نتنياهو وتعدُّ اغتيال رائد سعد خرقًا لوقف إطلاق النار
بعثت إدارة ترامب رسالة "صارمة" إلى نتنياهو بعد اغتيال القيادي القسامي رائد سعد، أكدت فيها أن عملية الاغتيال هي انتهاكٌ لاتفاق وقف إطلاق النار

تقديرات إسرائيلية: حزب الله يحتفظ بنفوذه وإسرائيل أمام تحديين رئيسيين في لبنان
تشير التقديرات إلى أن حزب الله يواصل إعادة بناء قدراته العسكرية والاقتصادية بدعم إيراني، بينما تقف إسرائيل أمام تهديدات ونافذة فرص تجاه الساحة اللبنانية

ألبانيزي يرد على نتنياهو: لا علاقة بين الاعتراف بدولة فلسطين وهجوم سيدني
كشف ألبانيزي أن التحقيقات لم تكشف عن أدلة كافية تربط منفذي إطلاق النار بالتطرف، رغم وجود اتصالات سابقة مع أشخاص كانوا تحت المراقبة الأمنية

يديعوت: الإدارة الأميركية وجهت شتائم بذيئة لنتنياهو بسبب اغتيال رائد سعد
أوضحت الصحيفة، نقلًا عن مصدر موثوق لم تذكر اسمه، أن الغارة التي استهدفت مركبة سعد، لم ينظر إليها في البيت الأبيض على أنها جزءًا من الحوار مع حماس، بل كخطوة إسرائيلية مرتبطة بموقف نتنياهو تجاه ترامب

