ultracheck
تقارير

اللوز والسمسم والجميز.. الحرب تمحو ذاكرة غزة الزراعية والتراثية

9 أغسطس 2026
اللوز والسمسم والجميز.. محاصيل غزة التي أصبحت من الذاكرة
اللوز والسمسم والجميز كانت جزءًا من الذاكرة الجمعية للفلسطينيين | الترا فلسطين
أحمد الأغا
أحمد الأغا صحفي من غزة، مهتم بالقضايا الاجتماعية

لم يكن اللوز والسمسم والجميز مجرد محاصيل زراعية في قطاع غزة، بل جزءًا من الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، وعلامات راسخة في المشهد الريفي والتراث الغذائي والاجتماعي.

كانت أشجار الجميز العتيقة تظلل الطرق والحقول، وتمنح ثمارها للأجيال، فيما كانت أشجار اللوزيات، من الخوخ والمشمش واللوز، مكونًا أساسيًا في المائدة الفلسطينية

قبل الحرب، كانت أشجار الجميز العتيقة تظلل الطرق والحقول، وتمنح ثمارها للأجيال، فيما كانت أشجار اللوزيات، من الخوخ والمشمش واللوز، مكونًا أساسيًا في المائدة الفلسطينية، وأزهارها بشارةً بقدوم فصل الربيع.

لكن هذه المحاصيل، التي قاومت لعقود التغيرات المناخية والتمدد العمراني، لم تستطع الصمود أمام الحرب التي اجتاحت قطاع غزة، فتحولت آلاف الدونمات الزراعية إلى أراضٍ مجرّفة أو مناطق عازلة يسيطر عليها الاحتلال، واختفت معها أشجار يزيد عمر بعضها على مئة عام.

اليوم، لم يعد أبناء غزة يتحدثون عن مواسم اللوز والخوخ أو حصاد السمسم أو ظل الجميز بوصفها واقعًا معاشًا، بل كذكريات من زمن مضى.

الجميز... الشجرة التي تحفظ ذاكرة المكان

يقول المزارع علي الأسطل (62 عامًا)، إن كثيرًا من أشجار الجميز التي ورثها المزارعون عن آبائهم وأجدادهم اختفت بالكامل، بعد تسوية الأراضي بالجرافات أو احتراقها بالقصف، بينما اختفت زراعة اللوز الحلو والمر والخوخ نتيجة استحالة الوصول إلى الأراضي وغياب مستلزمات الزراعة وصعوبة توفير المياه.

خوخ غزة
قطف ثمار الخوخ في غزة | Gettimages

تعد شجرة الجميز من أقدم الأشجار المُعمرة التي عُرفت في فلسطين، وكانت تنتشر في مناطق عدة من قطاع غزة، خصوصًا في خانيونس ورفح والمناطق الوسطى.

شجرة جميز في غزة
شجرة جميز في غزة | Gettyimages

ويبلغ متوسط عمر الشجرة منها 400 عام، ويصل ارتفاعها 8 أمتار، وتنتمي إلى الفصيلة التوتية، أما ثمارها، التي تميل ألوانها إلى الأصفر المحمر، فهي حلوة المذاق.

وتطرح الشجرة ثمارها سبع مرات في العام، وكان صنف البلمي الأشهر في القطاع قبل الحرب، بحسب الأسطل.

ثمار الجميز
ثمار الجميز في غزة | Gettyimages

وشكّلت شجرة الجميز معلمًا اجتماعيًا وموروثًا ثقافيًا بارزًا، إذ اعتاد المزارعون والسكان الاستراحة تحت ظلالها، وكذلك الاستدلال على الأماكن والشوارع، فيما ارتبطت ثمارها بمواسم الصيف وذكريات الطفولة.

اليوم، اختفت أشجارها التاريخية نتيجة الإبادة، ولم يبق منها سوى صور قديمة في هواتف النازحين وحكايات عابرة يرويها كبار السن داخل مخيمات النزوح وفي مراكز الإيواء.

يقول المزارع الأسطل: "هذه شجرة مباركة وقد أوصانا الأجداد بعدم التفريط بزراعتها، لأنها ترتبط بتاريخ فلسطين الزراعي وقراها المسلوبة، وكنا نتذكر أجدادنا حين نزرعها، لكن مع ظروف الحرب وتداعيات النزوح أصبحت من الماضي".

ويضيف: "كان من أنواع الجميز البلمي والبوطي والغُزي، وكان البلمي هو الأطيب طعمًا والأحلى مذاقًا، وكنا نجمع ثماره ونرسلها للبيع في الأسواق طيلة فصل الصيف، وكان موسمه يرتبط بتوفير دخل بسيط للأسر التي تقطن بجوارها".

اللوز .. أولى بشائر الربيع

كان موسم اللوز يمثل بداية الموسم الزراعي بالنسبة لكثير من المزارعين، حيث تتفتح أزهاره البيضاء والوردية قبل ظهور الأوراق، معلنة انتهاء الشتاء.

زهر اللوز
أزهار لوز في غزة | Gettyimages

وكان الأطفال في القطاع يتسابقون لجمع اللوز الأخضر، فيما اعتمدت عائلات كثيرة على بيع إنتاجه كمصدر دخل موسمي.

لوز غزة
قطف ثمار اللوز في غزة | Gettyimages

غير أن اقتلاع الأشجار وتدمير البساتين أدى إلى اختفاء هذه المشاهد بالكامل، وتحول موسم اللوز إلى ذكرى يتداولها الناس عبر روايات وذكريات يتناقلونها بكل حسرة وألم.

السمسم.. محصول اندثرت معه مهن وذاكرة

تاريخيًا، اشتهرت غزة بزراعة السمسم، الذي كان يستخدم في صناعة الطحينة والحلاوة والخبز الفلسطيني التقليدي.

ويذكر الأسطل أن عملية حصاد السمسم وتجفيفه واستخراج بذوره كانت تشكل موسمًا اقتصاديًا واجتماعيًا يشارك فيه أفراد العائلة.

لكنه يؤكد أن زراعته أصبحت مستحيلة الآن، ليس فقط بسبب تدمير الأراضي، وإنما أيضًا نتيجة فقدان البذور، ونقص المياه، واعتماد السكان على الأغذية من خلال المساعدات الإغاثية وتراجع النشاط الزراعي.

اختفاء السمسم البلدي يعني اختفاء صناعات غذائية ارتبطت به لعقود

ولعل اختفاء السمسم البلدي لا يعني فقط اختفاء موسم زراعي ارتبط بتجمع العائلة والمشاركة والتعاون في حصاده، وبذاكرة السكان الجمعية، بل يعني أيضًا اختفاء صناعات غذائية ارتبطت به لعقود.

يسترجع الأسطل شريط ذكرياته مع هذه المواسم الزراعية قائلاً: "كنا نعرف أن الصيف بدأ عندما ينضج الجميز، وأن الربيع جاء عندما يزهر اللوز، وأن موسم السمسم يعني الخير والبركة، لكن اليوم لم يبقَ شيء سوى الذكريات".

ويضيف: "ربما لن يعرف أحفادي شكل شجرة الجميز إلا من خلال الصور، بل إن كثيرًا من الزراعات التي انقرضت في القطاع لن يعرفها الجيل الناشئ بسبب الحرب والاعتماد على المنتجات المستوردة".

خسارة تتجاوز الاقتصاد

يرى المهندس نزار الوحيدي أن خسارة هذه الزراعات الشجرية لا تقاس بقيمة الإنتاج الزراعي فقط، بل بخسارة مكونات أساسية من الهوية الثقافية الفلسطينية، مضيفًا أن هناك خشية حقيقية من انقراضها في ظل نقص المساحات وتقويض مقومات الإنتاج الزراعي وإعادة التعافي لقطاع الزراعة المدمر.

وأوضح  الوحيدي في حديث لـ"الترا فلسطين" أنّ التركيب المحصولي للقطاع كان الأكثر تنوعًا في خريطة الإنتاج الزراعي، بدءًا من المحاصيل الاستوائية مثل المانجا والجوافة والحمضيات، وليس انتهاءً بالمحاصيل في المناطق المعتدلة أو المائلة للبرودة كالتفاح واللوزيات بأنواعها.

وبيّن أن زراعة الجميز واللوزيات باتت خارج دائرة اهتمام المزارعين، لأن إعادة زراعتها وإثمارها يحتاج إلى خمسة أعوام على الأقل، في حال توفرت الظروف الملائمة لزراعتها، وهذا أمر صعب حاليًا.

وأضاف أن كل شجرة جميز كانت تحمل قصة عائلة، وكل موسم لوز كان مناسبة اجتماعية، وكل حقل سمسم كان جزءًا من الاقتصاد المحلي والتراث الغذائي، لكن الحرب أتت على كل شيء فيه.

ويعزو الوحيدي اختفاء هذه المحاصيل تحديدًا إلى أن معظمها كان يعتمد على أراضٍ زراعية دائمة، وقد تعرضت للتجريف، كما أن الأشجار المعمرة لا يمكن تعويضها بسرعة.

وأشار إلى أن هذه المحاصيل كانت تساهم في تنويع الإنتاج الزراعي، وتوفر دخلاً لعشرات العائلات، إضافة إلى ارتباطها بصناعات غذائية محلية مثل المُربيات وتجفيف الفواكه وإنتاج الطحينية وغيرها.

زراعات ترتبط بالتراث

وذكر الوحيدي أن هذه المحاصيل كانت حاضرة في الأغاني الشعبية والأمثال والأكلات والمناسبات الاجتماعية الفلسطينية منذ مئات السنين، مشيرًا إلى أن شجرة الجميز تحديدًا كانت شاهدة على أجيال متعاقبة، ومثلت ذاكرة للمكان والوجود الفلسطيني.

هذه المحاصيل كانت حاضرة في الأغاني الشعبية والأمثال والأكلات والمناسبات الاجتماعية الفلسطينية منذ مئات السنين، وشجرة الجميز تحديدًا كانت شاهدة على أجيال متعاقبة

ورأى الوحيدي أن اختفاء هذه الأشجار ومحوها من ذاكرة المكان سيؤثر على التراث والثقافة الفلسطينية قائلاً: "عندما تختفي البيئة الزراعية يختفي معها جزء من الثقافة الشعبية المرتبطة بها لأن فقدان هذه المحاصيل سيمحوها من ذاكرة الأجيال الجديدة".

ويقول إن الاحتلال حين اقتلع الأشجار من حقول غزة، "لم يكن ينوي إفقاده الثمار فقط، بل كان يسعى لاقتلاع صفحات من الهوية الفلسطينية والتاريخ الزراعي لمحاصيله التراثية".

لذلك، يشدد الوحيدي على أن حماية الزراعة ليست قضية اقتصادية فقط، بل "حماية للهوية والذاكرة الفلسطينية في وجه آلة الإبادة الإسرائيلية المستمرة" وفق تعبيره.

الكلمات المفتاحية

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

واصلت منصات إسرائيلية عقب اعتقال نقاء، التحريض عليها، من بينها منصة "أبو علي إكسبريس"، التي يديرها ضابط احتياط سابق في جيش الاحتلال، والتي طالبت بإبقائها في السجن لسنوات


وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. ما هي عواقب ذلك؟

وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. كارثة وشيكة

عدد المستشفيات والمراكز الصحية المشمولة بقرار وقف إمدادات الوقود يصل إلى نحو 20 مؤسسة


7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.


غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاُ مستقرًا

غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاً مستقرًا

قفزت أسعار كيلوغرام الفحم من نحو 15-20 شيكلاً قبل الأزمة، لتصل إلى قرابة 60 شيكلاً

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ الوالد باستشهاد معتز دون توضيح الظروف
أخبار

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف

شقيق الأسير معتز، باشا الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
أخبار

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست

قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة


فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
قول

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

طائرة جناح صهيون
أخبار

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك

الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟