المربعانية وشباط الخبّاط: الرزنامة الشتوية في التراث الشعبي الفلسطيني
19 ديسمبر 2025
في جغرافيا فلسطين، لم تكن المواسم المناخية يومًا مجرد تقويم فلكي، بل هي دورة حياة متكاملة وحكمة شعبية راسخة، تشكّلت عبر آلاف السنين من المراقبة والتجربة الزراعية والاجتماعية. لقد قسّم الأجداد الشتاء إلى مراحل دقيقة، تحمل كل مرحلة منها دلالاتها الخاصة في الأمثال والمعتقدات التي تحدد نمط المعيشة والزراعة، بدءًا من قسوة المربعانية، مرورًا بالتحول التدريجي في السعود، وصولًا إلى ذروة الصراع في أيام شباط الخبّاط ودراما المستقرضات. هذا التقطيع الزمني المعرفي يُثبت أن الإنسان الفلسطيني قد تكيّف مع ظواهر الشتاء بعبقرية فائقة، محوّلًا قسوته إلى موسم للسهرات العائلية الطوال، وبرده القارس إلى فلسفة حياة غنية بالتكافل والحذر والتفاؤل بالخير الآتي.
تكمن أهمية المربعانية في كونها مؤشرًا لمصير الموسم الزراعي، إذ يعتقد الأجداد أنه إذا بدأت المربعانية بالمطر، فإن الموسم سيكون سنة خير وعطاء، وإذا بدأت برياح شرقية فهي سنة محل وجفاف
المربعانية (الأربعينية): فحل الشتاء
تُعدّ فترة المربعانية، التي تمتد لأربعين يومًا، حجر الزاوية في التقويم الشتوي، تبدأ فلكيًا تقريبًا من 21/22 كانون الأول (ديسمبر) وتنتهي في 30/31 كانون الثاني (يناير). وقد جاءت تسميتها من عدد أيامها الأربعين، وهي الفترة التي تتجمع فيها أشد أيام السنة برودة وغزارة في الأمطار حسب الموروث الشعبي. وكما يصفها الأجداد باقتدار: "كانون فحل الشتاء"، مؤكدين أنها الذروة التي لا يُعلى عليها في قسوة الفصل.
أ. قسوة البرد ولزوم البيوت
في هذه الفترة، يشتد لزوم البيوت، وتتجلى حكمة التهيؤ والتكافل. فالأمثال تؤكد ضرورة العزل والتدفئة وتخزين المؤونة، لدرجة أن البقاء في البيت يصبح واجبًا: "بكانون الأصم اقعد ببيتك وانطم"، و"بكانون كن ببيتك وكثّر ملحاتك وزيتك". هذه تحذيرات شديدة اللهجة، حيث يُطلق على كانون اسم "الأصم" لقسوته التي لا تلين، مما يجعل الخروج مغامرة غير محسوبة.
"بكانون حضّر الجفت والفحمات والكانون": يوثّق هذا المثل الأدوات التراثية للتدفئة، حيث كان "الجفت" (مخلّفات عصر الزيتون) و"الفحمات" مصادر الدفء الأساسية التي لا غنى عنها لمواجهة برد كانون.
ب. الاقتصاد المنزلي والمؤونة
كانت المربعانية موسم استهلاك المؤونة الشتوية المخزنة، مما يفرض نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الاكتفاء الذاتي والتخزين الصيفي:
"بكانون كن ببيتك ع دبسك وزيتك": دعوة صريحة للاعتماد على المخزون الوفير من الزيت والملح والدبس (عصير العنب السميك)، وهي مواد غنية بالطاقة والسعرات الحرارية تساعد على مقاومة البرد. ومن هنا، كانت هذه الفترة موسمًا لطبخ المفتول والعدس، وإعداد المطبق والزلابية والسحلب كأطباق رئيسية غنية بالطاقة.
"بكانون كن وع الفقير حن": وسط هذا الحذر، لا تنسى الحكمة الشعبية التكافل، فشدة البرد تفرض مسؤولية اجتماعية تجاه الفقراء والمحتاجين.
"عرس المجنون بكانون" و"طينة المجانين بكوانين": تحذير اجتماعي من إقامة الاحتفالات أو أعمال البناء (الطينة) في هذه الفترة لشدة الطقس وعرقلة الحركة.
ج. بوصلة الفلاح وتحدي التقلبات
تكمن أهمية المربعانية في كونها مؤشرًا لمصير الموسم الزراعي، إذ يعتقد الأجداد أنه إذا بدأت المربعانية بالمطر، فإن الموسم سيكون سنة خير وعطاء، وإذا بدأت برياح شرقية فهي سنة محل وجفاف.
هذه التوقعات تنبع من طبيعتها المتقلبة والمحتملة للخراب والفيضان معًا: "في المربعانية، يا بتربّع يا بتقبّع": يلخص هذا المثل أقصى احتمالين؛ إما خير وبركة للزرع (تربّع)، أو دمار وخراب (تقبّع).
"المربعانية عشاها ما بعشّي وغطاها ما بغطّي": دلالة على قلة حيلة الإنسان أمام قسوة البرد الشديد.
"المربعانية يا شمس بتحرق يا مطر بغرق"، و"المربعانية يا بتشرّق يا بتغرّق": إشارة إلى التناقضات الحادة والمفاجئة في طقسها.
"سيل الزيتون من سيل كانون": تأكيد على أن مطر كانون الغزير أساس خير الموسم الزراعي، وخاصة الزيتون وجودته.
د. الطبيعة في المربعانية
رغم جمودها، تُظهر الطبيعة في المربعانية إشارات للبداية والتكيف:
"في المربعانية كل إشي بكنّ": وصف دقيق لمرحلة الكمون البيولوجي.
"كل الشجر بيتعرّى بكانون إلا السنديان والصنوبر والزيتون": توثيق لتكيف بعض الأشجار دائمة الخضرة مع البرد.
"يا لوز يا مجنون بتزهر بكانون": يحمل هذا المثل بشرى التفاؤل والتمرد على البرد، فاللوز أول من يكسر الجمود معلنًا قرب تجدّد الحياة.
الخمسينية: السعود الأربعة والتحول الحيوي
لا يتوقف الشتاء عند نهاية كانون الثاني، بل تبدأ مرحلة الخمسينية، وهي خمسون يومًا (من 31 كانون الثاني وحتى 21 آذار)، تمثل مرحلة التحول التدريجي نحو الدفء، وتقسم إلى أربعة أقسام متساوية تُسمّى السعود، مدة كل منها 12 يومًا ونصف اليوم.
أ. سعد الذابح (31/1): البرد الذي يذبح
سُمّي بهذا الاسم كناية عن شدة البرد القارس الذي ما زال يسيطر في بداية شباط، رغم انتهاء الأربعينية. وتؤكد الأمثال استمرار الانزواء وقلة الحركة: "سعد ذبح كلبه ما نبح، وفلاحه ما فلح، وراعيه ما سرح"، حيث لا يجد الراعي أو الفلاح سببًا للخروج. و"في سعد ذابح الكلاب بتنابح".
ب. سعد بلع (12/2): الأرض ترتوي
تنخفض فيه برودة الماء قليلًا، والأهم أن الأرض "تبلع" وتستوعب الماء الغزير الذي سقط في المربعانية، فتفيض الأنهار وتمتلئ الآبار. ويقال: "بسعد بلع بتنزل النقطة وتنبلع".
ج. سعد السعود (25/2): ميلاد الدفء
بمثابة دخول الربيع، حيث ينكسر الجو نحو الدفء وتدب الحياة في الأشجار: "بسعد السعود بتدبّ الماوية بالعود وبيدفى كل مبرود".
ورغم التفاؤل، يظهر التحذير: "سعد السعود سلّاخ الجلود".
د. سعد الخبايا (9/3): انطلاق الحياة
مرحلة ظهور الحشرات والزواحف من بياتها الشتوي، ويقال: "بسعد الخبايا بتطلع الحيايا وتتفتل الصبايا".
سقوط الجمرات الثلاث: ترمومتر الدفء الشعبي
تُعد ظاهرة سقوط الجمرات الثلاث تقليدًا تراثيًا لتبديد البرد، ومؤشرًا على الدفء التدريجي:
الجمرة الأولى (20 شباط): جمرة الهواء.
الجمرة الثانية (27 شباط): جمرة الماء.
الجمرة الثالثة (6 آذار): جمرة الأرض.
شباط الخبّاط: عدو العجايز وشهر التقلبات
"الصيت لكانون، والفعل لشباط"، و"شباط اللباط ما ع كلامه رباط".
"شباط شبط ولبط وريحة الصيف فيه".
"شباط ما عليه رباط"، و"واقف مثل غيمة شباط".
"غيمة شباط ولا صحوة كانون".
"شباط عدو العجايز"، و"شباط اللبّاط بخنق العجل/ بقطم البقر بالرّباط".
"لما يطلع النرجس والدحنون، ضُب بذارك يا مجنون".
المستقرضات: دراما الصراع بين الفصول
تصل مسرحية الشتاء أوجها في الأيام السبعة الأخيرة من نهاية الشتاء، فيما يُعرف بـ المستقرضات، وهي أيام الصراع بين شباط وآذار، وتتكون من آخر أربعة أيام من شباط وأول ثلاثة أيام من آذار. جاءت تسميتها من القصة الشعبية التي ترمز إلى صراع الفصل الأخير.
قصة العجوز وشكوى شباط
هذه الأيام تسمى أيضًا أيام العجوز، وتتمحور حول قصة رمزية عن عجوز استهانت بشباط لقصره، ظناً منها أن الشتاء انتهى: "راح/ مرق شباط الخباط ما أخد مني عنزة ولا رباط". فغضب شباط، الذي لا تُنسى قسوته، واستنجد بأخيه آذار ليقرضه تلك الأيام للانتقام منها بسيل جارف:
"آذار يا ابن عمي، ثلاثة منك وأربعة مني خلي دولاب العجوز في الواد يغني" أو "أخويا يا آذار أربعةٍ منك وثلاثةٍ مني ت انجُرّ العجوز وخربوشها".
هذه القصة ترمز إلى أن الحكمة الشعبية لا تثق بانتهاء الشتاء قبل مرور آخر مراحله بقوة، والمطر الذي ينزل فيها هو "شتوة العجوز" التي يُتوقع فيها المطر الغزير.
وتلي المستقرضات الأيام الحسوم (11 آذار)، وهي آخر نوبات البرد الشديد والريح العاصفة قبل الاستقرار، وكأنها التوقيع الأخير للشتاء قبل الرحيل.
الخاتمة: التراث كمنظومة معرفية
إن هذه الرزنامة الشتوية المتكاملة ليست مجرد تقسيمات زمنية، بل منظومة معرفية متوارثة، تجسد العلاقة العميقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وتحول المناخ إلى حكمة وهوية ثقافية حيّة.
الكلمات المفتاحية
أجنحة الذاكرة: حكايات الطيور في الوجدان الفلسطيني
ارتبط الصيد في فلسطين بمواسم الفرح الزراعي، ولم يكن مجرد وسيلة للقوت، بل كان مهارة اجتماعية يتباهى بها الرجال والأطفال على السواء
قاد القسام ورمم قواته خلال الحرب.. من هو عز الدين الحداد؟
شيع في مدينة غزة، ظهر يوم السبت، جثمان قائد كتائب القسام عز الدين الحداد، الذي استشهد رفقة زوجته وابنته، في غارة إسرائيلية مساء أمس، في حي الرمال، تبعها غارة على مركبة في شارع الوحدة.
أيار في الوجدان الفلسطيني: شهر الجمادي والتحول من الربيع إلى الصيف
بالنسبة للفلاح الفلسطيني، أيار هو "عرس الأرض"، الوقت الذي تتحول فيه الألوان من الأخضر اليانع إلى الأصفر الذهبي، وحيث تتحول الحقول من مساحات للتنزه إلى ساحات للعمل الشاق والإنتاج
مسيّرات حزب الله تربك جيش الاحتلال: إصابة قائد لواء بجروح خطيرة
جيش الاحتلال يعلن إصابة قائد اللواء 401 بجراح خطيرة، بالإضافة إلى ضابط وجندي آخرين جراء استهدافهم بمسيرة جنوبي لبنان.
إذلال وإطلاق رصاص مطاطي.. الاحتلال ينكّل بنشطاء أسطول الصمود في أسدود
بعد انتشار مقاطع فيديو لبن غفير وهو يتعمد الإهانة والتنكيل، المحامية هديل أبو صالح من مركز "عدالة" توضح لـ"الترا فلسطين" ظروف احتجاز نشطاء أسطول الصمود العالمي.
معاناة السير في ركام غزة
المسنة أم محمد الحايك (82 عامًا) تضطر لقطع عشرات الأمتار سيرًا على الأقدام بين الركام، لمغادرة منزلها المدمّر شبه كليًا في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة، وذلك للتوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج.
اعترافات جنود إسرائيليين في لبنان: ننهب لنبقى راغبين في القتال
"كان يمكن سماع جنود في الثلاثينيات من العمر يتجادلون: أنا رأيت هذا أولاً. أنت أخذت كثيرًا في البيت السابق"