المقاثي والزراعة البعليّة في التراث الفلسطيني: عبقرية الفلاح في ترويض جفاف الصيف
2 أغسطس 2026
تُعدّ "المقثاة" (وجمعها مَقاثي) علامة فارقة وركناً أساسياً في المنظومة الزراعية والتراثية الشفوية في فلسطين. والمقثاة لغةً واصطلاحاً هي حقل الخضروات الصيفية التي تُزرع "بعل" أي دون حاجة إلى الري الاصطناعي، متكلةً كلياً على ما تختزنه التربة من رطوبة مياه الأمطار الشتوية، وما يجود به الندى الكثيف في ليالي الصيف الجافة. وتشتمل المقاثي على محاصيل حيوية متعددة أبرزها: الفقوس (القثاء)، البطيخ، الشمام، الكوسا، القرع (اليقطين)، عباد الشمس والبندورة البعلية.
إن "المَقاثي" في التراث الفلسطيني ليست مجرد نمط زراعي تقليدي يعتمد على مياه المطر والندى
تتجلى أهمية المقاثي في التراث الفلسطيني في كونها جسّدت فلسفة "الزراعة البعلية" التي ترتبط جذورها التاريخية بالعقائد السامية القديمة. ومن هنا، لم تكن المقاثي بالنسبة للفلاح الفلسطيني مجرد وسيلة لتأمين القوت اليومي، بل كانت تعبيراً حياً عن عبقريته في ترويض القسوة المناخية لصيف البلاد، وتحويل جفاف الأشهر الممتدة من أيار إلى تشرين إلى موسم نماء وفرادة غذائية.
شكلت المقاثي أيضاً مركزاً للحياة الاجتماعية والصيفية في القرية الفلسطينية؛ فمع حلول موسم نمو الثمار، كانت العائلات تنتقل بجميع أفرادها للإقامة المؤقتة في الحقول والكروم فيما يُعرف بـ "التعزيب" أو "العزبة"، فتتحول المقاثي إلى فضاءات مفتوحة للكرم، والاجتماع، وتبادل الهدايا من خيرات الأرض، وصياغة الأهازيج والأمثال الشعبية التي وثقت دقة الملاحظة الزراعية والعمق الوجداني للإنسان الفلسطيني وارتباطه بأرضه.

المعتقدات الشعبية والروحية المرتبطة بالمقاثي وثمارها
نسج الموروث الشعبي الفلسطيني حول المقاثي وثمارها شبكة واسعة من المعتقدات الصحية، والروحية، والأسطورية:
- أسطورة الإله "بعل": تعود تسمية الزراعة "البعلية" إلى الإله الكنعاني "بعل" (إله الخصب والنماء). ويعتقد الموروث الشعبي أن "بعل" يأتي في الليل ويسقي المزروعات بقطرات الندى، ويستدل الفلاحون على ذلك بوجود الندى الغزير في الصباح الباكر.
- طبيعة المنتج والتأثير النفسي: اعتقد الفلاحون أن لخضروات المقاثي تأثيراً مباشراً على صحة الإنسان ومزاجه؛ فساد المثل والمعتقد بأن "الفقوس بطفي نار القلب"، والمقصود بنار القلب هنا العطش الشديد وحرارة المعدة في أيام الصيف القائظة. أما البطيخ فكان يُنظر إليه كمحصول الشامل الذي يجمع بين الغذاء والحلوى والتسلية وعلف الدواب "بيحليك وبيسليك وبطعم غنماتك". كما ساد اعتقاد بأن النظام الغذائي المبني على الخضروات الصيفية يطهر النفس ويهدئ الغرائز، ولذا كان الدراويش والنساك يلتزمون بأكل نباتات المقاثي خلال فترات التعبد والتحضير للطقوس الروحية.
- كرامات الأولياء وحماية المقاثي: ارتبطت حماية المقاثي من السرقة والاعتداء ببركات المقام وأولياء الله الصالحين. وتذكر المأثورات الشعبية أن من يجترئ على سرقة المقاثي المجاورة لمقامات الأولياء يحل به العقاب الإعجازي؛ كقصة الصبي الذي سرق فقوساً من جوار مقام الشيخ رمضان في قرية قطنة، فتحول الفقوس في جيبه إلى حشرة "أم أربع وأربعين"، أو قصة الولي الذي شوهد ابن آوى ميتاً عند مقامه بعد أن اعتدى على حقل بصل مجاور.
- البسملة والوقاية من الجان: كانت البسملة (ذكر اسم الله) شرطاً أساسياً عند دخول المقثاة أو قطف ثمارها. ويسود الاعتقاد بأن إهمالها يعرض الفلاح للمس من الجن الذين يستظلون بأوراق المقاثي، أو يسكنون عيون الماء القريبة منها.
- بشارة "الندى الغرّاق": يُعد الندى "رأس مال الفلاح" في الصيف؛ حيث يستبشر المزارعون بالندى الكثيف (ندى غراق) لزيادة المحصول، خاصة في المقاثي. ويُعتقد أن الندى يطري الثمار ويمنع احتراق النبات تحت الشمس. كان الفلاحون يؤمنون بأن النباتات "تسبح ربها" في الليل وهي تشرب من عرقها (الندى)، وهو التفسير الفلكلوري لآلية الامتصاص التي تعوض غياب المطر.
- قوة الزرع الغربي: يفضل الفلاحون الرياح الغربية لأنها تحمل الرطوبة والندى، ويرددون في أغاني طلب الغيث: "ياري ربي الغيث ياربي تسقي زرعنا الغربي".
- التعاويذ والطب الشعبي: استخدمت ثمار المقاثي في العلاجات الشعبية؛ حيث كانت ثمرة الفقوس تُفرغ من لبها وتُدهن بـ "النيلة" وتُترك تحت الندى الليلي، لتُستخدم في الصباح كمادات لتبريد جسم الطفل المصاب بالحمى مع قراءة التعاويذ.
- ساد اعتقاد بوجود خطر من النوم في حقول البطيخ الأصفر "الشمام" الذي يجذب الأفاعي.
- الوقاية من الحسد: كان الفلاحون يعتقدون أن "العين" قد تُيبس حقول البقول، ولذلك كانوا يضعون تمائم أو يزرعون الثوم لحماية المقثاة من "العين" أو "الجان.

ثالثاً: معجم مصطلحات المقاثي والتقنيات الزراعية
لكِراب: عملية حرث الأرض وتقليبها عدة مرات في فصل الربيع (نيسان وأيار) لتهوية التربة وتنعيمها وحبس الرطوبة الشتوية في الأعماق ومنع تبخرها تحت شمس الصيف.
الندى: رأس مال الفلاح في الصيف؛ وهو الرطوبة التي تحملها الرياح الغربية من البحر ليلاً وتتكثف على أوراق المقاثي.
المنطرة / العريشة: كوخ أو برج مراقبة يُقام وسط المقثاة أو الكرم، يُبنى من الحجارة الجافة (القصر) أو يرفع على قوائم خشبية (ركايز) وتغطى بالسقف من أغصان الأشجار لإقامة الناطور.
الناطور: حارس المقثاة والكروم المقيم، يتولى مرابطة الحقل ليلاً ونهاراً لحماية الغلال من اللصوص والحيوانات السائبة طوال موسم الصيف.
العرزال: هو مكان يقام في موقع مشرف في الكروم أو الحقول يجلس فيه أو عليه الناطور.
الفزّاعة / خيال المقثاة: مجسم وهمي يُصنع من خشبتين متصالبين ويُلبس ثوباً (دمّاية أو قميص عتيق) وغطاء رأس، ينصب وسط المقثاة لإخافة الطيور والحيوانات.
التعزيب / العزبة: الموسم الاجتماعي الذي تنتقل فيه العائلات من الدور السكنية داخل القرية للعيش المباشر في حقول المقاثي والكروم طيلة أشهر الصيف.
المحاحاة: طقس لطرد الطيور عبر المرور بين السروب وقرقعة علب التنك الفارغة المليئة بالحجارة والمناداة بصوت مرتفع: "حو... عيس".
الجعاريم: مصطلح يُطلق على أواخر ثمار الكوسا والفقوس في نهاية الموسم عندما تبدأ المقثاة بالجفاف وتكون الثمار خشنة الملمس.
البور: ترك الأرض دون زراعة لمدة عام كامل لكي تستريح وتستجمع رطوبتها وقوتها الخصبة للموسم القادم.
الممارسات والطقوس الاجتماعية والزراعية في المقاثي
1. هندسة تقسيم المقثاة وزراعته
كان الفلاح يتبع نظاماً هندسياً دقيقاً عند زراعة المقثاة؛ فمن الجهة الغربية (مصدر الرياح المحملة بالندى) تُزرع زهور "عين الشمس" يليه العصفر والبامية. وتقسم المقثاة إلى سروب وبيوت تفصل بينها مسافات دقيقة: فبين بيوت الفقوس تُترك مسافة متر ونصف لأن عروقه تمتد كثيراً، بينما البندورة نصف ذلك، والكوسا نحو متر. وبعد غرس شتلات البندورة، كان الفلاحون يلفون شتلة البندورة بورق التين أو "التشدر" وتغطيتها بالتراب لحمايتها من الشوب والحرور.
وقد برع الفلاحون في زراعة البطيخ في المناطق الرملية (مثل قرية ام خالد)، حيث تمتص الأوراق الرطوبة من الندى الليلي لتنتج ثماراً ضخمة ومليئة بالعصير في قلب الرمال الجافة . وكان القرع يُزرع حول العرائش ليوفر ظلاً بارداً وثماراً كبيرة تُستخدم في الطبخ.
2. طقوس الحراسة والأهازيج
تحولت العرائش والمناطير ليلاً إلى مسارح غنائية لتبديد وحشة الليل وساعات الحراسة الطويلة. كانت الفتيات يغنين بين العرائش المتقابلة عبر الأودية بشكل تناوبي (واحدة تغني والأخرى تجيبها من الجبل المقابل)، ومما ورد في أهازيج المقاثي: "يا زريع الله يا مال الندى.. ما سمعت الراعد يوم إن دَوَّى".
3. تقديم الهدايا
جسدت المقاثي أسمى صور التضامن الاجتماعي وعادة التهادي؛ ففي ساعات الصباح الباكر وبعد جني الثمار الندّية، كان الفلاحون يضعون أظرفاً أو سلالاً صغيرة تضم البندورة البلدية والفقوس والكوسا خلف أبواب الأقارب والجيران والفقراء. وكان كبار العائلات يحتفظون بذاكرة يومية لمراعاة توزيع خيرات المقثاة بالتساوي على أسر القرية، تعزيزاً لمفهوم "اقتصاد البركة" الذي يرى في إطعام الآخرين سبباً لزيادة نماء الأرض.
4. الفرق الذوقي بين المنتج البعلي والمروي
تفرق الذاكرة الذوقية الفلسطينية بوضوح بين خضروات "ماء السماء" (البعلي) وبين خضروات "ماء السقاية" (المروي):
- المنتج البعلي: ينمو ببطء تحت شمس الصيف المعتدلة، ممتصاً العناصر الغذائية المركزة من باطن التربة، فتأتي ثمرته (كبندورة الخليل وبطيخ جنين) أزكى رائحةً وأكثف طعماً وأطول صموداً أمام التلف.
- المنتج المروي: يوصف في الوجدان الشعبي بأنه "باهت الطعم" وخدّاع الشكل؛ حيث تمتلئ الثمرة بالماء الزائد مما يخفف من حلاوتها ونكهتها الأصلية.

الأمثال الشعبية المرتبطة بالمقاثي وثمارها
- "لو الكنة بتحب الحماة.. لصار في البحر مقثاة": يُضرب للدلالة على استحالة الوفاق في بعض العلاقات، واستخدم "المقثاة" كرمز للعمل الذي يحتاج بيئة وطبيعة صالحة لكي ينبت.
- "عند الفاس ما فيه ناس.. وعند الفقوس الكل بحوس": يُضرب للشخص المتنصل من مشقة التعب والعمل (الفأس)، والذي يحضر فقط وقت جني الثمار وتناول الطعام (الفقوس).
- "البطيخ في الأول للطرابيش وبعدين بصير للكنافيش": إشارة اقتصادية واجتماعية إلى أن الثمار في بداية موسمها تكون غالية الثمن فيتناولها الوجهاء (الطرابيش)، ثم تتوافر بكثرة وترخص لعموم الناس (الكنافيش).
- "ما بنحملوا بطيختين بإيد واحدة " أو "حمل بطيخة ضرط، حمل ثنتين انشرط": أمثال تدعو إلى التركيز وعدم تشتيت الجهد في أكثر من عمل فوق طاقة الإنسان.
- "القرع بطلع والبتنجان بنزل": يُضرب لوصف تقلب الأحوال الاجتماعية وتغير المقامات وتبدل الأيام.
- "يوم عنبك وتينك كل الناس محبينك.. خلص عنبك وتينك كل الناس عدوينك": يصف تقلب مودة الناس وبحث بعضهم عن المصلحة المادية المرتبطة بمواسم الخير والوفرة في الكروم والمقاثي.
- "غبر التين وقرقر ورقه.. روّح الناطور يرقّع خلقه": يدل على انتهاء موسم الصيف والمقاثي وحلول الخريف، وعودة الحارس إلى بيته بعد انقضاء مهمته.
- "بعد ما كركرت الكروم اجت قريعه تحوم": يضرب لمن يأتي متأخرا في غير أوانه.
الخاتمة
إن "المَقاثي" في التراث الفلسطيني ليست مجرد نمط زراعي تقليدي يعتمد على مياه المطر والندى، بل هي وثيقة حضارية وإنسانية تعكس أعمق درجات التكيف والانسجام بين الإنسان الفلسطيني بذكائه الفطري وبيئته. لقد استطاع الفلاح عبر تقنيات مثل "الكِراب" والتعزيب ونصب العرائش والمناطير أن يحول صيف بلاده الجاف إلى موسم حافل بالإنتاج والعطاء والكرم.

الكلمات المفتاحية

موسم النبي روبين: حكاية "الكرنفال" الفلسطيني الذي وهب الساحل روحه الشعبية
يُعتبر موسم النبي روبين أعظم المواسم الشعبية والدينية في الساحل الفلسطيني قبل نكبة عام 1948

موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة
يُعدّ موسم العنب والتين في فلسطين، والمعروف في الثقافة الفلاحية والتقويم الشعبي بـ "موسم القيظ"، أحد أهم المعالم الاجتماعية والزراعية والروحية التي تشكل الوجدان والذاكرة الجمعية للفلاح الفلسطيني

لُقّب بـ"أحمد الياباني".. وفاة المناضل الأممي كوزو أوكاموتو
بعد تحرره، روى أوكاموتو أن الإسرائيليين كانوا يجبرونه على تناول الطعام بفمه ويداه مكبلتان من الخلف "مثل الكلاب"

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف
شقيق الأسير معتز، باشا الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك
الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.



