أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.10
سعر الصرف 3.11
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.37
سعر الصرف 4.39
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.59
سعر الصرف 3.60
المقاهي الثقافية: ضرورة؟ ماضي؟ واقعٌ يجب إنهاؤه؟

المقاهي الثقافية: ضرورة؟ ماضي؟ واقعٌ يجب إنهاؤه؟

صورة توضيحية: مطعم وكافيه في بيت أثرى بمدينة غزة - تصوير: مجدي فتحي (gettyimages)

يتعامل مثقفون مع فكرة المقهى الثقافي بحكم أنها موجودة ومُنّفذة بالفعل، فيما يحتار آخرون عند سؤالهم إذا كانوا يقفون مع الفكرة أو ضدها، أو في المنطقة الرمادية التي تدفعهم للإجابة بسؤالٍ مُضاد: ما الذي تعنيه بمقهى ثقافي؟. لكن مجموعة أُخرى ترى أنه أينما حل المُثقف فإنه يصنع المكان الذي يدور في فلكه، أو مع مرور الوقت يُسقط الناس المُسمى على المكان الذي يجتمع المثقفون فيه لكي يُحكم على هذا المقهى أو ذاك بالثقافي.

مقهى رام الله في شارع رُكب، افتُتح في عام 2004 بنيّة أن يكون ثقافيًا فقط، ليجمع الشعراء والفنانين والمسرحيين والمخرجين والمتعلمين، وذلك بناءً على رغبة صاحبه شوقي دحو في أن يراهم في مكانٍ واحد، ولأن لديه اهتمامات ثقافية، "فهو يقرأ لساعاتٍ يوميًا، ولا يتوقف عن ممارسة هوايته في الرسم" كما يقول.

مقهى رام الله في شارع رُكب ضم مكتبة ونظّم أمسيات شعرية وندوات سياسية وحفلات غنائية فأصبح دارًا للمثقفين

يُبين دحو لـ الترا فلسطين أنه أنشأ في البداية مكتبةً في المقهى، ضمت 1500 كتابٍ في شتى المجالات، منها كتبٌ نادرةٌ وهامةٌ وبلغاتٍ عديدة، "فأنا أتُقن أربع لغات بما فيها العبرية والإسبانية" كما يقول، مبينًا أنه بعد ذلك أقام أمسياتٍ شعريةٍ وندواتٍ سياسيةٍ وحلقاتِ فكر؛ ثلاث مرات شهريًا، وأحيانًا كل ثلاثة أيام، إلى جانب حفلاتٍ غنائيةٍ، كما منح الرسامين فرصة الرسم في المقهى، حتى أنه أقام عزاءً عند رحيل الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم.

ويُشير إلى أنه استطاع "كسر الحواجز" بين المثقفين أنفسهم من خلال منح الفعاليات طابعًا جماعيًا، "فالندوة السياسية ليست حكرًا على الموجودين من أهل السياسة فقط في المقهى، الجميع يتحدث ويدلى برأيه، ومع مرور الوقت تحولت الجلسات إلى فرصة لشاعر ليقول بيتًا من الشعر، ومن لديه عود يعزف".

ويضيف دحو أن "علاقة محبة" تجمعه مع "الزبائن المثقفين"، جعلته لا يرى المكان ثقيلاً بعد 14 سنة من إنشائه، كما هو الأمر لزبائنه الذين ينهضون لإعداد القهوة بأنفسهم في المطبخ في حال غياب العمال.

يُبين دحو أن الشاعر الراحل محمود درويش زار المقهى ثلاث مرات، وكانت طاولته المفضلة تلك الأولى المطلة على رصيف شارع رُكب، كما زاره الصحافي والنائب في البرلمان الأوروغواني ماريو كاتسرتيو مُتخفيًا في هيئة سائح عادي، وظل في ضيافة المقهى قرابة الشهر. يقول: "فوجئت بعد أن غادر إلى بلده أنه يحمل هذه الصفات، وأنجز كتابًا حول فلسطين بمقابلة أربعين مثقفًا في المقهى أسماه (مفتاح فلسطين) قاصدًا فيه مقهى رام الله".

عندما أردنا التقاط الصور، صاح أحدهم وهو يلعب ورفاقه لعبة الشدة: "آه صوري هذه بؤرة نظيفة في رام الله، وكل إلي فيها نضاف". كان هذا صوت المخرج المسرحي أكرم مالكي.

وفي رام الله أيضًا، إلى جوار المقهى السابق، يوجد مقهى زرياب الذي يجتمع فيه مثقفون لكن بصورة أقل، وتدب فيه أرجل الناس من خارج الوسط الثقافي أيضًا. يقول نجل مالك المقهى إن إنشاءه لم يكن بهدف أن يكون مقهى ثقافيًا، "لكن زرياب قبل أن نفتتحه كمطعم كان معرضًا فنيًا، ثم ألحقنا مع المعرض كافيه، قبل أن تنتهي فكرة المعرض كليًا، ربما هذا أسس دون تخطيطٍ لقاعدة ثقافية، وربما لأن المعرض قدم لبعض الفنانين، فأرادوا ألا يقطعوا علاقتهم بالمكان الذي منحهم شيئاً جيدًا".

مقهى زرياب في رام الله كان معرضًا فنيًا وتحوّل إلى "كافيه ومطعم" لكن زبائنه ينتمون للوسط الثقافي ومن خارجه

في زرياب ستجد رسائل يقول المطعم إنها تخص أسرى في سجون الاحتلال ومكتوبة بأيديهم، وفيه قطعٌ تراثيةٌ وأخرى تحمل التطريز الفلسطيني. لذلك يعتقد مالكوه أن هذه الديكورات - التي قالوا إنها "مريحة وتهتم باللمسة التراثية القديمة" - تلعب دورًا في جذب المثقفين، إضافة إلى الأسباب المذكورة سابقًا.

الترا فلسطين اختبر أمزجة كُتابٍ وشعراء وفنانين وتربويين ومثقفين حول المقاهي الثقافية في الضفة الغربية بما فيها القدس، وتجربتهم معها، والدور الذي يجب أن توجد هذه المقاهي على أساسه.

لا تعريف للمقهى الثقافي

يؤكد الكاتب محمود شقير أن لا تعريف ثابتًا للمقهى الثقافي؛ فقد درجت العادة أن يكون لبعض المثقفين المشاهير مقاهٍ يجلسون فيها، فقد كان نجيب محفوظ يجلس في مقهى ريش بالقاهرة، وفيه كان يلتقي أصدقاءه المثقفين والكتاب الشباب ليرد على استفساراتهم. كما كان الكاتب العالمي ارنست هيمنغواي يجلس في مقهى في العاصمة الإسبانية مدريد ولا يزال قائمًا إلى اليوم.

ويضيف، "تلعب المقاهي الثقافية أدوارًا لا بأس بها لجهة التقاء المثقفين وإدارة حوارات بينهم حول مختلف القضايا الثقافية؛ ما يسهم في بلورة وجهات نظر؛ فقد تصدر فيها بيانات ثقافية باجتهادات مهمة وقد تتبدد في وقت سريع. لكن المقهى الثقافي فضاءٌ حرٌ غير مقيد بأنظمة وقوانين قد يُحفز على الإبداع؛ وقد يتقزم دوره ليصبح مكانًا للثرثرة المجانية".

"المقهى الثقافي قد يُحفز على الإبداع؛ وقد يتقزم دوره ليصبح مكانًا للثرثرة المجانية"

ولا ينسى شقير أنه "في أيام الشباب" كان يجلس مع زملاء له من كتاب مجلة الأفق الجديد المقدسية في مقهى القدس المجاور لمبنى المجلة، وفي كافتيريا ساندريلا، وفي "جروبي"، مضيفًا، "كلها أماكن لم يعد لها وجود الآن لأسباب تتعلق بما يفرضه المحتلون على المدينة. الآن في هذا العمر لا أرتاد المقاهي على نحو دائم، لكن ألتقي بعض الأصدقاء المثقفين في مقاهي بالقدس ورام الله".

ويتساءل شقير إن كان قد ظهر مؤخرًا بديلٌ ألغى أهمية وجود مكان يلم شتات المثقفين كالمقهى قديمًا؛ ثم يقول: "أعتقد أن بعض المؤسسات الثقافية والجماعات والصالونات الأدبية قد استولت على دور المقاهي الثقافية".

تحدثنا مع الكاتب والناقد الأدبي إبراهيم جوهر، وهو أحد مؤسسي ندوة اليوم السابع في القدس. سألناه: "في ندوة اليوم السابع.. هل سرقتم شيئًا؟". يقول جوهر إن الندوات أخذت دور المقهى الثقافي الذي كان سائدًا في مرحلة بعيدة. "نحن لم نأخذ دورًا قائمًا، المقهى كان مكانا للّقاء والنقاش العام، ونحن صنعنا مكانًا منظمًا لذلك".

ويُبين جوهر أنه لم يجرب المقاهي بالمعنى المشار إليه. "فالمقهى هو المقهى وزبائنه هم الذين يتمحورون في زاوية من زواياه ليبثوا همومهم ويناقشوا أعمالهم وحال الدنيا"، مضيفًا، "في القدس كان خليل السكاكيني يُفضل مقهى ما في باب الخليل، ومؤخرًا افتُتح مقهى في شارع صلاح الدين يتبع مكتبةً ليجمع المثقفين والمهتمين. في القاهرة انتشرت الظاهرة بفعل مقهى ريش، واليوم رام الله تشهد الظاهرة نفسها بحكم تواجد عدد كبير إلى حد ما من المثقفين فيها".

ولا يشك جوهر بأهمية وجود مقاهٍ خاصة بالمثقفين، لأنها - كما يقول - ستُشكل ناديًا للّقاء والتشاور والإفادة، "لكن واقعنا لا يسمح بتخصيص مثل هذه المقاهي واقتصارها على نوعية واحدة من الزبائن لأسبابٍ اقتصادية. فالمثقفون في بلادنا أحيانًا كثيرة لا يملكون ثمن فنجان القهوة".

"المقاهي التي كانا يرتادها المثقفون هي المقاهي الشعبية، أما اليوم فهي تقدم تقدم فنجان القهوة مقابل 25 شيكل"

وينوه إلى أن المقاهي التي كان يرتادها المثقفون هي المقاهي الشعبية، أما اليوم فهي تقدم فنجان القهوة مقابل 25 شيكل أو أقل بقليل.

"المقاهي الثقافية حاجة وضرورة"

أما خولة العواوودة - التي أصدرت قبل عامين كتابها كرمة، وأسست ورفاقًا لها الندوة الثقافية في الخليل - فهي تؤيد افتتاح مقاهٍ ثقافية؛ بيد أنها ترى في الوقت ذاته أن الفكرة لن تكون سهلة؛ "فرواد المقهى قد لا يكونون بالمستوى الثقافي المطلوب، وقد تنبعث دوافع مجيء بعضهم إليها من باب الشعور بالفراغ، والرغبة في الالتقاء بسين وصاد من الناس ويوفر المقهى الفرصة لذلك" وفق قولها.

وترى العواودة أنه في حال اقترن وجود المقهى بـ"هدفٍ سامٍ ثقافيًا"، فسيتيح أمام المثقف مجالاً جيدًا لتطوير ذاته فكريًا، فيؤثر ويتأثر. "ولكن سيكون ذلك فقط في حال تم انتقاء المثقفين بعناية وليس من العامة، أو من لا يُقدرون الشأن الثقافي وقد لا يُحسنون الفعل الثقافي".

أما الفنانة ريم تلحمي فتعتقد أن المقاهي الثقافية "تساهم في خلق حالة مشهدية، فالمسألة ليست تناول القهوة أو الشاي أو غيرهما في المقهى، فهو المكان الذي قد تستعيد فيه ذكريات حلوة" وفق قولها.

"المقاهي الثقافية تُساهم في خلق حالة مشهدية، وتلعب دورًا في المحافظة على التراث"

وتقول تلحمي إن بعض هذه المقاهي "فيها روح التراث الفلسطيني من مشاغل يدوية أو مطرزات، وبالتالي حتى المقاهي تلعب دورًا في المحافظة على التراث ولو بالعصائر التقليدية التي تقدمها. والمقهى يمنح أيضًا منصةً صغيرةً لفنانٍ ليغني عليها، أو عازفٍ ليقدم مقطوعة موسيقية للحاضرين والزبائن".

وتضيف، "اليوم انتشرت المقاهي الثقافية؛ ففي حيفا يوجد مقهى فتوش الذي استضاف مؤخرًا معرض الكتاب، وهذا إنجاز كبير على الصعيد الثقافي يبرهن أن دور هذا المقاهي أكبر مما نظن، ومقهى ليوان في الناصرة وغيرها".

وتؤكد تلحمي تأييدها لإنشاء مقاهي ثقافية، "فهل ثمة أحلى من أن تشرب فنجان قهوتك بحضور موسيقى ذواقة وأثاث مختلف وكتب على رفوف المقهى؟ أعتقد أن أمام المقاهي فرصة جيدة للقيام بدور أكبر من دورها التقليدي".

"ليخرج المثقفون من المقاهي"

الشاعر مُهيب البرغوثي يُشدد على أن دور المثقف "أن يخلق أرضًا محايدة لا أن يُخصص له مقهى ثقافيًا، فالفكرة عنصرية وتصنع فُرقة بين الناس" حسب اعتقاده.

يقول البرغوثي: "نحن المثقفون أكلنا مقلب بحالنا.. نسينا أن عامة الناس والمواطنين العاديين هم من يصنعون المُثقف، وهم من ينظرون إليه باحترام وتقدير أكثر من بعض نظرائه المثقفين الذين قد يمر الوقت معهم بالساعات في بعض المقاهي المحسوبة عليهم، وفي نهاية المطاف يقومون بإقصائك خارج الخارطة الثقافية".

"فكرة المقاهي الثقافية عنصرية وتصنع التفرقة بين الناس"

ويُضيف، "ما الذي يحكيه اليوم المثقفون في تلك المقاهي؟ يمارسون النميمة! يغارون من بعضهم البعض غيرة نساء. وعلى ماذا؟ من يمتلك متابعين أكثر على مواقع التواصل الاجتماعي. لا يوجد من يغار من الآخر بسبب إنتاجه الأدبي المميز".

إذن أين تلتقي أصدقاءك المثقفين يا مهيب؟ وماذا تحكون؟ قال: "في الأصل لا يوجد مقهى ثقافي، الناس تُطلق أحكامها ومسمياتها على بعض الأمكنة؛ لأنها ترى أغلب رواده الذين قد يتشابهون في الاهتمام الثقافي. هناك بعض المقاهي التي ألتقي فيها أصدقائي منهم الشاعر زياد خداش، إذ نتبادل الكتب ورأينا حولها، كما نحكي عن الحياة وحياتنا كشخصيين عاديين".

رغم ذلك، فإن البرغوثي يؤكد أن بعض المقاهي المحسوبة على المثقفين تُشكل له فرصة للالتقاء بالأصدقاء خارج فلسطين في بيروت والقاهرة وغيرها، ومن محاسنها - كما يقول - أن إحداها في القاهرة جمعته قبل عام مع صديقٍ بعد انقطاع التواصل بينهما منذ ما يزيد عن 20 عامًا.

الصحافي جميل ضبابات يدعو المثقفين بما فيهم الأدباء ليغادروا الأماكن المغلقة ومنها المقاهي، "ويستعيدوا لُحمةً ربما تآكلت بمرور الوقت مع الناس والمجتمع". سألناه: هل تجلس في المقاهي التي قد يكون أغلب روادها من المثقفين؟ فقال إنه لا يجلس في المقاهي أصلاً؛ "فلا رغبة لي بضوضائها ولا يجذبني أي أمر فيها" وفق قوله.

ويرى ضبابات أن المقاهي ما زالت تحتفظ بدورها الأساسي، وهو لقاء الناس ببعضها البعض رغم أن حاجتهم لمفهوم اللقاء صارت بعيدة عن الغُرف المغلقة وقريبة للفضاء التكنولوجي والتواصل عن بُعد.

ويُبين ضبابات أن بعض المقاهي قديمًا كانت تلعب دورًا مُهمًا في إدارة الحوارات لتكون بمثابة صالونات تضم - مثلاً - نقاشاتٍ سياسيةٍ هامة، مضيفًا، "لعبت مقاهي نابلس هذا الدور سابقًا، بل إن بعضها ساهم في تطور الحركة الاجتماعية في فلسطين والمنطقة العربية، فمقهى الهموز في شارع الشويتري بنابلس رقصت فيه المصرية تحية كريوكا وغنت فيه أم كلثوم".

ويُضيف، "المقاهي في الماضي لم تعتمد أسطوانات لفنانين كبار. كانت تُحضرهم ليغنوا فيها".

في رام الله تحديدًا، حيث يُقال إن أغلب المثقفين يسكنون هناك، يُمكنك أن تُلاحظ اهتمام بعض المطاعم والكافيهات بكتابة أبياتٍ أو أسطرٍ شعرية على الجدران، ورسم صورٍ لشعراء ومثقفين عرب وعالميين، في محاولة لمنح نفسها هذا الطابع، لكن في أغلب الأحيان يكون رواد هذه المقاهي من خارج الوسط الثقافي، ولا فعاليات ثقافية تُقام فيها.


اقرأ/ي أيضًا: