النساء في غزة: صدمات مركبة وأدوار تفوق طاقتهن البشرية
9 أكتوبر 2025
في الثالثة والثلاثين من عمرها، وجدت مجد السرساوي نفسها وحيدةً في مواجهة الحياة، بعد أن فقدت زوجها في حرب الإبادة الإسرائيلية. تعيل مجد طفلتيها سوار (5 أعوام) وعائشة (8 أعوام)، وتتنقّل بهما وسط النزوح والغلاء وانعدام الموارد، وفوق ذلك كلّه القصف الجنوني.
النساء في غزة يعشن حالة من "الصلابة الظاهرية"، يظهرن فيها متماسكاتٍ من الخارج، بينما يخفين خوفًا وضغطًا نفسيًا كبيرًا في الداخل
تقول مجد: "لم أكن أعلم يومًا أنني سأكون في هذا الخيار الصعب، أن أكون الأم والأب معًا". ورغم الفقد والظروف القاسية، ترفض مجد الاستسلام؛ فبعد تخرّجها في تخصّص تكنولوجيا المعلومات، بدأت العمل عبر الإنترنت في مجالات "الفريلانسر"، تبحث كل يوم عن فرصة جديدة تُعينها على إعالة طفلتيها وتمنحهما ما يشبه الحياة وسط هذا الخراب الكبير.
أما ربى الحايك، ففقدت زوجها وأخويها في قصفٍ على مخيم النصيرات، لتجد نفسها مسؤولة عن إعالة أربعة أطفال، إلى جانب والدتها المريضة. تعمل ربى على ماكنة خياطة قديمة أكلها الصدأ داخل خيمتها الصغيرة في مخيم بدير البلح، حيث تحيك الثياب لأطفال المخيم مقابل مبالغ زهيدة. وتقول: "كل غرزة خيط هي محاولة للبقاء. لا نملك إلا أن نحيا رغم الحرب".
من جانبها، تنقّلت فاطمة النجار ثلاث مراتٍ من بيت لاهيا إلى خانيونس، بعد أن دُمّر منزلها وفقدت زوجها في النزوح الثاني. وتعيل فاطمة اليوم أبناءها الثلاثة عبر بيع الخبز داخل المخيم، وتقول: "نستيقظ على الخوف وننام على الجوع، لكن لا بد أن يجدوا في وجهي القوة، حتى لو لم يبقَ منها شيء بداخلي".
درع في وجه الانهيار
يقول الطبيب النفسي يوسف عوض الله إن المرأة في غزة تواجه اليوم صدماتٍ مركّبة، تبدأ بفقدان الزوج أو أحد الأبناء ولا تنتهي عند حدود النزوح أو الفقر. "ومع ذلك، تظلّ واقفة، كأنها تتعلّم في كل مأساةٍ درسًا جديدًا في النجاة." يصف عوض الله هذه القدرة بـ"النجاة القسرية"، إذ تُجبر المرأة على الصمود لأن انهيارها يعني انهيار العائلة بأكملها، "فهي لا تصمد لأنها لا تتألم، بل لأنها تدرك أن قوتها صارت ضرورة لبقاء من تبقّى حولها"، أضاف.
ويؤكد عوض الله أن الأمومة تُشكّل أكبر حافزٍ نفسيّ للمرأة كي تواصل الحياة رغم الكارثة، "فوجود الأطفال يمنحها معنى وهدفًا، حتى لو كانت تعيش في خيمة أو على أنقاض بيتها". ويرى أن هذه القوة ليست بلا ثمن؛ فالنساء يعشن حالة من "الصلابة الظاهرية"، يظهرن فيها متماسكاتٍ من الخارج، بينما يخفين خوفًا وضغطًا نفسيًا كبيرًا في الداخل. وقال: "التوازن بين الحنان المطلوب والقسوة الضرورية في التربية وسط الحرب يشكّل معركةً يوميةً للأم الغزية".
ويضيف عوض الله أن النساء اللواتي أصبحن معيلاتٍ يتحمّلن أدوارًا تفوق طاقتهن البشرية: الأم، والمعيلة، والمربية، والممرضة، والحامية. هذا الضغط المتواصل قد يسبب أعراض قلقٍ واكتئابٍ مزمن، خصوصًا في غياب أيّ دعمٍ نفسيّ منظّم أو برامج مخصصة للنساء، "فالصمود المفرط قد يتحوّل بمرور الوقت إلى إنهاكٍ داخليّ إذا لم تجد المرأة من يحتضن وجعها أو يستمع إليها".
وينصح عوض الله النساءَ المعيلات "بمحاولة خلق لحظات راحةٍ قصيرة لأنفسهن مهما كانت الظروف: دقائق للهدوء، أو للحديث مع صديقة، أو لمشاركة المشاعر بدل كبتها." كما يحثّهن على إشراك الأطفال في المسؤوليات البسيطة بطريقة إيجابية لتخفيف العبء النفسي والشعور بالعجز.
ويكمل: "المرأة التي تصمد في وجه الحرب تحتاج من يساندها لا من يصفّق لها فقط. دعمها النفسي واجبٌ إنسانيّ، لأن صمودها يعني استمرار الحياة نفسها في غزة".
صورة جديدة من القيادة الأسرية
يقول الخبير الاجتماعي أمجد المفتي إن الحرب المستمرة في غزة أحدثت تحوّلًا عميقًا في بنية الأسرة الفلسطينية، حيث وجدت آلاف النساء أنفسهن فجأة في موقع المعيل والمسؤول الأول عن الأسرة بعد فقدان الأزواج أو الأبناء. "وهذا التحوّل ليس مجرد ظرفٍ مؤقت، بل مؤشرٌ على تغيّرٍ اجتماعيّ متسارع فرضته الحرب، أعاد تعريف القوة والدور التقليدي للمرأة داخل المجتمع".
ويضيف المفتي أن "ما نراه اليوم من نساءٍ يتحمّلن عبءَ الإعالة والعمل وتربية الأطفال معًا هو صورة جديدة من القيادة الأسرية، تقوم على المرونة والقدرة على التكيّف وسط أقسى الظروف. فالمجتمع الذي اعتاد أن يكون الرجل محور الاستقرار، بات يعتمد فعليًا على النساء في بقاء الأسرة على قيد الحياة، وفي حماية تماسكها الاجتماعي رغم النزوح والفقر".
ويشير المفتي إلى أن غياب المعيل لا يعني فقط فقدان مصدر الدخل، بل اختلال التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة، خاصة للأطفال الذين يجدون صعوبة في تقبّل الواقع الجديد. "ولذلك تلعب الأم دورًا مزدوجًا: تعويض الفقد العاطفي وتوفير الإحساس بالأمان في بيئةٍ منعدمة الأمان".
ويرى أن التحدي الأكبر اليوم هو تحويل هذا الصمود الفردي إلى دعمٍ مجتمعيّ منظّم، من خلال شبكات مساندةٍ محلية وبرامج تمكينٍ اقتصاديّ تحفظ كرامة النساء بدل تحويل المساعدات إلى أداة إذلالٍ أو تبعية. ويقول: "المرأة الغزية لا تحتاج الشفقة، بل تحتاج شراكةً حقيقية في إعادة بناء الحياة. لقد أثبتت أنها قادرة على النهوض من تحت الركام، لكن لا يمكنها أن تستمر وحدها إلى الأبد".
ويضيف أن تجربة النساء المعيلات يجب ألّا تُختزل في صورة البطلة الصامدة فقط، بل أن تُفهم بوصفها علامةً على تحوّلٍ اجتماعيّ عميق يطال القيم والعلاقات وأدوار الأفراد داخل الأسرة الفلسطينية. ويكمل: "الصمود هنا ليس بطولةً رومانسية، بل ضرورة وجودية تكتب بها النساء فصول البقاء في وجه المحو".
تجربة النساء المعيلات يجب ألّا تُختزل في صورة البطلة الصامدة فقط، بل أن تُفهم بوصفها علامةً على تحوّلٍ اجتماعيّ عميق يطال القيم والعلاقات وأدوار الأفراد داخل الأسرة الفلسطينية
ويعتقد المفتي أن إعادة بناء النسيج الاجتماعي في غزة بعد الحرب لا يمكن أن تتمّ من دون الاعتراف بالدور الجوهري الذي أدّته النساء خلال الكارثة، خاصة اللواتي أصبحن معيلاتٍ لأسرهن. ويؤكد أن دعمهن لا يجب أن يقتصر على المساعدات المادية، بل أن يشمل برامج تمكينٍ اجتماعيّ واقتصاديّ تحفظ كرامتهن وتعيد دمجهن في الحياة العامة كقوةٍ فاعلة لا كضحايا.
ويشدّد على أهمية إنشاء مراكز دعمٍ نفسيّ واجتماعيّ داخل المخيمات والمناطق المدمّرة، تكون قريبة من النساء وتستجيب لاحتياجاتهن الواقعية، إلى جانب تدريب كوادر محليةٍ نسوية لتقديم الإرشاد والمساندة. كما يدعو إلى تشجيع المبادرات النسوية التعاونية التي تسمح للنساء بمشاركة الموارد والخبرات، مما يخفّف عنهن عبءَ الإعالة الفردية ويخلق روحًا جماعيةً من الصمود.
الكلمات المفتاحية
في النبي صموئيل.. الحاجز يقرع جرس المدرسة
في السابعة صباحًا، تصعد سمر بركات إلى الباص الوحيد الذي يقلّ أهالي النبي صموئيل، ومعها طلاب القرية بحقائبهم المدرسية
من علم إلى بؤرة.. هكذا يتوسع الاستيطان في الخليل
في الطريق الالتفافي الواصل لقرى وبلدات محافظة الخليل، وعلى قمم الجبال، تظهر وتيرة غير مسبوقة في تطور البؤر الاستيطانية، قد تبدأ بعلم إسرائيلي، أو نجمة داوود، أو مظلة خشبية، أو خيمة أو كرفان، ثم سرعان ما تتطور لتعلن عن بؤرة استيطانية
3 سنوات لحرب العملات.. غزة تدفع ثمن تصفية النقد لصالح الرقمنة الإجبارية
يقول مدير الإعلام في غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، ماهر الطباع، إن أزمة السيولة النقدية لم تبدأ اليوم، بل انطلقت مع بداية الحرب، ليتجه الجميع تدريجيًا نحو الدفع الإلكتروني
أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا تدعو السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن تأجيل الانتخابات
أعرب وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة عن أسفهم الشديد لقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل انتخابات المجلس التشريعي والانتخابات الرئاسية إلى أيلول/سبتمبر 2027
مسؤول عسكري إسرائيلي: هجمات المستوطنين في الضفة تتصاعد وهدفها التهجير
حذرت المؤسسة الأمنية من أن استمرار الاعتداءات قد يؤدي إلى تداعيات استراتيجية على إسرائيل والمستوطنات
من علم إلى بؤرة.. هكذا يتوسع الاستيطان في الخليل
في الطريق الالتفافي الواصل لقرى وبلدات محافظة الخليل، وعلى قمم الجبال، تظهر وتيرة غير مسبوقة في تطور البؤر الاستيطانية، قد تبدأ بعلم إسرائيلي، أو نجمة داوود، أو مظلة خشبية، أو خيمة أو كرفان، ثم سرعان ما تتطور لتعلن عن بؤرة استيطانية
الحائزة على نوبل نافي بيلاي لـ"العربي": ما يجري في غزة إبادة جماعية
قالت الحائزة على جائزة نوبل للسلام، نافي بيلاي، في مقابلة مع التلفزيون العربي، إن الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خطرة وترقى إلى إبادة جماعية