اليوم في غزة: نهارٌ مقتول وليلٌ من ألم!
5 فبراير 2025
مع استمرار العدوان والحصار، يعيش سكان قطاع غزة أيامًا تُختزل في صراعٍ يومي للبقاء. الليل لكلّ شيء إلّا الراحة، وهو امتدادٌ للرعب والخوف والظلام، ولاستقبال البرد القارس، ومياه الصرف الصحي التي تغمر الخيام، وفي النّهار معارك لا تنتهي من طابور الماء إلى طابور الخبز.
طوابير موت، وكذلك طوابير حياة، كل شيء في غزة صار يستدعي طابورًا طويلًا؛ طابور مياه، طابور خبز، طابور أمام تكيّة الطعام، طابور لشحن الجوال.. كيف تنهش الحرب حياة مليوني إنسان؟
تستيقظُ هناء صبح (47 عامًا) منذ الصباح الباكر لتُلملم "الزفتة" من أحد المباني القريبة لإشعال النار وإعداد الإفطار لأفراد عائلتها العشرة، على بوابة خيمتها بمخيم "قربان" غرب مدينة غزة، فيما تُرسل ابنتها الأصغر إلى أحد المخابز الباقية في المدينة، لإحضار "ربطة خبز" بعد أن تصطفّ لنحو 4 ساعات أمام طابور المخبز.
يضيق وقت "هناء"، فمن معاناة تجهيز الإفطار، إلى تنظيف الخيمة، ومن ثم الالتحاق بطوابير شاحنات المياه الإغاثية وبعدها إلى تكايا الطعام حيث تنتظر حتى تملأ إناءها، فعائلتها تتناول وجبة الغذاء بعد الظهر وفقًا لموعد التكية، ومن ثم إلى تنظيف الأواني.
تقول إنّها تمضي الـ 24 ساعة من يومها بالركض من المياه إلى التكية وحتى التنظيف بأقصى سرعة، ويوم الغسيل يستغرق النّهار، و"لو اشتهت نفسك أكلة معيّنة ستحتاجين نهارًا آخر".
وتضيف: "عندي براد النار ويجب عليّ أن أنزع منه السواد حتى استخدمه لشرب المياه. وبعد جلي الأواني يأتي دور استحمام أطفالي وغسل ملابسهم"، لتنتهي هي بعد ذلك "بظهر مهدود من مسح الخيمة"، كما تقول.
وتشير هناء إلى دور غياب وسائل المواصلات في ابتلاع يومها في حالة اضطرارها للخروج "اليوم الذي أخرج فيه من الخيمة ألغي كل مشاغلي، خروجي للحصول على طرد غذائي معيّن نيابة عن زوجي المريض يأخذ وقتي بالمشي، ويأكل من صحتي، فأنا مصابة بقدمي، عدا عن تعب الطرق المهدّمة".
تقول إنّها تحرص على استقبال الليل بنوم أطفالها مبكرًا خوفًا من تصاعد الأحداث، وترى أنّ "الليل قاتل أكثر من النهار" فهي تختنق من الأماكن المغلقة ولا تستطيع النوم من التفكير، وبسبب آلام جرحها غير الملتئم، ويصير أكبر طموحها الحصول على المهدئات كي تنام، وتضطر أحيانًا للجلوس على باب الخيمة بانتظار أن "يطلع النهار".
هناء: الليل قاتل أكثر من النهار.. أختنق من الأماكن المغلقة ولا أستطيع النوم من التفكير ومن آلام جرحي غير الملتئم
ومع أنّ وقف إطلاق النار ما يزال ساريًا حتى الآن، إلّا أن الأم هناء ما تزال تتخوّف من مباغتة الصواريخ ليلًا، أو من اضطرار أبنائها لقضاء حاجتهم، وتقول إنّها تحسب "ألف حساب لشظايا الصواريخ واحتمالية احتراق الخيمة".
وفي مثل هذه الأجواء الماطرة، الليل والنهار بالنسبة لها يتساويان في القسوة، ففي الجو الماطر، الحياة صعبة في الخيام. الأغطية تتبلل غالبًا، والغسيل لا يجفّ، وليس هناك ما يكفي من الملابس من الأساس، ومن يمرض يصيب بالعدوى بقيّة أفراد العائلة. وتقول إنّها تطمح للعودة إلى حياتها لتجتمع وجاراتها حول أكواب "النسكافيه" في حديقة منزلها في بيت لاهيا أقصى شماليّ القطاع.
أما حسن أبو وردة (71 عامًا) والذي نزح من مدينة جباليا إلى مخيّم ملعب اليرموك غرب غزة فلا يسيطر على نهاره إلا الحسرة، كما يعيش في دوامة تفكير لا يتوقف. ويقول: "طول نهاري صافن، قاعد لا شغلة ولا عملة، ولا فلوس ولما أساعد أنقل فقط 4 لتر من المياه الإغاثية، ولا أشعر سوى بالعجز والبرد والخوف والجوع والإهانة، ليس نهاري المقتول فقط، أنا نفسي هلكت من الحال الذي وصلت له".
وبينما ترافق الشمس أبو وردة في جلسته وسط شارع الملعب من الشروق حتى المغيب، يحاول التجوّل بين أزقة المخيم هربًا من حالته، وفي ذلك يقول: "خلال نهاري أحيانًا أحرّك جسمي وأجمع نفايات المخيم للنار، وأحيانًا أُلملم فتات الخبز الذي يرميه أطفال المخيم وأجففه لاستخدامه في الإشعال".
حسن أبو وردة: كل دقيقة أموت 100 مرة نفسيًا وجسديًا.. فقدت 70 كيلوغرامًا من وزني، ولم يبقَ لي سوى جمع فتات الخبز
ويضيف: "نحن محاصرين حتّى في لقمتنا، العين بصيرة واليد قصيرة، واليوم الذي يمر بلا [طعام] تكية نبيت بلا عشاء، وإذا لم تأتِ الشاحنة الإغاثية نشرب المياه المالحة"، ويلفت إلى أنه في كل دقيقة يموت 100 مرة نفسيًا وجسديًا.
يحاول أبو وردة تجنّب الخروج من المخيم بسبب ارتفاع تكلفة المواصلات وضعف حركته. وفي الليل تتكاثر عليه الهموم. يقول إنّ الشعور بالإهانة يكبّله، عدا عن معاناته من البرد، وتفجّر مياه الصرف الصحي بين أزقة المخيم.
وفي حي الدرج شمال قطاع غزة يقضي الصحفي أحمد قنن (28 عامًا) نهاره في البحث عن نقاط الطاقة البديلة لشحن هاتفه من أجل إتمام عمله في التغطية الإعلامية والتواصل. كما يشحن "كشافات" المنزل لمجابهة عتمة الليل بمنزله، قائلًا "بشق الأنفس نستطيع شحن أجهزتنا الذكية؛ لممارسة عملنا الصحافي عبر الهاتف".
وبينما يصف قنن طوابير المياه والطعام الإغاثي بـ "طوابير الموت"، يشارك الناس منذ بداية الحرب، الانتظار والخوف والجوع، عدا عن مساعدته لأهله في إشعال مواقد الطهي وتسخين مياه الاستحمام.
الصحفي أحمد قنن: طوابير المياه طوابير موت.. أشحن هاتفي بشق الأنفس لأغطي الحرب، بينما أخشى أن أُقتل وأنا أبحث عن قصة
يقول قنن: "النهار ضيّق لدرجة أن أتعب من محاولة توفير شبه الطعام، كما أن تكاليف العمل الصحفي تلاحقني على رأس كل ساعة عدا عن البحث عن قصص الإنسان المشرّد وسط الخطر".
ويضيف: "الوسيلة الوحيدة للتنقل في الحرب هي الدراجة الهوائية أو المشي لإنجاز المهام وسط طرق وعرة، ونعيش على أمل أن نقضي ولو مهمة عمل واحدة بسرعة"، لافتًا أن ذلك يكلفه جهدًا بدنيًا وعقليًا ونفسيًا مضاعفًا.
وينوّه الصحافي قنن إلى دور أخبار الفقد في تعطيل مهامه العملية والمنزلية، ويوضح أن جدولة المهام في الحرب مهمّة يصعب الحديث عنها؛ لأن للحرب تكاليف تفوق المستحيل.
ويقول إنّه يكره ليل غزة بقدر خوفه من تبخر جثمانه دون أن يودعه أحد، لافتًا أنه يتوق إلى عشاء عائلي لا شتات فيه، كما يشتاق للذهاب للعمل بأمان.
وبالاتجاه إلى مدينة خانيونس جنوب القطاع، يؤكد الشاب جواد العقاد (26 عامًا) على محاولته الهروب من الحرب عبر نافذة الشعر، كما أنه يستمر في توثيق أحداث الإبادة بالكتابة.
ويوضح جواد العقاد أنّ الخوف وتأمين الماء والطعام وجمع الحطب باتوا ضمن روتينه اليومي "أحيانًا يأتي العمل في الصحافة أو الكتابة متأخرًا، لأن تأمين الاحتياجات يشغل معظم وقتي، وأحيانًا أضطر للتخلي عن بعض المهام لأمنح عائلتي الأولوية لاسيما وأن عبء التفكير في كل لحظة يثقل على الروح".
ويشير العقاد إلى التسوّق كمغامرة مرهقة نفسيًا وجسديًا في ظل ارتفاع الأسعار وندرة البدائل، مضيفًا أن "النهار بات يحمل ثقلًا لم نعتده، وضيق الوقت والشعور بالاستعجال يزيد من الضغط، وكثيرًا ما يتحول الوقت إلى عدو"، كما أن الليل، الذي كان يُعد وقتًا للراحة، أصبح مرعبًا ومليئًا بالهواجس.
وبات جواد ينتظر ساعات الليل المتأخرة للعمل بعد أن يخلد الجميع للنوم، مؤكدًا أن المشاعر مزدحمة بالخوف والألم، وأنه يتمنى أن يعود الهدوء ليومه؛ ليأخذ قسطًا من الراحة بلا شعور بالذنب.
جواد العقاد: النهار يحمل ثقلًا لم نعتده.. الوقت تحوّل إلى عدو، والكتابة صارت هروبًا من واقعٍ ينهش الروح
من جانبها تؤكّد آلاء حلس (25 عامًا) على قسوة نهار الحرب الذي تبدأه منذ الصباح بالذهاب إلى إحدى الخيام التي تم تحويلها إلى صيدلية خاصة في منطقة مواصي خانيونس جنوب القطاع.
وتؤكد أنها تقضي معظم وقتها في الصيدلية بين خدمة الناس وعواصف التفكير، وفي ذلك تقول: "أشعر كأني أعيش كابوسًا طوال الوقت، وخلال دوامي أسأل نفسي: لماذا أنا هُنا، لماذا أعمل في خيمة؟! وبعد أن ينتهي عملها عند الرابعة مساءً تقريبًا، تعود وتتناول الغداء مع عائلتها في خيمتها، وأحيانًا تستسلم للتفكير والبكاء".
آلاء حلس: أعيش في كابوس.. الخيمة غارقة بمياه المجاري، والنوم مستحيل.. أحيانًا أتمنى أن أستيقظ لأجد كل هذا حلمًا
أما عن الليل، فقد أكدت حلس أن ليل المخيم يأتي باكرًا حيث ينام الجميع قرابة الساعة السابعة، مضيفةً "الكل ينام إلا أنا، أجلس على هاتفي، أُقلّب صور الماضي وأبكي ولا أصدق أني أعيش وأنام في خيمة بالعراء، اختنق، تجتاحني نوبة بكاء مع تفكير لا يتوقف، وأظل على هذه الحالة حتى يغلبني النعاس قرابة الساعة 12 ليلًا وأحيانًا فيما بعد".
وتشير آلاء إلى قسوة هذه الأيام في المخيّم، حيث يسكن النهار والليل هواجس مرعبة، أبرزها الخوف والجوع، بينما يموت بعض سكان المخيم من قسوة البرد.
وتضيف: "تبهدل حالنا، دخلت على خيمنا مياه المجاري، أشعر أني أعيش في مستنقع من القرف، لا أستطيع المشي ولا الجلوس ولا النوم".
الكلمات المفتاحية
من "القالوشة" إلى "الجورعة": موسم الدراس والبيدر
سمى الفلسطينيون شهر حزيران باسم "أقلاش" نسبة إلى القالوشة، وهي المنجل المستخدم لحصاد القمح والشعير وغيرها من الحبوب.
بعد 32 شهرًا في الاعتقال الإداري.. الإفراج عن القيادي في حماس حسن يوسف
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، عن القيادي البارز في حركة "حماس" الشيخ حسن يوسف، بعد قضائه نحو 32 شهرًا رهن الاعتقال الإداري
القمح والخبز في التراث الفلسطيني: أساطير القداسة وطقوس الحصاد
لا يقتصر موسم الحصاد الممتد من أيار إلى آب على القمح وحده، بل يرافقه الشعير والبقوليات كالحمص والفول والعدس، والذرة والسمسم، وهي محاصيل تسد حاجة الإنسان، وتعلف الحيوانات التي هي شريكة الفلاح في الكد
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية