انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: تجديد للشرعية أم إعادة هندسة النظام السياسي؟
10 يونيو 2026
يصعب التعامل مع مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل باعتباره خطوة ديمقراطية طبيعية أو استحقاقًا مؤجلًا طال انتظاره. فالسياق السياسي الذي جاء فيه القرار، وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني الراهن، وآليات تشكيل المجلس الوطني نفسها، كلها تدفع إلى قراءة أكثر عمقًا وأشد نقدًا لما يجري. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أم لا، بل ما إذا كانت ستؤدي فعلًا إلى تجديد الشرعية الفلسطينية، أم أنها ستتحول إلى أداة لإعادة إنتاج النظام القائم ومنحه غطاءً مؤسسيًا جديدًا لفترة قادمة.
على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، تعطلت الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية، وتآكلت شرعية المؤسسات السياسية نتيجة غياب التداول الديمقراطي للسلطة. وخلال هذه الفترة استمرت القيادة ذاتها في إدارة الشأن الفلسطيني دون العودة إلى الناخبين، فيما اتسعت الفجوة بين المؤسسات الرسمية والرأي العام الفلسطيني. ولذلك كان من المتوقع أن يكون أي مسار جدي لتجديد الشرعية من خلال انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة تسمح للشعب الفلسطيني باختيار قيادته وبرنامجه السياسي.
من المؤكد أن انتخابات المجلس الوطني المقبلة لا تبدو مجرد عملية انتخابية عادية، بل معركة سياسية كبرى على مستقبل النظام الفلسطيني بأسره
غير أن قرار عباس اتجه نحو مسار مختلف تمامًا. فبدلًا من فتح الباب أمام انتخابات عامة قد تنتج قيادة جديدة أو موازين قوى مختلفة، اختار الذهاب إلى انتخابات المجلس الوطني، وهي الساحة التي تمتلك القيادة الحالية قدرة أكبر بكثير على التحكم بمخرجاتها وتركيبتها النهائية.
من الناحية النظرية، يمثل المجلس الوطني الفلسطيني أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي ينتخب المجلس المركزي واللجنة التنفيذية ويحدد السياسات العامة للمنظمة. وبالتالي فإن السيطرة على المجلس الوطني تعني عمليًا السيطرة على كامل الهرم السياسي الفلسطيني داخل منظمة التحرير، بما يشمل مؤسساتها وقياداتها ومستقبلها السياسي.
وهنا يبرز أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في العملية المرتقبة. فوفق الصيغة المعلنة، سيتكون المجلس الوطني من 350 عضوًا، ينتخب منهم 200 عضو من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما سيخصص نحو 150 مقعدًا لفلسطينيي الشتات. غير أن المشكلة تكمن في أن انتخاب أعضاء الخارج بصورة مباشرة يكاد يكون متعذرًا في معظم أماكن وجود التجمعات الفلسطينية، سواء لأسباب سياسية أو قانونية أو لوجستية. وهذا يعني عمليًا أن نسبة كبيرة من هؤلاء الأعضاء قد يتم اختيارهم أو تعيينهم عبر تفاهمات سياسية وتنظيمية وليس عبر صناديق الاقتراع.
وبحسابات الأرقام وحدها، فإن كتلة من 150 عضوًا يجري اختيارها بآليات غير انتخابية كاملة يمكن أن تكون كافية لترجيح كفة أي تيار داخل المجلس الوطني، خصوصًا إذا أضيفت إلى نفوذ حركة فتح التاريخي داخل مؤسسات منظمة التحرير. وهنا فإن الحديث عن انتخابات شاملة يصبح مضللًا إلى حد ما، لأن جزءًا مهمًا من تركيبة المجلس سيبقى خاضعًا للتعيين أو التوافقات السياسية، بما يتيح للرئيس عباس وللدائرة المحيطة به ضمان أغلبية مريحة داخل المجلس الجديد والتحكم بقراراته.
ولا تتوقف أهمية هذه المسألة عند حدود المجلس الوطني نفسه. فالمجلس المنتخب سيختار لاحقًا المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أي أنه سيعيد تشكيل جميع مراكز القوة السياسية الفلسطينية تقريبًا. ومن هنا فإن الخشية أن تتحول الانتخابات إلى عملية متكاملة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني من القمة إلى القاعدة، بحيث تصبح مؤسسات المنظمة كافة خاضعة لتركيبة سياسية صُممت مسبقًا لضمان استمرار النهج القائم.
وتزداد هذه المخاوف في ضوء التوقيت السياسي للقرار. فالرئيس عباس يبلغ من العمر ما يزيد على التسعين عامًا، فيما تتصاعد النقاشات الفلسطينية حول مرحلة ما بعد غيابه عن المشهد وحول هوية القيادة المقبلة. وفي هذا السياق، تبدو انتخابات المجلس الوطني بالنسبة لكثيرين محاولة لترتيب عملية انتقال السلطة مسبقًا، ليس عبر الاحتكام إلى الشارع الفلسطيني، وإنما عبر إعادة تشكيل المؤسسات التي ستختار القيادات القادمة.
كما لا يمكن فصل هذه الخطوة عن المؤتمر العام الثامن لحركة فتح الذي عقد مؤخرًا. فالمؤتمر لم يكن مجرد محطة تنظيمية داخلية، بل شهد إعادة ترتيب واسعة لمراكز النفوذ داخل الحركة وصعود شخصيات جديدة مقربة من مركز القرار. ولذلك ينظر كثير من المراقبين إلى المؤتمر باعتباره الخطوة الأولى في عملية سياسية متكاملة، جاءت انتخابات المجلس الوطني لتشكل خطوتها الثانية.
فالهدف بالنسبة لقيادة فتح لا يقتصر على الفوز بالانتخابات، بل يتعداه إلى تثبيت هيمنتها على مؤسسات منظمة التحرير لسنوات طويلة قادمة، بما يضمن استمرار الحركة باعتبارها القوة المهيمنة داخل النظام السياسي الفلسطيني بغض النظر عن التحولات الشعبية أو السياسية المستقبلية.
أما المعارضون لمرسوم انتخابات المجلس الوطني، فيطرحون جملة من الاعتراضات الجوهرية. أولها أن تجديد الشرعية يجب أن يبدأ بانتخابات رئاسية وتشريعية مؤجلة منذ سنوات طويلة، لا بانتخابات مؤسسة لا تمارس عمليًا دورها التشريعي اليومي في حياة المواطنين. فالمواطن الفلسطيني الذي حُرم من انتخاب رئيسه وممثليه في المجلس التشريعي لا يرى في انتخابات المجلس الوطني بديلاً حقيقيًا عن حقه في اختيار السلطة التي تدير شؤونه المباشرة.
وثاني هذه الاعتراضات يتعلق بغياب التوافق الوطني. فالقوى الفلسطينية الرئيسية خارج إطار منظمة التحرير، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لا تبدو جزءًا من العملية السياسية الجديدة. وبالتالي فإن الانتخابات قد تنتج مجلسًا وطنيًا يفتقر إلى تمثيل شريحة واسعة من الفلسطينيين، الأمر الذي يضعف قدرتها على إنهاء أزمة الشرعية بدلًا من حلها.
أما الاعتراض الثالث فيرتبط بآليات التمثيل نفسها. فالمعارضون يتساءلون كيف يمكن الحديث عن تمثيل ديمقراطي شامل بينما يجري انتخاب جزء من الأعضاء وتعيين أو اختيار جزء آخر؟ وكيف يمكن ضمان تمثيل حقيقي لملايين الفلسطينيين في الشتات إذا لم يتمكنوا من المشاركة المباشرة في اختيار ممثليهم؟
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الانتخابات المرتقبة ليست استجابة لمطلب الإصلاح الديمقراطي بقدر ما هي استجابة لحاجة سياسية داخلية وخارجية. فمن جهة، تحتاج القيادة الفلسطينية إلى تجديد غطاء الشرعية لمؤسساتها أمام المجتمع الدولي، خصوصًا في ظل النقاشات الجارية حول مستقبل غزة بعد الحرب. ومن جهة أخرى، تحتاج إلى ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني قبل الدخول في مرحلة ما بعد عباس.
ولا شك أن الحرب على غزة وما تبعها من تحولات إقليمية ودولية لعبت دورًا مهمًا في تسريع هذه الخطوة. فهناك إدراك متزايد داخل الأوساط الدولية بأن أي ترتيبات سياسية قادمة ستحتاج إلى عنوان فلسطيني موحد يمكن التعامل معه. ولذلك تسعى القيادة الفلسطينية إلى تعزيز موقع منظمة التحرير باعتبارها المرجعية الوحيدة المعترف بها دوليًا.
غير أن المشكلة تكمن في أن الشرعية لا تُستمد فقط من اعتراف الخارج، بل من قبول الداخل أيضًا. فحتى لو نجحت الانتخابات في إنتاج مؤسسات جديدة، فإنها قد لا تنهي أزمة الثقة المتراكمة بين الجمهور الفلسطيني والقيادة السياسية إذا شعر المواطنون أن النتائج جرى ضبطها مسبقًا أو أن العملية برمتها صُممت للحفاظ على موازين القوى القائمة.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام مرسوم عباس. فالتاريخ السياسي الفلسطيني مليء بالمؤسسات التي امتلكت شرعية قانونية، لكنها افتقرت إلى الحيوية الشعبية. وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس مجرد إعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير، بل إعادة بناء العقد السياسي بين القيادة والشعب على أسس ديمقراطية واضحة وشفافة.
من المؤكد أن انتخابات المجلس الوطني المقبلة لا تبدو مجرد عملية انتخابية عادية، بل معركة سياسية كبرى على مستقبل النظام الفلسطيني بأسره. فهي ستحدد شكل منظمة التحرير، وهوية قيادتها، وآليات اتخاذ القرار فيها، وربما طبيعة المرحلة التي ستلي غياب الرئيس محمود عباس نفسه.
لكن ما يثير الجدل أن هذه المعركة تُخاض في ظل قواعد يعتقد كثيرون أنها تمنح القيادة الحالية أفضلية كبيرة، وتسمح لها بالتحكم في جزء مهم من النتائج قبل أن تبدأ المنافسة أصلًا. ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا حتى يوم الاقتراع ليس من سيفوز بالانتخابات، بل ما إذا كانت هذه الانتخابات ستنتج بالفعل شرعية جديدة، أم أنها ستؤدي فقط إلى إعادة إنتاج الشرعية القديمة بثوب مؤسساتي جديد.
الكلمات المفتاحية
حساسية الإبادة غير المفرطة
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي
ملامح أزمة جديدة في حركة فتح
تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية
بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة
الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.
تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة
برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.
"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح
وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.
استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62
بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.