أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.54
سعر الصرف 3.57
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.99
سعر الصرف 5.05
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.99
سعر الصرف 4.02

"باب الساحة" شاهد على حكايات نابلس

1651 مشاهدة
"ساعة المنارة" أحد أهم معالم "باب الساحة" وسط نابلس 2007 (جعفر اشتية AFP)

مشهد آخّاذ تملؤه الهيبة، ذلك الذي بالإمكان رؤيته من داخل مقرّ "السرايا العثمانيّ"، حيث الإطلالة على "باب الساحة" أو ما يُعرف بـ "ساحة النصر" وسط البلدة القديمة في مدينة نابلس. تلك الساحة التي شهدت تشكّل الحياة السياسية والدينية والاجتماعية، تحديدًا منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى نهايات القرن العشرين.

   باب الساحة أو ساحة النصر؛ المكان الوحيد الذي ظلّ لوقت طويل الفضاء الأوسع مساحة، والأجلّ قدرًا وقيمة على مدار تاريخ نابلس، وكان مركزًا مهمًا للمدينة  

أم حمدي، والتي لم يظهر عليها معرفتها الدقيقة بطبيعة المبنى الذي تسكنه منذ العام 1967، دعتنا للدخول بكل لطف إلى الغرفة الرئيسة في منزلها لنذهب مباشرة إلى النوافذ التي كان يراقب منها القائم مقام العثماني، حين اختار المبنى ليكون أوّل مقرّ للحكم العثماني المباشر منذ العام 1860، وهي الفترة التي تذكر كتب التاريخ بأنّها الفترة الأشدّ تحوّلًا في التاريخ الفلسطيني، فقبلها كان الحكم يُدار من قبل "شيوخ النواحي" أو إقطاعيي المدن والقرى من قصورهم.

إطلالة على باب الساحة، من داخل "السرايا العثماني"

إطلالة على باب الساحة، من داخل "السرايا العثماني"

اقرأ/ي أيضًا: الاستقبالات النابلسية.. رحلة في عالم النساء المنسي

أبو عماد حلاوة الذي رافق "الترا فلسطين" إلى البيت، أشار لزاوية في الغرفة وقال "هُنا كانت تُعقد المحكمة"، وهُنا كان يُقضى في القضايا التي تخص نابلس.

يقول المؤرخ عبد الله كلبونة إنّ ساحة النصر كان لها دور في العهد الرومانيّ، ورغم أنّ لكل حارة ساحة خاصة بها، إلّا أنّ ساحة النصر كانت هي الفضاء العمومي، وتطل عليها الأبنية المهمة؛ فباب الساحة، هي إحدى الساحات الرومانية التي اندثرت وأصبح مكانها بستان ولم تكن قبل مئتي عام بمفهوم الساحة، فقد كانت مثل بستان، وممر أمام الجامع، ولكن عندما أهدى السلطان عبد الحميد مدينة نابلس الساعة المشهورة، بمناسبة عيد جلوسه على العرش الفضي، سنة 1900، تم استملاك جزء من هذا البستان وتبرع الأهالي والبلدية وأقاموا برجًا لهذه الساعة، ثم جاء آل طوقان والنمر وأقاموا الخان الجديد، فأصبحت المساحة ما بين جامع النصر القديم والحديث والسوق هي المعروفة بـ "باب الساحة".

صورة لباب الساحة 1898، قبل بناء برج ساعة المنارة

بباب الساحة نجد أحد أهم نماذج التعاقب الديني ما بين الديانات للمكان نفسه؛ فمسجد "النصر" الذي كان معبدًا وثنيًا، ثم صار كنيسة رومانية، ثم مسجدًا إسلاميًا، وبعدها تحوّل لكنيسة صليبة، ثم أعاده صلاح الدين الأيوبي إلى مسجد. وبعد أن هُدم بسبب زلزال عام 1927، أقام المجلس الإسلامي الأعلى مسجدًا فوق المسجد القديم، وأعاد بناءه على الطراز التركيّ العثماني.

  تمثّل منطقة "باب الساحة" الغذاء الروحي لنابلس، فيعود لأخذ مكانته المرموقة في شهر رمضان، وعشيّة الاحتفالات الدينية مثل المولد النبوي   

أمّا عن المكانة السياسية والإدارية، فيقول كلبونة إنّ "باب الساحة" كان بمثابة الفضاء العموميّ للمدينة القديمة، ففي الجهة الجنوبية كان مبنى سرايا الحكومة التركية العثمانية، وهو بناء يعود للفترة المملوكية، وكان بمثابة محافظة، واحتوى 14 دائرة حكوميّة، إضافة إلى مسكن الوالي الذي يطل على "باب الساحة".

صورة لباب الساحة ومسجد النصر القديم عام 1898

وفي الجهة الشرقية –يقول كلبونة- كان هناك دائرة الأوقاف، وحمام الريش. بينما وُجد في الجهة الشمالية الدور السكنية، وخان التجار، أي أنّ باب الساحة كان في بؤرة النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمدينة نابلس.

في ثلاثينيّات القرن الماضي، وتحديدًا ثورة 1936، كانت التجمعات والاحتجاجات السياسية تتم في "باب الساحة". وفي العهد الأردني شكّل بؤرة لانطلاق المسيرات الغاضبة، الأمر الذي دفع بعض القوميين والشيوعيين لإعلان دولة فلسطينية مستقلة والانفصال عن الأردن، واعتبارها جزءًا من دولة الوحدة العربية في المنطقة، في ظلّ أجواء الوحدة المصرية السورية في حينه.

وفي الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كانت مسيرات المواجهة مع الاحتلال الإسرائيليّ تنطلق غالبًا بعد صلاة الجمعة من مسجد النصر.

   المعلم الأبرز في باب الساحة هو "ساعة المنارة" وبرجها المكوّن من خمسة طوابق   

أبو عماد حلاوة (83 عامًا)، الذي يملك مطعمًا في منطقة "باب الساحة"، افتتحه والده منتصف العقد الثالث من القرن الماضي، يشرح لـ "الترا فلسطين" كيف أنّ هذا المكان كان بمثابة العاصمة السياسية والتجارية والاجتماعية بقوله "كل الزعامات كانوا هون" سواء من السياسيين أمثال فريد عنبتاوي وولديه فائق ومصطفى، أو المعارضين بزعامة راغب باشا النشاشيبي في القدس، وأمثال مصري وشكعة وعبد الهادي وطوقان، وكذلك التجار مثل عنبتاوي ومحمود الشكعة شقيق الحاج أحمد الشكعة، ورضوان النابلسي ورياض شاهين وعزمي عبد المجيد وعرفان عرفات".

ويشير حلاوة الذي كان طفلًا في حينه، إلى أنّ والده كان يومئ له بأن يخفض صوته حين يعلو، بحجّة أنّ هُنا "أناس أكابرية".

ولا يزال حلاوة يتذكّر "أيام العز" لباب الساحة، مثل فعاليّات "السوق نازل" والأغاني والأهازيج الرمضانية، والحكواتي أبو حسين سرية الذي كان يروي قصصه عام 1945 في قهوة غالب ياسين، وكان يصمم ألعابًا وأشكالًا كرتونيّة "كركوز" ويحضر الجميع العروض التي يقوم بها. كما يتذكّر أيضًا الجنود العراقيين، بعد "النكبة" حين كانوا يأتون إلى الحمام في "باب الساحة" ليستحموا، ثم يجلسوا في المقاهي.

اقرأ/ي أيضًا: الختامة.. فرحة اندثرت في نابلس

لكن دوام حال "باب الساحة" من المُحال كما يُقال، فقد تراجعت أهمّيتها كفضاء سياسي، واجتماعي، على مراحل خلال القرن العشرين، كان أولها في عهد "نعيم عبد الهادي" رئيس بلدية نابلس في سنوات الخمسينيات، والذي أسس الدوار الرئيس استجابة لضغط توسع المدينة عن نطاقها القديم، فكان هذا الدوار نقطة توزع للأبنية، ونقطة وصل بين المدينتين؛ القديمة والحديثة.

منظر عام للبلدة القديمة في نابلس 2015

ويقول حلاوة إنّه وعندما أصبح الدوار والسنترال في الخارج بعد 1956 على زمن نعيم عبد الهادي أصبحت منطقة الدوار مركز المدينة، وأصبح أهالي المدينة يمتدون للخارج، واتّسعت الحياة وقلّ التواجد في باب الساحة.

أمّا التراجع الثاني لأهميّة "باب الساحة" فكان بعد عام 1967، وفقًا للمؤرخ عبد الله كلبونة، بسبب التراجع العام للمدينة بصفة عامة تبعًا للحملات الإسرائيلية على البلدة القديمة. فيما كان التراجع الأهم بعد عام 1980 فبدأت تتراجع أهمية "باب الساحة" كمركز للنشاط التجاري، فكثير من النشاطات اختفت بسبب تغيّر معالم طبيعة الحياة، وصارت الناس تفضّل الخروج خارج المدينة.

ورغم ذلك فإنّ منطقة "باب الساحة" ظلّت تمثل الغذاء الروحي لمدينة نابلس، ففي شهر رمضان المبارك يعود النشاط للمكان، وللبلدة القديمة عمومًا، فيُقال أنّك لن تشعر بجمال رمضان إلّا إذا دخلت أو عشت في باب الساحة والبلدة القديمة.


اقرأ/ ي أيضًا:

نابلس.. مآذن تحكي تاريخًا

"متلازمة الأدراج" تُهلك آثار نابلس

مكتبات مثقفي نابلس.. سيرة ضياع وتفريط

في المولد النبوي.. نابلس أكثر بهاءً وفرحًا