ultracheck
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية

8 سبتمبر 2026
بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية
Photo by EYAD BABA/AFP via Getty Images
سماح شاهين
سماح شاهين فلسطين

لم يكن والد عماد يتوقع، وهو يتوجه إلى مدينة خان يونس لاستقبال ابنه بعد إدراج اسمه ضمن صفقة الإفراج عن الأسرى، أن يعود إليه الشاب الذي اعتقله الاحتلال قبل أكثر من عامين ونصف، شخصًا مختلفًا تمامًا عمن ودّعه في تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

كان عماد، بحسب والده، شابًا يتمتع بصحة جيدة وقوة جسدية وحالة نفسية مستقرة، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المدرسة التي لجأت إليها العائلة في مدرسة الرافعي، خلال نزوحها من منزلها في قطاع غزة.

يقول والده لـ"الترا فلسطين" إن قوات الاحتلال اقتحمت المدرسة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بينما كانت العائلة تعيش فيها كغيرها من آلاف النازحين.

"كنا لاجئين مثل أي لاجئ، وفجأة دخل علينا الجيش، فرفعنا أيدينا وخرجنا، وأخذوا عماد"، يقول الأب، الذي يؤكد أن ابنه لم يكن منتميًا إلى أي تنظيم سياسي، وإنما كان يعيش حياته بصورة طبيعية قبل اعتقاله.

في وقت يواجه فيه الأسرى الفلسطينيون المحررون من سجون الاحتلال آثارًا جسدية ونفسية عميقة خلفتها تجارب الاعتقال والتعذيب، تعاني المؤسسات الصحية في قطاع غزة من محدودية القدرة على تقديم الرعاية اللازمة لهم

ومضت الشهور الأولى من الاعتقال من دون أن تعرف العائلة شيئًا عن مصير عماد، إذ انقطعت أخباره تمامًا، حتى إن عائلته اعتقدت بعد نحو عام ونصف أنه استشهد، وأقامت له مراسم عزاء واحتسبته شهيدًا.

لكن المفاجأة جاءت لاحقًا، عندما علمت العائلة أن عماد ما يزال على قيد الحياة وأنه أسير لدى الاحتلال، قبل أن يُدرج اسمه ضمن صفقة الإفراج عن الأسرى.

يشير والده إلى أنه توجه إلى خان يونس لاستقبال ابنه وسط فرحة كبيرة، برفقة أفراد العائلة، دون أن يدرك حجم التحول الذي طرأ عليه خلال فترة احتجازه. ويتذكر: "كنت ذاهبًا لاستقبال ابني فرحًا، لكن بعض الأسرى الذين خرجوا معه قالوا لي: دير بالك على عماد، لا تتركه وحده، خلي دائمًا معه شخص أو اثنان". ولم يفهم الأب في البداية سبب هذه الكلمات، ولم يتخيل أن يعود ابنه في حالة نفسية وصحية مختلفة.

وعندما وصل عماد إلى خيمة العائلة في ساعة متأخرة من الليل، خرجت والدته لاستقباله، لكن لحظات اللقاء تحولت سريعًا إلى حالة من الذعر، بعدما أصيب عماد بنوبة عنيفة احتاج خلالها إلى تدخل عدد من الأشخاص للسيطرة عليه.

يقول والده إن هذه الحالة لم تكن عابرة، بل أصبحت جزءًا من حياة عماد اليومية، متهمًا قوات الاحتلال بتعذيب ابنه خلال فترة الاعتقال، مشيرًا إلى أن أسرى أبلغوه بتعرض عماد لجلسات تعذيب بالصعق الكهربائي، إضافة إلى وضعه في ما وصفه بـ"السابوت"، وهو قفص حديدي كان يُحتجز ويُعذب داخله.

ويضيف: "خرج عماد إنسانًا مختلفًا كان صحيح العقل والجسد، واليوم في أي دقيقة يمكن أن يفقد وعيه ويدخل في حالة لا يستطيع أحد السيطرة عليه بسهولة".

ويعاني عماد، البالغ من العمر نحو 27 عامًا والمتزوج والأب لطفلين، من نوبات نفسية وسلوكية حادة، بحسب والده، جعلته غير قادر على العمل أو ممارسة حياته بصورة طبيعية.

ويردف الأب أن ابنه لم يعد قادرًا حتى على التعامل بصورة مستقرة مع أفراد أسرته، إذ قد يدخل فجأة في نوبات من الصراخ أو الاضطراب الشديد، وقد يتصرف بعنف تجاه زوجته أو طفليه دون وعي كامل بما يفعله.

وبينما تواجه الأسرة آثار ما تعرض له عماد، تصطدم أيضًا بواقع صحي ونفسي متدهور في قطاع غزة، حيث يقول والده إن العائلة لم تتلق أي دعم طبي أو نفسي أو مادي منذ الإفراج عنه.

ويقول: "لم نجد شخصًا يقدم لنا رعاية صحية أو نفسية أو حتى دواء"، مضيفًا أنه اضطر إلى تحمل تكاليف علاج ابنه وإجراء الفحوصات الطبية على نفقته الخاصة، بما في ذلك تخطيط الدماغ، والتصوير بالأمواج فوق الصوتية، والتصوير المقطعي، إلى جانب شراء الأدوية.

ولم تكن الفحوصات متاحة بسهولة في ظل تدمير القطاع الصحي ونقص الخدمات الطبية، إذ يقول الأب إنه قضى نحو ثلاثة أشهر في محاولة الحصول على موعد لإجراء أحد الفحوصات لابنه. ويتابع: "تعبت كثيرًا حتى تمكنت من إجراء الفحص له"، مضيفًا أن واقع الخدمات الصحية والنفسية في غزة يزيد من معاناة الأسر التي تضم مصابين أو أسرى محررين بحاجة إلى رعاية متخصصة.

وبين نوبات عماد المتكررة، وعجزه عن العمل، وخوف أسرته من تركه وحيدًا، أصبحت الخيمة التي تعيش فيها العائلة شاهدة على حياة انقسمت إلى مرحلتين: عماد قبل الاعتقال، شاب قوي يتمتع بصحة جيدة، وعماد بعد الإفراج، رجل يحاول استعادة حياته وسط آثار نفسية وجسدية يقول والده إنها نتيجة ما تعرض له داخل الأسر.

لا معنى للنوم والحياة

"ثمانية أشهر كاملة لم أعرف فيها معنى النوم"، يقول الخمسيني رفيق ياسين بحرقة، بينما ينظر إلى طفله عبد الكريم (13 عامًا)، المصاب باضطراب طيف التوحّد.

يبتلع الرجل ريقه ويحاول السيطرة على ارتجاف كفّيه قبل أن يكمل: "كلما أغمضتُ عيني، عادت إليّ مشاهد القتل والدهس والقنص منذ أن استخدمنا الجيش الإسرائيلي درعًا بشريًا، لم تغادرني تلك الصور ما زالت تطاردني في يقظتي ومنامي".

يستذكر ياسين من حي الزيتون شرقي مدينة غزة تفاصيل اعتقاله في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023م، فُرض حصار على حي الزيتون استمر ثلاثة أيام، عاش خلالها السكان بلا ماء أو طعام، فيما كانت نيران القناصة تلاحق كل من حاول الحركة.

يضيف لـ"الترا فلسطين": "حاولت الوصول إلى منزلي لإحضار بعض الاحتياجات لعائلتي النازحة غربي مدينة غزة، لكن القناص الإسرائيلي منعني. كنا محاصرين، ولم يكن أمامنا سوى انتظار المجهول".

في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2023م، اعتقل الجيش الإسرائيلي رفيق من منزله برفقة ابنه عبد الكريم، "وكان أول ما فعله بنا الجنود بعد الاعتقال مباشرة، استخدامنا درعين بشريين على متن ناقلات "النمر" العسكرية لمدة سبعة أيام متواصلة.

ويضيف: "الجنود، بحسب روايته، لم يفرقوا بين طفل وامرأة أو مسن ومريض، كان الجميع يُعاملون بالعنف ذاته، دون أي اعتبار للعمر أو للحالة الصحية".

لكن الألم الأكبر، كما يقول رفيق، لم يكن ما تعرض له شخصيًا، بل ما أصاب ابنه عبد الكريم "قبل الحرب، كان الطفل يرتاد مدرسة متخصصة بأطفال التوحد، ويتلقى جلسات علاج وتأهيل ساعدته على تطوير مهاراته والتفاعل مع محيطه". ويردف: "عبد الكريم لديه سلوكيات خاصة بسبب التوحد، وكان يحتاج إلى من يفهم حالته، لكن الجنود لم يأخذوا ذلك بعين الاعتبار".

ويؤكد أن الجنود كانوا يعتدون عليه كلما صرخ أو أظهر سلوكًا مرتبطًا باضطرابه: "تعرض ابني للضرب بأعقاب البنادق على بطنه ورجليه، وكانت البنادق تُوجَّه إلى وجهه بصورة متكررة".

لقد تبدلت ملامح الطفل بصورة مؤلمة ويضيف: "فيكفي أن يرى صحفيًا يحمل كاميرا حتى يرتعب، لأنه يظن أن الكاميرا بندقية لم يعد يتحدث كما كان، وأصبح صوته مرتفعًا وكلامه غير مفهوم، وتغيرت سلوكياته بصورة كبيرة".

وأفرج عن عبد الكريم بعد خمسة أيام، بعدما تمكن والده من شرح حالته الصحية والتوسل لإطلاق سراحه، فيما بقي رفيق محتجزًا، دون أن يعرف إلى أين ذهب ابنه أو مع من غادر.

لكن الخروج من المعتقل لم يكن نهاية المعاناة: "ثمانية أشهر كاملة لم أستطع النوم إلا بواسطة المنومات كنت أستيقظ كل ليلة على المشاهد نفسها المنازل التي هُدمت فوق أصحابها، والشبان الذين قُنصوا، والأبرياء الذين دهستهم الدبابات".

ولا يزال عبد الكريم يعيش آثار تلك التجربة، فقد توقفت جلسات علاجه وتأهيله، وحُرم من العودة إلى مدرسة متخصصة بعد تدمير المراكز التعليمية التي كانت تقدم خدماتها للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد.

ويحكي والده: "مؤسسات عدة وعدت بتقديم المساعدة، لكن شيئًا لم يتغير، وما زلنا ننتظر إعادة الخدمات التي يحتاجها أطفال التوحد".

ويكمل رفيق: "مؤسسات عدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعدت بتقديم المساعدة، "لكن شيئًا لم يتغير، وما زلنا ننتظر إعادة الخدمات التي يحتاجها أطفال التوحد".

ويختم حديثه بأمنية يقول: "أريد أن أنسى ما عشته خلال الاعتقال، وأن أعود إلى حياتي الطبيعية دون كوابيس، وأن يتمكن ابني عبد الكريم من العودة إلى مدرسة متخصصة توفر له التعليم والعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي كما كان قبل حرب الإبادة".

اعتقال وبتر في القدم

منذ أن خرج محمد رحيم أبو صلاح، البالغ من العمر 46 عامًا، من سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم تعد حياته كما كانت، فقد دخل المعتقل واقفًا على قدميه ولا يعاني من إصابات أو أمراض، لكنه خرج منه فاقدًا قدمه اليسرى، بعدما أدى جرح أصيب به خلال فترة الاعتقال، وفق شهادته، إلى التهاب وغرغرينا انتهت ببترها.

اعتقل أبو صلاح في 24 أغسطس/آب 2024 من منطقة حي الأمل في خان يونس، وبقي محتجزًا لمدة 52 يومًا، قبل الإفراج عنه في 15 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

ويروي لـ"الترا فلسطين" أن فترة الاعتقال تخللتها أشكال مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، موضحًا أنه تعرض للضرب بالهراوات والبنادق وأدوات أخرى، وأصيب خلال ذلك في أسفل قدمه اليسرى.

ومع غياب الرعاية الطبية، تفاقمت إصابته، إذ تحولت إلى التهاب حاد وغرغرينا، بعد أن بقي يعاني من الجرح لنحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع دون تلقي العلاج اللازم.

ويقول أبو صلاح إنه طالب بعرضه على طبيب وتلقي العلاج، إلا أن طلباته قوبلت بالرفض، إلى أن تدهورت حالته الصحية ونُقل إلى المستشفى، حيث خضع لعمليتي تنظيف للجرح خلال فترة قصيرة، قبل نقله إلى مستشفى مدني هناك، أُبلغ بأن إنقاذ القدم لم يعد ممكنًا، وأن بترها أصبح ضروريًا لإنقاذ حياته.

ويستذكر تلك اللحظة قائلًا إن القرار كان صعبًا، خصوصًا أنه كان داخل السجن، بعيدًا عن أسرته، ودون وجود طبيب أو شخص من عائلته يمكنه استشارته ووقّع على الأوراق المطلوبة، قبل أن يخضع لعملية بتر قدمه.

حتى بعد العملية، يقول أبو صلاح إن القيود لم تُرفع عنه، إذ دخل غرفة العمليات ويداه مقيدتان وعيناه معصوبتان، وخرج منها بالوضع ذاته.

لم يكن فقدان القدم نهاية معاناة أبي صلاح، بل بداية لمرحلة مختلفة من الألم الجسدي والنفسي والاجتماعي، أشار إلى أن مشاهد القصف والدمار والإصابات التي تعرض لها أو شاهدها خلال الحرب والاعتقال باتت تؤثر في حالته النفسية، لافتًا إلى أن أي مشهد يرتبط بالقصف أو الجروح يعيد إليه تلك التجارب.

كما ترك البتر آثارًا مباشرة على قدرته على الحركة، إذ يعتمد حاليًا على العكازات، ولم يعد قادرًا على ممارسة حياته اليومية كما كان يفعل قبل الاعتقال.

ويتابع: "هذه إعاقة أبدية، وليست إعاقة يومٍ أو يومين"، في إشارة إلى التغيير الدائم الذي طرأ على حياته بعد فقدان قدمه.

وتفاقمت أوضاعه مع فقدان مصدر رزقه. فقبل الاعتقال كان يعمل سائقًا ويعيل أسرته، أما اليوم فأصبح عاجزًا عن العودة إلى عمله، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية صعبة يعيشها قطاع غزة.

ولأبي صلاح أربعة أبناء، بينهم طفل يبلغ من العمر نحو 10 أعوام، وابنان في سن المراهقة، فيما تحتاج إحدى بناته إلى رعاية صحية خاصة، ما يزيد من الأعباء التي تواجه الأسرة.

وينوه أبو صلاح إلى أن الحصول على الرعاية الصحية والنفسية في قطاع غزة بات تحديًا كبيرًا، في ظل انهيار جزء واسع من المنظومة الصحية نتيجة الحرب.

ويضيف أن المؤسسات الدولية والإنسانية تتواصل أحيانًا مع المصابين وذوي الإعاقة، وتقدم في بعض الحالات جلسات محدودة للدعم النفسي، لكنها لا تستمر بصورة منتظمة.

ويقول إن بعض المؤسسات "تأتي لفترة ثم تختفي"، فيما تبقى احتياجات المصابين وذوي الإعاقة مستمرة، مؤكدًا أنه لا يحتاج إلى جلسة أو جلستين فقط، بل إلى رعاية صحية ونفسية وتأهيلية طويلة الأمد تتناسب مع وضعه الجديد.

ولا تقتصر المشكلة على العلاج النفسي، إذ يحتاج أبو صلاح إلى متابعة طبية وتأهيل حركي ومستلزمات تساعده على التكيف مع فقدان قدمه واستعادة قدرته على الحركة والعمل.

ويواجه أبو صلاح أيضًا صعوبة في الوصول إلى العلاج خارج قطاع غزة، في ظل تعقيدات إجراءات التحويل والسفر للمرضى والجرحى.

ويقول إنه تلقى اتصالات بشأن إمكانية السفر لتلقي العلاج، لكنه يواجه مشكلة أخرى تتعلق بترتيبات سفر أفراد أسرته، خصوصًا أن لديه أطفالًا يحتاجون إلى من يرعاهم، إضافة إلى ابنته التي تحتاج إلى رعاية خاصة.

اليوم، يعيش أبو صلاح بين آثار إصابة جسدية دائمة وتجربة اعتقال تركت آثارًا نفسية، وبين مسؤوليات أسرية لم تعد قدرته الجسدية تسمح له بتحملها كما في السابق، فقد مصدر رزقه، وأصبح يعتمد على العكازات في حركته، ويحتاج إلى رعاية وتأهيل مستمرين، بينما لا تزال فرص حصوله على العلاج المتخصص محدودة.

نقص في الرعاية الصحية والنفسية

في وقت يواجه فيه الأسرى الفلسطينيون المحررون من سجون الاحتلال آثارًا جسدية ونفسية عميقة خلفتها تجارب الاعتقال والتعذيب، تعاني المؤسسات الصحية في قطاع غزة من محدودية القدرة على تقديم الرعاية اللازمة لهم، في ظل استمرار الحرب وتدمير المرافق الصحية ونقص الأدوية والكوادر المتخصصة.

ويقول عرفات أبو مشايخ، رئيس قسم الصحة النفسية في مستشفى شهداء الأقصى، لـ"الترا فلسطين"، إن المؤسسات الصحية في غزة لا تملك حتى الآن إحصاءات دقيقة حول أعداد الأسرى المحررين واحتياجاتهم الصحية والنفسية، بسبب استمرار الحرب وصعوبة متابعة أوضاعهم بعد الإفراج عنهم.

وأوضح أبو مشايخ لـ"الترا فلسطين" أن الأسير المحرر قد يصل إلى المستشفى للحصول على رعاية صحية أولية، ثم يحتاج إلى تقييم نفسي وتحويله إلى خدمات متخصصة، إلا أن الإمكانات الحالية لا تسمح بإجراء فحص شامل لجميع الحالات.

وأضاف أن التعامل مع الأسرى المحررين يتطلب تقييمًا متكاملًا يشمل الفحص الصحي والنفسي، من أجل تحديد الإصابات الجسدية والاضطرابات النفسية واحتياجات كل حالة من العلاج والتأهيل.

وأشار إلى أن عددًا من الأسرى الذين خضعوا لتقييم أولي يعانون من أعراض نفسية شديدة، تشمل الكوابيس الليلية، والصراخ أثناء النوم، وفقدان الذاكرة، والتبول اللاإرادي، واضطرابات النوم، مؤكدًا أن هذه الحالات تحتاج إلى فحوص متخصصة ومتابعة طويلة الأمد.

وقال إن عددًا كبيرًا من الأسرى المحررين تظهر عليهم أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة ما تعرضوا له خلال الاعتقال من تعذيب وانتهاكات وظروف قاسية.

وأوضح أن غالبية هذه الحالات تحتاج إلى برامج علاجية متخصصة، وليس إلى تدخلات نفسية محدودة، إلا أن استمرار الحرب وتراجع الإمكانات الصحية يحولان دون الوصول إلى جميع الأسرى وإجراء تقييم شامل لأوضاعهم.

ويعاني قطاع الصحة النفسية في غزة من نقص حاد في الأدوية، خصوصًا المهدئات والمنومات والعلاجات النفسية، في وقت تتزايد فيه أعداد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مرتبطة بالحرب والاعتقال.

وبين أن الأدوية المتوفرة، عند دخولها، تكون بكميات محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات، خصوصًا في ظل معاناة عدد كبير من الأسرى المحررين من الأرق والكوابيس والصدمة النفسية.

وأشار إلى وجود نقص في أعداد الأطباء النفسيين والمرشدين والمعالجين المتخصصين، موضحًا أن عددًا من الكوادر الصحية فقدوا حياتهم أو غادروا القطاع خلال الحرب، فيما لم يعد العدد المتبقي قادرًا على تغطية الاحتياجات المتزايدة.

وأضاف أن الحاجة لا تقتصر على زيادة أعداد الكوادر، بل تشمل تدريب مختصين على التعامل مع حالات الصدمات النفسية المعقدة والانتهاكات التي تعرض لها بعض الأسرى خلال فترة الاعتقال.

ولفت أبو مشايخ إلى أن تدمير مستشفى الطب النفسي في قطاع غزة فاقم أزمة الرعاية، موضحًا أنه لا يزال خارج الخدمة منذ سنوات، دون وجود مبادرات كافية لإعادة بنائه أو توفير بديل قادر على استقبال الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة.

وقال إن بعض الأسرى المحررين يحتاجون إلى علاجات وفحوص غير متوفرة داخل القطاع، وقد تستدعي حالتهم التحويل للعلاج خارجه، في وقت يواجه فيه المرضى والمصابون صعوبات كبيرة في إجراءات السفر والوصول إلى الخدمات الطبية.

ويصف حجم المعاناة النفسية التي يواجهها بعض الأسرى المحررين بالقول إن الكوادر الطبية تتعامل مع أشخاص تعرضوا لصدمات شديدة ومعقدة، ما يتطلب برامج علاج وتأهيل متخصصة.

وأشار إلى أن بعض الحالات التي وصلت إلى المؤسسات الصحية تحدثت عن تعرضها لانتهاكات وتعذيب شديد خلال فترة الاعتقال، الأمر الذي ترك آثارًا نفسية طويلة الأمد، من بينها الاكتئاب واستعادة المشاهد المؤلمة بصورة متكررة، وعدم القدرة على النوم.

وأوضح أن بعض الأسرى يعانون من استرجاع متكرر لتجارب التعذيب والانتهاكات التي تعرضوا لها، وهي أعراض تؤثر بصورة مباشرة في حياتهم اليومية وعلاقاتهم الأسرية وقدرتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية.

وأكد أن بعض الحالات تعاني من اضطرابات نفسية شديدة، ما يستدعي تدخلًا متخصصًا ومتابعة مستمرة، بدلًا من الاكتفاء بجلسات دعم نفسي محدودة.

ولا تنفصل الأزمة النفسية عن الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها الأسرى المحررون بعد الإفراج عنهم، بحسب أبي مشايخ، إذ يعود بعضهم إلى قطاع يعاني من نقص حاد في المأوى والغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

وقال إن بعض الأسرى يخرجون من المعتقلات دون وجود مكان مناسب للإقامة أو احتياجات أساسية تساعدهم على الاستقرار، فيما يعود آخرون ليكتشفوا فقدان أفراد من عائلاتهم أو تدمير منازلهم.

وأوضح أن تلقي الأخبار المتعلقة بفقدان الأبناء أو أفراد الأسرة بعد الإفراج قد يزيد من حدة الصدمة النفسية، خصوصًا في ظل غياب آلية موحدة أو بروتوكول شامل لمتابعة الأسرى المحررين وتقديم الرعاية المناسبة لهم.

ورأى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب برنامجًا وطنيًا وإنسانيًا متكاملًا، يجمع بين الرعاية الصحية والجسدية والنفسية، والتأهيل، والدعم الاجتماعي، وتوفير الاحتياجات الأساسية.

ويضيف أن حجم الاحتياجات يفوق قدرة المؤسسات الصحية المحلية، في ظل استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية الصحية وضعف الموارد المتاحة.

الكلمات المفتاحية

تحقيق: الجيش الإسرائيلي يستخدم رسومًا تجارية ومنشئي محتوى لتبرير غارات غزة

عامٌ على اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.. القطاع الصحي أمام أزمات ممتدة

منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، لم يدخل إلى قطاع غزة أي جهاز طبي أو تشخيصي جديد فيما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية.


«كأن جسمي يتمزق».. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه

"كأن جسمي يتمزق".. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه

وصف إحساسه قائلًا: "كأن جسمي يتمزق"، بسبب استيلاء المستوطنين خلال أقل من ثلاثة أعوام على أكثر من 100 دونم من أرضه


كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد

كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد

يستحضر عياد مرارة ترسيخ المعاناة في وجدان الناس؛ قائلًا إن الفاجعة أضحت تحرم الأبناء في الغربة من حظوة وداع أمهاتهم، وتترك أجسادًا أخرى متفحمة يتعذر على ذويها إلقاء نظرة ألم أخيرة عليها.


ياسمين البوبو ووالدتها.. حكاية أم وأكاديمية قتلهم الاحتلال

استشهاد ياسمين البوبو.. أكاديمية بثّت الحب والأمل في طلابها وعائلتها

كانت ياسمين أُمًا حقيقية لكل طالب وطالبة دخلا قاعتها الدراسية. وفي عائلتها، كانت هي المبادرة دائمًا إلى لم شملهم بالحب والضحكات

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في ضم الضفة الغربية
أخبار

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية

عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية


حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه