بيع الأمل في غزة.. عقود هجرة بمحامٍ مسحوب الترخيص ووثائق مزورة تحمل شعار الصليب الأحمر
13 مارس 2026
في إحدى مجموعات الهجرة على تطبيق تيليجرام، كان عشرات من سكان قطاع غزة يتابعون الرسائل يومياً بانتظار إعلان الدفعة التالية من المسافرين. عقود قانونية، ورسوم لفتح الملفات، ووثائق تحمل شعارات منظمات إنسانية كلها بدت وكأنها خطوات حقيقية نحو الخروج من الحرب.
لكن التدقيق في خلفية هذه الوعود يكشف صورة مختلفة تمامًا، مستشار هجرة سُحبت رخصته في كندا، عقود تطلب رسومًا عبر العملات الرقمية، ووثائق تحمل شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت المنظمة نفسها لاحقًا أنها جزء من عملية احتيال.
هذا التحقيق يتتبع كيف تحولت رغبة الغزيين في الهجرة إلى سوق مفتوحة لبيع الوعود، عبر مجموعات مغلقة على تطبيقات المراسلة وعقود تبدو قانونية لكنها تثير تساؤلات جدية حول مشروعيتها.
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الوثيقة المتداولة ليست وثيقة رسمية صادرة عنها، وأن الحالة المشار إليها تندرج ضمن محاولات احتيال تستخدم اسم المنظمة
عقود هجرة ورسوم لفتح الملفات
خلال العام الماضي، انتشرت على تطبيق تيليجرام مجموعات يديرها أشخاص أو مكاتب خارج قطاع غزة، يعلنون فيها عن برامج هجرة إنسانية تستهدف سكان القطاع. وفي هذه المجموعات يُطلب من الراغبين في السفر إرسال بياناتهم الشخصية الكاملة، بما في ذلك صور جوازات السفر وعدد أفراد الأسرة وشرح الوضع الإنساني، تمهيداً لإدراجهم فيما يقال إنها قوائم للهجرة إلى دول مثل كندا أو سويسرا أو أستراليا.
وتكشف نسخة من عقد اطلع عليها التحقيق أن جهة تحمل اسم Canada Visa Immigration for Service Inc تعرض خدمات تتعلق بتقديم طلبات هجرة إنسانية إلى كندا.
وينص العقد على دفع رسوم إدارية أولية بقيمة 65 دولارًا مقابل فتح الملف وإجراء تقييم أولي للحالة، على أن يتم لاحقًا دفع أتعاب قانونية أكبر بعد الوصول إلى كندا.
كما اطلع التحقيق على نسخة من عقد موقّع بين الجهة نفسها وأحد المتقدمين من قطاع غزة، وقد حُجبت البيانات الشخصية الواردة فيه حفاظاً على خصوصية صاحب الطلب.
وتشير الرسائل المتداولة داخل المجموعات إلى أن هذه الرسوم تُدفع غالباً عبر تحويلات العملات الرقمية، وتحديدًا USDT، وهو أسلوب يصعب تتبع الأموال أو استرجاعها لاحقًا.

مستشار هجرة فقد ترخيصه
التدقيق في اسم المستشار القانوني المذكور في العقد كشف مفاجأة أخرى. فبحسب السجلات الرسمية لهيئة تنظيم مستشاري الهجرة والمواطنة الكندية College of Immigration and Citizenship Consultants (CICC)، ويظهر أن المستشار أحمد مأمون (Ahmed Mamoun) مصنف في قاعدة بيانات الهيئة على أنه غير مؤهل لتقديم الخدمة.
وتشير البيانات المنشورة في السجل الرسمي إلى أن مأمون كان يعمل مستشار هجرة مرخصًا في مونتريال ضمن شركة Canviz Immigration، قبل أن تُسحب رخصته المهنية في أيار/مايو 2024 بعد عدم تسديد الرسوم والغرامات المفروضة عليه، كما خسر الاستئناف الذي تقدم به لاستعادة الترخيص.
وبموجب القوانين الكندية، فإن أي شخص تُسحب رخصته كمستشار هجرة لا يحق له قانونيًا تقديم استشارات الهجرة المدفوعة أو تمثيل المتقدمين أمام سلطات الهجرة الكندية.
وثيقة مزورة تحمل شعار الصليب الأحمر
ولتعزيز مصداقية الوعود، تداولت بعض هذه المجموعات وثائق تحمل شعارات منظمات إنسانية دولية. ومن بين هذه الوثائق صورة متداولة تحمل شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) وتحمل عنوان "Notice of Humanitarian Movement to Cairo".
وتتضمن الوثيقة تفاصيل لما تصفه بأنه "حركة إنسانية" لخروج أشخاص من قطاع غزة إلى القاهرة عبر معبر كرم أبو سالم، مع تحديد موعد المغادرة وساعة التجمع وتعليمات السفر.
وقد جرى تداول هذه الوثيقة داخل بعض المجموعات باعتبارها دليلاً على أن ترتيبات السفر أصبحت قريبة. غير أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفت صحة هذه الوثيقة.
ففي رد على استفسار أرسله "الترا فلسطين"، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الوثيقة المتداولة ليست وثيقة رسمية صادرة عنها، وأن الحالة المشار إليها تندرج ضمن محاولات احتيال تستخدم اسم المنظمة.
كما نفت اللجنة بشكل قاطع وجود أي تنسيق بينها وبين وكالات أو مستشاري هجرة خاصين لتنظيم سفر أشخاص من قطاع غزة.
وأكدت أيضًا أنها لا تدير قوائم سفر ولا تختار المسافرين ولا تصدر تصاريح سفر، مشددة على أن جميع المساعدات التي تقدمها مجانية بالكامل. كما حذرت اللجنة من انتشار محاولات احتيال عبر الإنترنت تستخدم اسمها أو شعارها لإضفاء مصداقية على ادعاءات كاذبة.

شهادات من داخل مجموعات الهجرة
تواصلنا مع عدد من الفلسطينيين الذين سجلوا في هذه المبادرات أو تابعوا نشاطها داخل مجموعات الهجرة. وبسبب حساسية الموضوع طلب هؤلاء عدم ذكر أسمائهم الكاملة، لذلك استخدمت أسماؤهم الأولى فقط.
محمد (اسم مستعار) يقول إنه انضم إلى إحدى المجموعات قبل عدة أشهر بعد أن سمع عن إمكانية السفر. وقال: "طلبوا منا إرسال كل البيانات وصور الجوازات وعدد أفراد الأسرة، وقالوا إن هناك دفعات سيتم التواصل معها تباعًا. كنا نتابع الرسائل يوميًا داخل المجموعة، لكن لم يتواصل معنا أحد حتى الآن".
أما سامر (اسم مستعار)، وهو أب لثلاثة أطفال، فيقول إنه دفع الرسوم الأولية بعد أن قيل له إن الطلب ضمن دفعة محدودة. وأوضح: "قالوا إن الرسوم مخفضة لفترة قصيرة، فدفعت المبلغ لأنني كنت أبحث عن أي فرصة للخروج مع عائلتي. بعد الدفع أخبروني أن الملف قيد الدراسة، ومنذ ذلك الوقت لم يحدث شيء".
وتقول آمنة (اسم مستعار) إنها تتابع المجموعة منذ أشهر دون أن تدفع أي رسوم حتى الآن. وتضيف: "في البداية بدا الأمر مقنعًا. كانوا يرسلون عقودًا ويشرحون الخطوات بالتفصيل، لكن مع الوقت لاحظت أن كل شيء يدور في نفس الدائرة. بيانات ووعود، لكن لا نعرف أحداً خرج فعلاً".
أما محمود (اسم مستعار) فقد كان على وشك دفع الرسوم بعد أن وقع العقد المرسل إليه. ويقول محمود إنه أرسل العقد إلى صديق له يعيش خارج غزة للتحقق من المعلومات الواردة فيه. موضحًا: "بعد ساعات أخبرني أن المستشار المذكور في العقد سُحبت رخصته كمستشار هجرة في كندا، عندها قررت التراجع فورًا".

رأي قانوني في العقود المتداولة
وفي تعليق على الوثائق المتداولة، قال المحامي والحقوقي محمود أبو رحمة إن العقد، من حيث بنيته القانونية، يبدو منحازاً بصورة واضحة لصالح الشركة ومستشار الهجرة، ويحمّل طالب الهجرة المخاطر كاملة تقريباً، من دون أن يوفر له ضمانات مقابلة أو التزامات واضحة قابلة للمساءلة من الطرف الآخر.
وأضاف أبو رحمة أن استخدام اسم مستشار فقد ترخيصه داخل عقد يقدم خدمات هجرة يثير تساؤلات جدية حول مشروعية النشاط برمّته، خاصة إذا ترافق ذلك مع تحصيل رسوم مالية من المتقدمين.
وأشار إلى أن برامج الهجرة أو اللجوء ذات الطابع الإنساني لا تُدار عادة عبر مجموعات على تطبيقات المراسلة أو من خلال تحويلات مالية بالعملات الرقمية، بل تمر عبر قنوات رسمية ومؤسسات معتمدة يمكن التحقق منها قانونياً.
كما حاول معدّ التحقيق التواصل مع الجهة التي تدير هذه المجموعات للحصول على تعليق بشأن المعلومات الواردة فيه، إلا أنه لم يتلقَّ أي رد حتى وقت النشر.
وعود السفر في زمن الحرب
يمكن التحقق من تراخيص مستشاري الهجرة في كندا عبر قاعدة البيانات الرسمية لهيئة College of Immigration and Citizenship Consultants (CICC) والتي تتيح للجمهور البحث في حالة الترخيص لأي مستشار هجرة.
في ظل الحرب المستمرة وصعوبة السفر من قطاع غزة، يجد كثير من السكان أنفسهم أمام وعود تبدو كطريق محتمل للخروج.
لكن ما تكشفه الوثائق والشهادات التي اطلع عليها التحقيق يشير إلى نمط متكرر يبدأ بجذب المتقدمين عبر الحديث عن مبادرات إنسانية، ثم جمع بياناتهم الشخصية، يلي ذلك إرسال عقود ورسوم أولية، وأحياناً تداول وثائق توحي بقرب السفر.
وبين عقود تبدو قانونية ووثائق تحمل شعارات منظمات إنسانية، يجد كثير من سكان غزة أنفسهم أمام وعود بالسفر قد لا تكون أكثر من تجارة بالأمل في زمن الحرب.
وفي مجموعات الهجرة على تيليجرام، ما زال كثيرون يراقبون الرسائل يومياً بانتظار إعلان الدفعة التالية من المسافرين دون أن يعرفوا إن كانت هذه الوعود تقودهم إلى طريق الخلاص، أم إلى وهم جديد.
الكلمات المفتاحية
داخل صندوق أسود: هكذا تُدار الدبلوماسية الفلسطينية
تثير البيانات الصادرة عن الرئاسة الفلسطينية، والتي تحمل أخبار تعيين السفراء والدبلوماسيين بالسلك الدبلوماسي الفلسطيني، تساؤلات بشأن علاقة منظمة التحرير الفلسطينية، بالسلطة الفلسطينية
سفارات فلسطين حول العالم.. معارك دبلوماسيّة صاخبة وتعيينات هادئة
أعادت أزمة السفارة الفلسطينيّة في بروكسل الاهتمام من جديد لوضع سفارات السلطة الفلسطينيّة في العالم، الّتي تُوجّه لها انتقادات دائمة واتّهامات بالمحسوبيّة والفساد.
خاص | الجريمة في النصيرات والمقاومة تحقق في دور الميناء الأميركي
مصادر من فصائل فلسطينية، أكدت لـ"الترا فلسطين" القيام بعملية تحقيق ومراجعة، تفحص مشاركة الولايات المتحدة في عملية النصيرات عبر الميناء الأميركي العائم
إذلال وإطلاق رصاص مطاطي.. الاحتلال ينكّل بنشطاء أسطول الصمود في أسدود
بعد انتشار مقاطع فيديو لبن غفير وهو يتعمد الإهانة والتنكيل، المحامية هديل أبو صالح من مركز "عدالة" توضح لـ"الترا فلسطين" ظروف احتجاز نشطاء أسطول الصمود العالمي.
معاناة السير في ركام غزة
المسنة أم محمد الحايك (82 عامًا) تضطر لقطع عشرات الأمتار سيرًا على الأقدام بين الركام، لمغادرة منزلها المدمّر شبه كليًا في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة، وذلك للتوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج.
اعترافات جنود إسرائيليين في لبنان: ننهب لنبقى راغبين في القتال
"كان يمكن سماع جنود في الثلاثينيات من العمر يتجادلون: أنا رأيت هذا أولاً. أنت أخذت كثيرًا في البيت السابق"
تعديل على قانون سلطة الآثار الإسرائيلية في الضفة يوسع صلاحياتها لتشمل غزة
التعديل المقترح يواجه رفضًا من وزارة الأمن وجيش الاحتلال وجهاز الشاباك، لأنه قد يعني ضمًا فعليًا لقطاع غزة إلى إسرائيل