ultracheck
تحقيقات

تحقيق خاص | سجائر كسرت الحصار.. من يدير سوق الدخان السوداء في غزة؟

2 أغسطس 2026
تحقيق خاص | سجائر كسرت الحصار.. من يدير سوق الدخان السوداء في غزة؟
بلغ سعر بعض أنواع السجائر 250 شيقلاً | الترا فلسطين
محمد نشبت
محمد نشبتكاتب صحفي من فلسطين

في أحد المخازن الغذائية وسط قطاع غزة، وقف العمال بانتظار تفريغ شاحنة وصلت إلى المكان، كما فعلوا مع عشرات الشاحنات قبلها. لكن هذه المرة، طُلب منهم الابتعاد، وتولى أشخاص آخرون إنزال الحمولة.

لم يعرف العمال بدايةً ما الذي تحمله الشاحنة، لكن ماجد، الذي كان يعمل حينها في المركز، يقول إنهم علموا لاحقًا بوجود سجائر وهواتف محمولة وملحقاتها داخلها.

بلغ سعر بعض أنواع السجائر قرابة 200 شيقل للسيجارة الواحدة، ووصلت أنواع أخرى أحيانًا إلى نحو 250 شيقلًا، قبل أن تبدأ الأسعار بالتراجع مع دخول كميات جديدة

على امتداد الحرب، تحولت السيجارة في قطاع غزة من سلعة استهلاكية عادية إلى واحدة من أكثر السلع ربحًا في السوق السوداء. فبينما فرضت إسرائيل حظرًا على دخول السجائر ومنتجات النيكوتين، استمرت كميات محدودة في الوصول عبر مسارات متعددة، منها شحنات تجارية، وعمليات استغلت صلاحيات عسكرية، ووقائع أثيرت حول سلاسل توريد مرتبطة بالمساعدات الإنسانية.

أجرى "الترا فلسطين" مقابلات مع عاملين سابقين في منشآت غذائية، وتاجر أحذية، وبائع سجائر، ومصدر أمني، وراجع بيانات أممية ولوائح اتهام إسرائيلية منشورة وتقارير صحفية عربية وإسرائيلية، في محاولة لفهم المسارات التي عبرتها السجائر والجهات المستفيدة من سوق صنعتها الندرة والحصار.

الحظر الذي لم يمنع السجائر

حظرت إسرائيل دخول السجائر ومنتجات النيكوتين إلى قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومع نفاد المخزون المحلي واستمرار الطلب، تشكلت سوق سوداء شديدة الربحية. وصل سعر السيجارة الواحدة، في ذروة الندرة، إلى أكثر من 80 دولارًا وفق وكالة أسوشيتد برس.

وفي مراحل أخرى من الحرب، رصدت تقارير دولية أسعارًا تراوحت بين 20 و32 دولارًا للسيجارة، بينما تحدثت تقارير عن بيع علبة من عشرين سيجارة بنحو ألفي شيقل.

يقول "معتصم"، وهو بائع سجائر في قطاع غزة، إن الأسعار تغيرت مرات كثيرة تبعًا لحجم الكميات الواصلة إلى السوق، ونوع السجائر ومصدرها. وبحسب شهادته، بلغ سعر بعض الأنواع قرابة 200 شيقل للسيجارة الواحدة في فترات سابقة، ووصلت أنواع أخرى أحيانًا إلى نحو 250 شيقلًا، قبل أن تبدأ الأسعار بالتراجع مع دخول كميات جديدة.

بائع سجائر يعرض علبة سجائر بسعر 450 شيقلاً | Gettyimges

وخلال رصد ميداني أجراه "الترا فلسطين" في أسواق دير البلح والمغازي والنصيرات يومي الخميس والجمعة، 16 و17 تموز/يوليو 2026، تراوح سعر عدد من الأنواع التجارية الأكثر تداولًا حول 22 شيقلًا للسيجارة الواحدة، في حين بيع الدخان الشامي أو المزروع محليًا، الذي يلف يدويًا، بسعر تراوح بين شيقلين وخمسة شواقل للسيجارة الواحدة.

سجائر لف في غزة
سجائر "لف" على بسطة في رفح | Geetyimages

ولا يعني هذا الانخفاض أن الحظر رُفع أو أن التهريب توقف. لكنه قد يشير، بالتزامن مع انكشاف قضايا تهريب منظمة على الجانب الإسرائيلي، إلى اتساع الكميات الواصلة واستقرار بعض مساراتها مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب. ومع ذلك، لم يتمكن التحقيق من تحديد حجم المعروض أو قياس أثر كل مسار في السعر النهائي داخل السوق.

ولم تقتصر التجارة على السجائر المصنعة، بل شملت التبغ والمعسل والنيكوتين والسجائر الإلكترونية ومستلزمات التدخين. وفي فترات الاختفاء شبه الكامل، لجأ بعض المدخنين، وفق "معتصم"، إلى تدخين أوراق الملوخية أو التين والتبن، فيما استخدم آخرون خلطات مجهولة.

قطف أوراق ملوخية لتجفيفها واستعمالها في السجائر | Gettyimages
سجائر ملوخية في غزة
يضيف الشاب قطرات نيكوتين إلى سجائر ملوخية | Gettyimages

ولا تتوفر بيانات طبية شاملة بشأن أعداد المتضررين من هذه البدائل، لكن تداولها يكشف إلى أي مدى خلقت الندرة سوقًا لا تخضع لرقابة صحية أو تجارية.

سجائر ملوخية
بسطة تبيع سجائر ملوخية | Gettyimages

شاحنة لم يفرغها العمال

عمل "ماجد" نحو عام في مركز غذائي وسط قطاع غزة، وكانت مهمته تفريغ الشاحنات الواصلة إلى المخزن تحت إشراف المسؤولين عن الاستلام والتخزين. يقول إنه في إحدى المرات مُنع العمال المعتادون من الاقتراب من شاحنة وصلت إلى المنشأة، وتولى أشخاص آخرون تفريغها.

يضيف: "سألنا شو الموجود في السيارة وليش إحنا ممنوعين نفرغها، وبعدها عرفنا إنه في الحمولة دخان وجوالات وإكسسوارات جوال".

يوضح "ماجد" أن بعض العاملين حصلوا لاحقًا على سجائر، لكنه لا يستطيع تحديد الجهة التي أدخلتها، أو ما إذا كانت إدارة المركز تعرف بوجودها. ويضيف: "ما حد بيقدر يحكي إنه المؤسسة نفسها كانت ورا الموضوع، لكن كان واضح إلنا إنه من وقت للثاني في سيارات فيها بضائع مش من المواد الغذائية".

وتختلف رواية "ماجد" جزئيًا مع شهادة "خالد"، الذي عمل حارسًا في منشأة غذائية بالمنطقة الوسطى، إذ يقول "خالد" إن العاملين، خلال تفريغ إحدى الشحنات، اكتشفوا سجائر ومواد اشتبهوا بأنها مخدرات مخبأة داخل مواد غذائية مجمدة، فأبلغوا المسؤولين الذين تواصلوا بدورهم مع الشرطة.

ويضيف: "وإحنا بنفرغ الحمولة لقينا داخل الكوسا المجمدة دخان ومواد ثانية، فبلغنا الإدارة وبعدها إجت الشرطة وفتشت المكان وحرزت الموجود".

لم يتمكن التحقيق من الحصول على محضر ضبط أو صور للمضبوطات في واقعة "خالد"، كما تعذر التأكد من ماهية المواد الأخرى التي ذكرها، أو معرفة الجهة التي وضعتها داخل الشحنة. ووفق "خالد"، تغيرت شركة النقل التي كانت تتولى توصيل الشحنات بعد الواقعة، لكن التحقيق لم يحصل على وثائق تؤكد وجود علاقة مباشرة بين تغيير المتعهد والحادثة.

ولا تقدم الشهادتان دليلاً على مسؤولية المؤسسة الإنسانية التي كانت تدير عمليات التوزيع، أو على علمها بما احتوته الشحنات. لكنهما تثيران أسئلة حول نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في حلقات النقل والتخزين، خصوصًا حين تمر الشحنة بين عدة أطراف قبل وصولها إلى المخزن.

أحذية تخفي سجائر

لم تقتصر محاولات التهريب على شاحنات الغذاء والمساعدات. يقول "ماهر"، وهو تاجر أحذية، إنه خسر شحنة كلفته عشرات آلاف الشواقل، بعدما اكتشف جيش الاحتلال سجائر مخبأة داخل كراتين البضاعة. ووفق شهادته، لم يكن هو من وضع السجائر، بل استغل تاجر آخر شحنة الأحذية لإخفائها.

يقول: "دسوا الدخان داخل كراتين الأحذية ولما الجيش كشفه أتلف البضاعة وخسرت عشرات آلاف الشواقل في شحنة ما كنت بعرف إنها مستخدمة للتهريب".

تهريب دخان إلى غزة داخل أغذية وأحذية، وقد استغل المهربون شحنات تجارية مشروعة لإخفاء السجائر داخلها

لم يقدم "ماهر" مستندات الشحن أو محضر المصادرة، ولذلك لم يتمكن التحقيق من التحقق المستقل من تفاصيل الواقعة. إلا أن شهادته توضح كيف يمكن استغلال شحنة تجارية مشروعة وإخفاء السجائر وسط أعداد كبيرة من الكراتين والمنتجات التي يصعب تفتيشها قطعة قطعة.

يعتقد "ماهر" أن عمليات التهريب تعتمد على حلقات وسيطة بين صاحب البضاعة والجهة التي تنقلها أو تسلمها، ويقول: "في حلقة بالنص محدش عارف يسيطر عليها لأن ربح الدخان أضعاف ربح أي بضاعة ثانية".

ويتسق هذا الوصف مع طبيعة السوق التي صنعتها الندرة، فكلما تقلص المعروض ارتفعت قيمة الكمية الصغيرة، وتحولت الكرتونة الواحدة إلى رأس مال قادر على تمويل حلقات متعددة من الوسطاء والنقل والتوزيع.

حين أصبح الجنود جزءًا من التهريب

تظهر لوائح الاتهام التي نشرتها سلطات الاحتلال أن كميات من السجائر دخلت غزة عبر أشخاص استغلوا صلاحياتهم داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية، وأن حجم الأموال المتداولة في بعض هذه القضايا يفوق بكثير ما توحي به شهادات الباعة الأفراد داخل القطاع.

في شباط/فبراير 2026، قدمت النيابة الإسرائيلية لوائح اتهام بحق 12 متهمًا، بينهم جنود وعناصر احتياط، على خلفية إدخال سجائر وهواتف آيفون وبطاريات وكابلات اتصال وقطع مركبات إلى قطاع غزة. وبحسب تفاصيل الاتهام، نُقلت بعض البضائع تحت غطاء نشاط مرتبط باحتياجات عسكرية، ثم تُركت في نقاط متفق عليها داخل القطاع، جرى التنسيق بشأنها مسبقًا مع أشخاص في غزة.

وبحسب تفاصيل لائحة الاتهام التي نشرتها "يديعوت أحرونوت"، تجاوزت العائدات المقدرة للمتهمين الرئيسيين 6.7 ملايين شيقل، فيما حصلوا في إحدى العمليات على نحو 3.9 ملايين شيقل مقابل إدخال 26 كرتونة سجائر.

وفي قضية منفصلة، قدمت نيابة الاحتلال لائحة اتهام بحق بتسلئيل زيني، شقيق رئيس جهاز "الشاباك" دافيد زيني، تضمنت اتهامه بالمشاركة في تهريب نحو 14 كرتونة سجائر، موزعة على ثلاث دفعات، عبر معبر "صوفا" الذي لم يكن مستخدمًا لإدخال المساعدات الإنسانية، وأنه حصل على نحو 365 ألف شيقل مقابل ذلك.

وقالت النيابة إن المتهم استغل خدمته في الاحتياط وتصريحه بتحريك المركبات، وقدم الشحنات كما لو كانت مرتبطة باحتياجات عسكرية. ونفى محاميه الاتهامات، ولم يُتَّهم شقيقه رئيس "الشاباك" بأي دور في القضية.

وفي قضية عسكرية منفصلة، اتُّهم ضابط وجندي بتهريب 4,496 علبة سجائر إلى غزة في أيار/مايو 2025، مقابل 269 ألف شيقل قالت لائحة الاتهام إن تاجرًا فلسطينيًا دفعها. والرقم هنا لا يتعلق بمضبوطات بيعت لاحقًا، بل بكمية تزعم النيابة أنها هربت مقابل أجر محدد.

وفي بيان رسمي بشأن إحدى قضايا التهريب، قالت وزارة أمن الاحتلال إن التبغ والسجائر كانا من بين البضائع الرئيسية المحظورة التي أُدخلت إلى القطاع، وزعمت أن السوق وفرت مئات ملايين الشواقل لحركة حماس منذ بداية الحرب.

ويظل هذا تقديرًا إسرائيليًا رسميًا لم تنشر الوزارة منهجية احتسابه أو أدلة تتيح التحقق منه بصورة مستقلة.

بينما منعت إسرائيل دخول التبغ إلى غزة، اتُّهم إسرائيليون من داخل الجيش وخارجه باستغلال الحرب والحصار لتحقيق أرباح شخصية من السلعة نفسها

ورغم اتساع نطاق هذه القضايا وضخامة المبالغ المتداولة فيها، طرح تحليلٌ نشرته "يديعوت أحرونوت" تساؤلات بشأن التعامل مع معظمها بوصفها جرائم اقتصادية ومدنية، بدل إدارتها باعتبارها ملفًا أمنيًا، خصوصًا أن بعض المواد المهربة صُنفت ضمن مواد الاستخدام المزدوج.

وتؤكد هذه القضايا أن مسارات تهريب السجائر لم تقتصر على جهات داخل قطاع غزة، بل هناك ضالعون فيها من جانب الاحتلال أيضًا. فبينما منعت إسرائيل دخول التبغ بدعوى منع استفادة حركة حماس من أرباحه، اتُّهم إسرائيليون من داخل الجيش وخارجه باستغلال الحرب والحصار لتحقيق أرباح شخصية من السلعة نفسها.

اليونيسف وعبوات النيكوتين

في 17 آذار/مارس 2026، زعمت هيئة تنسيق أعمال حكومة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة العثور على مواد تبغ ونيكوتين داخل كراتين مستلزمات نظافة مرتبطة باليونيسف عند معبر كرم أبو سالم، وأعلنت تعليق دخول شحنات للمنظمة.

وقالت اليونيسف إن الشحنة كانت تنقل بواسطة ناقل تجاري، وإنها فتحت تحقيقًا في الادعاء، مؤكدة أنها تتعامل معه بجدية. وحذرت من أن تعطيل عملياتها سيزيد الوضع الإنساني في غزة سوءًا. ولم تتهم المنظمة موظفيها أو تقر بعلمها المسبق بوجود المواد.

توجّه "الترا فلسطين" إلى اليونيسف في 14 تموز/يوليو 2026 طالبًا التعليق بشأن نتائج التحقيق، والمرحلة التي أضيفت فيها المواد إلى الشحنة، وما إذا كانت المسؤولية وقعت على شركة النقل أو أحد المتعهدين، والإجراءات التي اتخذتها المنظمة لمنع تكرار الواقعة. ولم يتلق ردًا حتى موعد النشر.

وحتى في حال ثبوت وجود النيكوتين داخل شحنة مرتبطة بالمنظمة، فإن ذلك لا يثبت علم اليونيسف أو موظفيها. لكنه يطرح أسئلة حول قدرة المؤسسات الإنسانية على مراقبة الناقلين التجاريين والمتعهدين في سلسلة إمداد تمر بأكثر من دولة ونقطة تفتيش.

روايتان متعارضتان في جباليا

تجدد الجدل في 12 تموز/يوليو 2026، بعد دخول عناصر من الشرطة إلى مركز توزيع تابع لبرنامج الأغذية العالمي في منطقة أبو راشد بمخيم جباليا.

وقال منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، رامز الأكبروف، إن "السلطات الفعلية" في غزة عرقلت عملية إنسانية، وأدان ما وصفه بالتدخل في عمل المنشأة والعاملين فيها. وأعادت الأمم المتحدة عرض موقفه في إحاطتها بتاريخ 13 تموز/يوليو.

في المقابل، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن تدخل الشرطة جاء بعد اكتشاف سجائر وشاشات هواتف محمولة داخل المركز، وإن المهمة استهدفت ضبط بضائع مهربة، لا تعطيل المساعدات. وأضاف البيان أن مواطنين تجمعوا أثناء العملية واستولوا على بعض السجائر المضبوطة.

ولم ينشر أي من الطرفين محضر ضبط كاملًا أو نتائج تحقيق توضح أين عُثر على المواد تحديدًا، وهل كانت داخل طرود غذائية مختومة، أم في شاحنات النقل، أم في مساحة أخرى داخل المركز. كما لم يتضح من الذي اكتشفها أولًا، أو الجهة التي كان يفترض أن تتسلمها.

وجّه "الترا فلسطين" إلى برنامج الأغذية العالمي، في 14 تموز/يوليو 2026، طلبين منفصلين للتعليق، تعلّق الأول بآليات الرقابة على الشحنات والمتعهدين، فيما خُصص الثاني لما جرى في مركز أبو راشد، وشمل أسئلة بشأن مكان اكتشاف المواد، ودور السائقين والمتعهدين، وما إذا كان البرنامج وثّق حوادث مشابهة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولم يتلقَّ "الترا فلسطين" ردًا حتى موعد النشر.

ويتعذر، في غياب نتائج تحقيق موثقة، ترجيح الرواية الأممية أو الحكومية بصورة قاطعة، وتبقى الواقعة من الملفات المفتوحة في هذا التحقيق.

سوق موازية أخطر من الدخان

لا يقتصر ما يمكن أن يعبر قنوات التهريب نفسها على التبغ وحده، إذ يقول مصدر أمني في غزة، طلب عدم كشف هويته، إن الأجهزة الأمنية لا تنظر إلى السجائر بوصفها الخطر الوحيد في الشحنات المهربة، بل تبحث أيضًا عن مخدرات ومعدات إلكترونية وأجهزة يمكن استخدامها في التتبع أو المراقبة.

ويضيف: "المشكلة مش بالدخان لحاله، إنما المشكلة في الأشياء اللي ممكن تدخل معه من مواد وأجهزة".

الأجهزة الأمنية لا تنظر إلى السجائر بوصفها الخطر الوحيد في الشحنات المهربة، بل تبحث أيضًا عن مخدرات ومعدات إلكترونية وأجهزة يمكن استخدامها في التتبع أو المراقبة

وتتقاطع شهادة المصدر جزئيًا مع تحقيق سابق للعربي الجديد نقل عن باعة في غزة حديثهم عن دخول الحشيش والترامادول وحبوب تباع تحت مسميات مختلفة عبر مسارات التهريب نفسها.

ولا يستطيع "الترا فلسطين" التحقق من طبيعة هذه المواد أو تركيبها، في ظل تعطل مختبرات الفحص. ويدعم هذا التقاطع الجزء المتعلق بإمكان استغلال مسارات التهريب لإدخال مواد أخرى، لكنه لا يقدم دليلًا على ما ذكره المصدر بشأن أجهزة التتبع والمراقبة.

وتؤكد الوقائع وجود شبكة مصالح متداخلة تبدأ من موردين ووسطاء إسرائيليين وجنود، وتمتد إلى متعهدين وناقلين وتجار داخل غزة.

وتظهر القضايا والشهادات مسارات متعددة: جنود وعناصر احتياط ووسطاء إسرائيليون، بينهم شقيق رئيس "الشاباك"، اتهموا بالمشاركة في عمليات درت منها ملايين الشواقل على الشبكات المتورطة، وشحنات تجارية استغلت لإخفاء السجائر داخل بضائع مثل الأحذية؛ وناقلون ومتعهدون تمر عبرهم المساعدات ضمن سلاسل توريد ظهرت فيها ثغرات قابلة للاستغلال، وتجار وموزعون داخل غزة يستطيعون تحويل كميات صغيرة إلى أرباح كبيرة بفعل التحكم في المعروض.

ولا تثبت الشهادات مسؤولية مؤسسية لبرنامج الأغذية العالمي أو اليونيسف، كما لا تقدم دليلًا على تورط جميع شركات النقل أو العاملين في المخازن. لكنها تكشف نقاط ضعف يمكن للمهربين استغلالها داخل سلاسل طويلة ومعقدة يصعب مراقبتها بالكامل.

وفي المقابل، لا تعفي عمليات الضبط المعلنة السلطات المحلية من تقديم معلومات واضحة حول مصير المضبوطات وهوية المتورطين، ولا تفسر كيف استمرت السجائر في الظهور داخل الأسواق طوال فترات الحظر المشدد.

أما النتيجة الأكثر وضوحًا، فهي أن المنع الإسرائيلي لم ينجح في وقف دخول السجائر إلى غزة، بل أعاد تشكيل خريطة المستفيدين منها: من بائع فردي يبيع كميات محدودة، إلى شبكات منظمة على الجانب الإسرائيلي تقاس عائداتها بملايين الشواقل.

وانخفاض سعر السيجارة الواحدة إلى نحو 22 شيقلًا في الرصد الميداني، مقارنة بمئات الشواقل في ذروة الحرب، لا يمثل بالضرورة علامة انفراج، وقد يكون مؤشرًا على تحول التهريب من عمليات متقطعة إلى مسارات أكثر انتظامًا، من دون أن يتمكن التحقيق من قياس حجم كل مسار أو تحديد حصته من المعروض.

وفي قطاع كان سكانه ينتظرون الدقيق والدواء والوقود، نشأت بالتوازي تجارة أخرى في الظل؛ صنعتها الندرة، ووسعت الحرب طرقها، فيما بقيت معظم حلقاتها بعيدة عن الكشف والمساءلة.

الكلمات المفتاحية

حواجز القتل المتكرر… ما الذي يحدث في الخليل؟

حواجز القتل المتكرر… ما الذي يحدث في الخليل؟

24 شهيدًا عند حواجز الخليل بين السابع من تشرين الأول ونهاية 2025، نصفهم عند حاجزي بيت عينون ورأس الجورة


بيع الأمل في غزة.. عقود هجرة بمحامٍ مسحوب الترخيص ووثائق مزورة تحمل شعار الصليب الأحمر

بيع الأمل في غزة.. عقود هجرة بمحامٍ مسحوب الترخيص ووثائق مزورة تحمل شعار الصليب الأحمر

في ظل الحرب المستمرة وصعوبة السفر من قطاع غزة، يجد كثير من السكان أنفسهم أمام وعود تبدو كطريق محتمل للخروج.


داخل صندوق أسود: هكذا تُدار الدبلوماسية الفلسطينية

داخل صندوق أسود: هكذا تُدار الدبلوماسية الفلسطينية

تثير البيانات الصادرة عن الرئاسة الفلسطينية، والتي تحمل أخبار تعيين السفراء والدبلوماسيين بالسلك الدبلوماسي الفلسطيني، تساؤلات بشأن علاقة منظمة التحرير الفلسطينية، بالسلطة الفلسطينية


سفارة فلسطين في بروكسل.jpg

سفارات فلسطين حول العالم.. معارك دبلوماسيّة صاخبة وتعيينات هادئة

أعادت أزمة السفارة الفلسطينيّة في بروكسل الاهتمام من جديد لوضع سفارات السلطة الفلسطينيّة في العالم، الّتي تُوجّه لها انتقادات دائمة واتّهامات بالمحسوبيّة والفساد.

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ الوالد باستشهاد معتز دون توضيح الظروف
أخبار

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف

شقيق الأسير معتز، باشا الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
أخبار

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست

قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة


فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
قول

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

طائرة جناح صهيون
أخبار

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك

الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟