ترجمة | اليمين الإسرائيلي يسير تحت راية جديدة
2 يوليو 2026
لم يعد علم "الهيكل" مجرد رمز تتبناه جماعات دينية هامشية في إسرائيل، بل بات يعكس تحولًا أيديولوجيًا وسياسيًا يتسع داخل اليمين الديني القومي، ويترافق مع تصاعد الدعوات لفرض السيادة على المسجد الأقصى وتغيير الوضع القائم في المدينة المحتلة. في هذا المقال، يتناول الباحث الإسرائيلي مناحيم كلاين كيف انتقلت هذه الأفكار من الهامش إلى قلب المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي، وما تحمله من تداعيات على القدس والقضية الفلسطينية.
وسط بحرٍ مألوف من الأعلام الإسرائيلية في مسيرة الأعلام بمناسبة "يوم القدس" الشهر الماضي، استوقفني رمز آخر: راية بلون أزرق فاتح تحمل صورة "جبل الهيكل"، المعروف لدى المسلمين باسم المسجد الأقصى أو الحرم الشريف. وظهر هذا الرمز مرارًا بين نحو 70 ألف شاب وشابة من التيار الديني القومي شاركوا في المسيرة السنوية التي تحتفي باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967.
بالنسبة إلى المقدسيين أمثالي، لا يُعد هذا الرمز جديدًا. فهو منتشر في أرجاء المدينة، على السيارات واللافتات ومواقف الحافلات، وغالبًا ما يرافقه شعار: "وجوهنا إلى الهيكل". وقبل بضعة أشهر، صادفتُ صورة للرمز ذاته على لافتة، وُضعت على أحد الطرق الرئيسية في الضفة الغربية لتوجيه المسافرين نحو القدس، وهي واحدة من عشرات اللافتات التي وضعها ناشطو الهيكل في أنحاء البلاد.
إلا أن انتشار هذا الرمز في مسيرة هذا العام يعكس تزايد حضور حركة جبل الهيكل في التيار السائد داخل المعسكر الديني القومي في إسرائيل. ولفهم هذا التقارب، يجدر التذكير بالكيفية التي أصبحت بها مسيرة الأعلام في صميم التجربة القومية الدينية لجيل كامل من الإسرائيليين.
فعلى الرغم من أن مسيرة الأولى نُظمت عام 1968، بعد وقت قصير من بدء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والقدس الشرقية، فإنها ظلّت طوال عقود حدثًا هامشيًا نسبيًا داخل التيار الصهيوني الديني. غير أنه في مطلع الألفية، بدأ بُعد جديد من المسيرة يحتل موقعًا مركزيًا في الخطاب العام حولها، تمثل في الاعتداءات العنيفة على الفلسطينيين وممتلكاتهم في البلدة القديمة في القدس.
وقد تكشّف هذا العنف، الذي تزايد مع مرور الوقت، ضمن سياق سياسي أوسع. فقد انهارت قمة كامب ديفيد في تموز 2000، جزئيًا، بسبب خلافات حول السيادة في القدس ومستقبل "جبل الهيكل"، وتحديدًا مطالب إسرائيلية بتخصيص مساحة خاصة لصلاة اليهود في الموقع، واستمرار السيادة الإسرائيلية على أجزاء من القدس الشرقية.
ساهم فشل القمة، وما أعقبه من زيارة أرئيل شارون الاستفزازية إلى المسجد الأقصى في أيلول 2000، في إشعال شرارة الانتفاضة الثانية. وأصبح شارون رئيسًا للوزراء في كانون الثاني 2001، ثم قاد الحملة العسكرية التي كانت، بحلول عام 2002، قد فكّكت جزءًا كبيرًا من البنية الحاكمة والأمنية للسلطة الفلسطينية.
ومنذ انهيار عملية السلام، وضع اليمين الإسرائيلي عمومًا، والمعسكر الديني القومي خصوصًا، المسجد الأقصى على نحو متزايد في صلب مشروعه السياسي. ويتمثل الهدف في تغيير الوضع القائم الذي أؤسس في حزيران 1967، والذي يُعد حظر صلاة اليهود في الموقع أحد مبادئه الأساسية، وصولًا في نهاية المطاف إلى تقسيم الحرم إلى منطقتين منفصلتين للعبادة: واحدة للمسلمين وأخرى لليهود، على غرار النموذج الذي فرضته إسرائيل في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
وفي "جبل الهيكل"، سيعني هذا التقسيم إلغاء ترتيب قائم منذ نحو 1300 عام، ظلّ المسجد الأقصى بموجبه مكانًا حصريًا للعبادة الإسلامية. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يتمثل الخوف في أن تصبح خطوة كهذه تمهيدًا لمحو المسجد الأقصى باعتباره مكانًا مخصصًا للمسلمين، واستبداله بالهيكل الثالث.
وعليه، لا يمكن فصل تنامي أهمية مسيرة الأعلام، وتصاعد العنف ضد الفلسطينيين المصاحب لها، عن الصعود السياسي لليمين الديني القومي في إسرائيل، وتزايد نفوذ حركة جبل الهيكل، واحتدام الصراع حول السيادة في القدس.
السير بالزي عسكري
على مدار العقدين الماضيين، اللذين تحوّلت خلالهما مسيرة الأعلام إلى ما هي عليه اليوم، شهد الجيش الإسرائيلي تحوّلًا اجتماعيًا مهمًا. فقد التحقت أعداد متزايدة من الشباب المحافظين والمنتمين إلى التيار الديني القومي بأكاديميات ما قبل الخدمة العسكرية والمعاهد الدينية، التي تجمع ما بين الإعداد العسكري والتنشئة الأيديولوجية المكثفة. ويصل كثيرون منهم إلى وحدات قتالية نخبوية وهم يحملون تصورًا واضحًا لمهمتهم، بتشجيع من حاخامات ومعلمين ومؤسسات أيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل الجيش من الداخل، ووضع القيم الدينية القومية في صلب سلطة الدولة الإسرائيلية.
فاليوم، ينتهي المطاف بكثير من المشاركين في مسيرة الأعلام كل عام ليصبحوا جنودًا مقاتلين. وفي الواقع، نُفذت الحرب الإبادية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة على يد جنودٍ كانوا، قبل سنواتٍ قليلة فقط، من المشاركين في المسيرة. أما الهتاف "عسى أن تحترق قريتك" الذي ظلّ لسنوات مفضلًا بين المشاركين فيها، فقد أصبح يُسمع على نطاق واسع بين الجنود في قطاع غزة، فيما تُترجم رسالته عمليًا على الأرض في الضفة الغربية.
ولم يقتصر هذا التحول على الرتب الدنيا في الجيش؛ فبينما أصبح التيار الديني القومي يُشكّل القوة الاجتماعية المهيمنة في القوات البرية الإسرائيلية، يتزايد نفوذه بوضوح في سلاح الجو والبحرية وأجهزة الاستخبارات والمؤسسة الأمنية برمّتها.
وقد وصل هذا التأثير إلى صفوف القادة وكبار الضباط، بمن فيهم ضباط برتبة لواء، وهي ثاني أعلى رتبة في الجيش الإسرائيلي . ويُعد ديفيد زيني، الذي عُيّن رئيسًا لجهاز الأمن العام (الشاباك) عام 2025، أحد هؤلاء؛ إذ تشكّلت سنواته التأسيسية في مؤسسات مرتبطة بالحاخام تسفي يسرائيل ثاو، الزعيم الروحي لحزب "نوعام" اليميني المتطرف والمعادي للمثليين، قبل أن يتابع دراسته في "يشيفات شافي حبرون" في مستوطنة كريات أربع، وهي مؤسسة تولي أهمية كبيرة لتولّي أدوار قيادية في الجيش.
ولم تعد حركة جبل الهيكل، هي الأخرى، حبيسة المنظمات الناشطة والمؤسسات الدينية. فقد أظهر تقرير حديث نشرته صحيفة "هآرتس" أن الشرطة الإسرائيلية شرعت في تجنيد ناشطين دينيين قوميين من حركة الهيكل للخدمة في وحدة جبل الهيكل، وهي القوة المسؤولة عن تأمين الموقع. وقد عمّم أحد قادة الوحدة رسائل تجنيد في مجموعات يمينية واستيطانية على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيق واتساب، عرض فيها شروط عمل مغرية، ودعا المتقدمين إلى المشاركة فيما وصفه "بتطبيق السيادة" على "الجبل".
ولا يقتصر الأمر على ناشطين يدخلون مؤسسات الدولة من المراتب الدنيا. فقد كشف تقرير حديث آخر أن نتنياهو فوّض وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالإشراف على الترتيبات في المسجد الأقصى، في مؤشر إلى أن التآكل المستمر للوضع القائم يحظى بمباركة أعلى مستويات الحكومة.
ويترافق هذا التحول المؤسسي مع تحول أيديولوجي أوسع. فقد استُخدم الخطاب التوراتي مرارًا في وسائل الإعلام والسياسة والجيش لتبرير نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وقتلهم وتهجيرهم. وفي الوقت ذاته، تحدث جنود في الميدان بشكل واضح عن إعادة بناء الهيكل بوصفه دافعًا وراء أفعالهم.
وهكذا، فإن العنف الذي أصبح سمة مميزة لمسيرة الأعلام —والذي تغذيه جزئيًا أيديولوجيا تتمحور حول الهيكل— تجاوز شوارع القدس بكثير. فهو يمتد اليوم إلى قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان؛ ومن خلال سلاح الجو الإسرائيلي، يصل الآن إلى بيروت وإيران أيضًا.
راية لنظام سياسي جديد
ليس أيُّ من هذا محض صدفة؛ فالحرب التي بدأت في 7 أكتوبر ليست مجرد رد غاضب على جرائم الحرب التي ارتكبتها حماس؛ بل تعكس ديناميات سياسية أعمق تظهر آثارها على جبهات متعددة.
فالعنف المتصاعد بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتهجير القسري للتجمعات الريفية، ليسا جرائم يرتكبها تيار متطرف هامشي، كما يدّعي السياسيون اليمينيون غالبًا، بل هما سياسات مدعومة من الدولة ترمي إلى الطرد الموجّه، ويُنفذها وكلاء الدولة. ومن بين منفذيها متدينون قوميون يرفعون علم الهيكل في بؤرهم الاستيطانية إلى جانب العلم الوطني، بل وعلى نحو متزايد بدلًا منه.
أصبح ذلك العلم يدلّ على ما يتجاوز "جبل الهيكل" (المسجد الأقصى) بذاته. فقد أصبح رمزًا مشتركًا لمعسكر سياسي واسع، يمتد من ناشطين أرثوذكس ملتزمين إلى جماعات دينية قومية ومحافظين تقليديين، وصولًا إلى كثير من أفراد اليمين الإسرائيلي العلمانيين أو غير المتدينين. ويعكس تزايد ظهوره في مسيرة الأعلام، وعلى السيارات، وعلى جوانب الطرق، وفي البؤر الاستيطانية، ظهور لغة سياسية مشتركة تتجاوز الحدود الدينية والاجتماعية القديمة.
ويستطيع أي متابع للنشاط اليهودي الإسرائيلي في المسجد الأقصى —بما في ذلك زيارات بن غفير التي حظيت بتغطية واسعة— أن يرى اتساع هذا الائتلاف. فمن بين من يقتحمون المسجد الأقصى بصورة متزايدة يهود حريديم يؤدون الصلاة إلى جانب قوميين دينيين، رغم معارضة مرجعياتهم الحاخامية. ويشمل هذا الاتجاه أيضًا حركة حباد الحسيدية، التي أصبح علمها الأصفر بما يحمله من رمزية المشيح والتاج، شعارًا رائجًا على بزّات جنود لا تربطهم بالحركة نفسها أي صلة مباشرة.
في القطاع اليهودي الإسرائيلي الأوسع، شهدت ممارسة ارتداء خيوط "التسيتسيت" الطويلة بشكلٍ ظاهر خارج البنطال تحولًا مشابهًا: من علامة على التديّن إلى محدد هوية يرتبط بمعسكر سياسي وثقافي أوسع، وهو المعسكر الممثل بمسيرة الأعلام ورمز الهيكل.
إلا أن علم الهيكل لا يحمل المعنى ذاته لكل من يرفعه. فالبنسبة إلى الكثيرين، يعبّر عن ارتباط عام بالسيادة اليهودية والهوية الدينية والبعث القومي. أما لدى تيار أكثر تطرفًا، فيُشير إلى اعتقادٍ مفاده أن دولة إسرائيل، بصورتها الحالية، قد استنفدت مهمتها التاريخية. وقد برز هذا التيار بقوة خاصة بعد الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، حينما خلص كثير من الناشطين الدينيين القوميين إلى أن الدولة قد خانت غايتها المقدسة.
ومن منظورهم، لم تعد إسرائيل قابلة للإصلاح من الداخل؛ بل يجب أن يحلّ محلها نظام سياسي مختلف. ولا يقتصر طموحهم على ضمان حق اليهود في الصلاة في "المسجد الأقصى"، بل يتجاوز ذلك إلى تصور تحوّل شامل للدولة ذاتها: بناء الهيكل الثالث، وظهور نظام ثيوقراطي يهودي يتمحور حوله.
الكلمات المفتاحية
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
ماذا يعني قرار يسرائيل كاتس نقل صلاحيات "إنفاذ القانون" بالضفة إلى شرطة الاحتلال؟
وفق الصحفي الإسرائيلي رون بن يشاي، فإن ما وراء القرار يعود إلى كون كاتس لم يسمح أساسًا بمواجهة "مثيري الشغب اليهود في قرية قصرة" من قبل الجيش الإسرائيلي، ولذلك طالب إيال زامير بإعفائه من المسؤولية.
تعطيش الفلسطينيين.. كيف تتحول مياه الأغوار إلى أداة للتهجير؟
المستوطنون تمكنوا خلال العامين الماضيين من السيطرة على عدد من أكبر وأهم الينابيع في غور الأردن والمنحدرات الشرقية للضفة الغربية.
أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها
يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة
إسلام حجازي يروي شهادته على الإعدام وعذابات السجون
الأسير المحرر إسلام حجازي يروي شهادته عن عذابات السجون ويتحدث عن إعدام الاحتلال الإسرائيلي الطبيب عدنان البرش، بالإضافة إلى أسرى في معسكر الاعتقال سديه تيمان.
المتطرف إيتمار بن غفير يدعو إلى قتل 30 - 40 فلسطينيًا في غزة كل يوم
دعا وزير الأمن القومي للاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير علنًا إلى قتل "30 إلى 40" شخصًا في غزة كل ليلة
كان: جيش الاحتلال يستعد لاحتمال مطالبة أميركية بوقف الهجمات على غزة.. وخلافات قبل لقاء كوشنر - نتنياهو
كشفت قناة كان الرسمية الإسرائيلية، أن جيش الاحتلال ومخابراته يستعدان لاحتمال أن تطالب الولايات المتحدة إسرائيل بوقف هجماتها في قطاع غزة، في إطار ضغط أميركي متزايد لدفع تنفيذ المرحلة التالية من خطة القطاع.