ترجمة | حملة سحب الاستثمارات التي قد تهز الأسس الاقتصادية لإسرائيل
16 يوليو 2026
في ظل استمرار الحرب وتزايد الاعتماد الإسرائيلي على الاقتراض لتمويل الإنفاق العسكري، تتصاعد في عدد من الدول والمؤسسات حملات تدعو إلى سحب الاستثمارات من السندات الحكومية الإسرائيلية. ولم تعد هذه التحركات تُنظر إليها باعتبارها رسائل رمزية فقط، بل باتت تطرح تساؤلات حول أثرها المحتمل على قدرة إسرائيل المالية وعلى علاقتها بالأسواق والمستثمرين. في هذا المقال المنشور في موقع "972+"، يبحث الكاتب أهرون بوراث في الدور المتنامي للسندات الحكومية في تمويل الاقتصاد الإسرائيلي، وكيف يمكن لاتساع عمليات سحب الاستثمار أن يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية وأخلاقية تتجاوز حدود الأرقام المالية.
في أواخر أيار، أعلن الاتحاد الأوروبي عن مجموعة جديدة من العقوبات على منظمات استيطانية إسرائيلية، فضلًا عن أفراد معروفين بتنفيذ اعتداءات عنيفة على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وسرعان ما أعقب ذلك إعلان ست حكومات أوروبية، من بينها فرنسا وبريطانيا، فرض عقوبات إضافية تستهدف "شبكات تمويل اعتداءات المستوطنين ودعمها". كما أعلنت فرنسا منع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول أراضيها، بسبب دعمه للاستيطان وضم الأراضي.
وفي مقابلة مع صحيفة "غلوبز" الإسرائيلية، شدّد سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل، مايكل مان، على أن هذه العقوبات ليست موجّهة ضد دولة إسرائيل، وإنما "ضد أفراد ومنظمات محددة نعتقد أنها انتهكت حقوق الإنسان بموجب القانون". ورغم توقع مناقشة الحكومات الأوروبية عقوبات إضافية في الأسابيع المقبلة، تشير تصريحات مايكل مان إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال حريصًا على الفصل بوضوح بين المستوطنات ودولة إسرائيل.
وبينما تصدرّت هذه العقوبات العناوين الرئيسية في جميع القنوات الإخبارية الإسرائيلية تقريبًا، يتصاعد بعيدًا عن الأنظار شكل آخر من من أشكال الضغط الاقتصادي، يتمثّل في بيع سندات الحكومة الإسرائيلية. وفي أفضل الأحوال، لا تحظى حالات سحب الاستثمارات إلا بإشارة عابرة في الصفحات الداخلية للصحافة الاقتصادية. وعلى الرغم من أن نطاق هذه الحملة لا يزال محدودًا، فإن توسيعها قد يُلحق ضررًا كبيرًا بالاقتصاد الإسرائيلي.
وبعيدًا عن العمليات السياسية المطوّلة التي تتّسم بها القرارات الحكومية، يمكن لمجموعة واسعة من الجهات المستقلة سحب استثماراتها من السندات، ومن بينها صناديق التقاعد، والمستثمرون من القطاع الخاص، والهيئات الحكومية المحلية والإقليمية، وصناديق الاستثمار الخاصة والعامة، وغالبًا ما يأتي ذلك استجابة مباشرة للضغوط الشعبية. والأهم أن هذا النوع من الضغوط، بخلاف عقوبات الاتحاد الأوروبي، لا يميز بين دولة إسرائيل والمستوطنات.
في أيار، استجاب أكبر صندوق تقاعد عام في المملكة المتحدة لضغوط النشطاء، وباع سندات حكومية إسرائيلية تُقدر قيمتها بنحو 29.2 مليون دولار. وقال أحد قادة الاحتجاج لموقع "ميدل إيست آي": "شعرنا بالصدمة حين اكتشفنا أن مدخراتنا التقاعدية تموّل الإبادة الجماعية والفصل العنصري والاحتلال والسجن والتعذيب".
وبعد بضعة أيام، أعلنت حملة مماثلة في ولاية ماريلاند نجاحها في دفع صندوق تقاعد الولاية إلى سحب استثماراته من حيازات في سندات إسرائيلية تقدر قيمتها بنحو 73.7 مليون دولار. ونفت إدارة الصندوق أن القرار اتُخذ كاستجابة للاحتجاجات، ولكن حتى لو كان قرارًا استثماريًا وليس إنجازًا مباشرًا للنشطاء الداعمين لفلسطين، فإن حالات كهذه تهدد بزعزعة الأسس الاقتصادية لإسرائيل.
وتُمارَس ضغوط مماثلة على صندوق تقاعد موظفي ولاية نيويورك والهيئات المحلية، الذي تبلغ قيمة حيازاته من السندات الإسرائيلية نحو 368 مليون دولار، وكذلك على صندوق التقاعد الوطني في ويلز، وإن كانت استثمارات الأخير في شركات إسرائيلية لا في سندات حكومية. أما أكبر صندوق تقاعد خاص في بريطانيا، وهو نظام المعاشات التقاعدية للجامعات، فكان قد سبق هذا التوجه، إذ سحب استثمارات تزيد قيمتها على 100 مليون دولار من أصول إسرائيلية في آب 2024.
كما أدت حملات الضغط إلى زعزعة الآليات التي يستثمر الأوروبيون من خلالها في السندات الإسرائيلية. ففي السنوات القليلة التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تولّت أيرلندا عن المملكة المتحدة مسؤولية اعتماد الوثائق التنظيمية، المعروفة باسم نشرات الإصدار، التي أتاحت طرح سندات الحكومة الإسرائيلية أمام هيئات الاستثمار المؤسسية والعامة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكن في أيلول 2025، توقف البنك المركزي الأيرلندي عن أداء دوره بوصفه منفذًا رئيسيًا لطرح هذه السندات، وذلك بعد حملات ضغط متواصلة شارك فيها برلمانيون أيرلنديون ونشطاء ومنظمات حقوقية.
ومع أن ذلك لم يعطّل آلية الاستثمار في السندات إذ نُقلت منذ ذلك الحين إلى لوكسمبورغ، حيث لا تزال تعمل بالطريقة ذاتها تقريبًا، فإن هذه الخطوة تعكس تنامي الوعي بأن الكثيرين كانوا يستثمرون في السندات الإسرائيلية دون أن يعلموا بذلك. وإذا استمر هذا التوجه، فقد يسبب مشكلات حقيقية للاقتصاد الإسرائيلي.
"ثقة عالية لدى المستثمرين"
يُعد إصدار السندات أداة أساسية تلجأ إليها الحكومات لتمويل الإنفاق العام وسداد الديون. وبالنسبة إلى إسرائيل، تُستخدم هذه الإيرادات لتمويل كل شيء، من الإنقاق على الرعاية الاجتماعية العامة إلى المعدات العسكرية اللازمة لتنفيذ الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ومع ما تفرضه الحرب المطوّلة من عبء ثقيل على الإنفاق الحكومي، أصبح اعتماد وزارة المالية على إصدار الدين أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وعلى الرغم من أن عمليات سحب الاستثمارات الأخيرة بلغت مئات الملايين من الدولارات، فإن هذه الخطوات تظل ضئيلة نسبيًا مقارنة بحجم إصدارات الدين الإسرائيلية. فالطلب في الخارج لا يزال مرتفعًا: إذ جمعت إسرائيل عام 2024 نحو 278 مليار شيكل، أي ما يقارب 93 مليار دولار، عبر بيع أنواع مختلفة من السندات، وهو ما يعادل نحو 45% من إجمالي الإنفاق الحكومي في ذلك العام، وأكثر من أربعة أضعاف المبلغ الذي جُمع في عام 2022. أما أحدث عملية بيع للسندات أجرتها وزارة المالية، في كانون الثاني من هذا العام، فجمعت نحو 6 مليارات دولار، بعدما فاق الطلب العرض بنسبة ستة إلى واحد.
وقال سموتريتش إن ذلك "يعكس متانة الاقتصاد الإسرائيلي والإدارة الاقتصادية المسؤولة التي انتهجناها في السنوات الأخيرة، والتي أكسبتنا ثقة الأسواق". وقال يالي روتنبرغ، المحاسب العام في وزارة المالية، إن النتائج "تُظهر ثقة كبيرة لدى المستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي".
وتتمثل المصادر الأساسية لهذه الأموال في جهات محلية، من بينها صناديق التقاعد والادخار وشركات التأمين والبنوك، التي تُدير استثمارات ومُدخرات طويلة الأجل نيابة عن عملائها. كما يمتلك معظم المواطنين الإسرائيليين حيازات في السندات الحكومية عبر صناديق الادخار الخاصة بهم، فيما يأتي مصدر رئيسي آخر لرأس المال الخارجي من المجتمعات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة. ويتضمن الموقع الإلكتروني لمؤسسة تنمية إسرائيل، وهي الذراع التسويقية لمؤسسة "سندات إسرائيل"، صفحة حملة مخصصة لهذه المجتمعات.
في تموز 2025، نشر الرئيس التنفيذي للمؤسسة، داني نافيه، رسالة مفتوحة على منصة إعلامية إنجيلية، شكر فيها المجتمعات المسيحية الأمريكية على "موجة الدعم لإسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر، ليس بالكلمات والصلوات فحسب، بل أيضًا من خلال خطوات ملموسة". ومضى موضحًا طبيعة الخطوات التي يقصدها: "فقد استثمر أفراد ومؤسسات أكثر من 5 مليارات دولار في إسرائيل عبر مؤسسة سندات إسرائيل، وجاءت حصة كبيرة ومتنامية من هذه الاستثمارات من داعمين مسيحيين يدركون أن الدعم المالي لإسرائيل هو إحدى سبل حماية الشعب اليهودي".
كما يُقبل كثيرون في الخليج بحماسة على الاستثمار في سندات الحكومة الإسرائيلية. ووفقًا لصحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، قاطع مدير رفيع في أحد أكبر الصناديق روتنبرغ، المحاسب العام، خلال عرض قدّمه لمستثمرين من الخليج في خضم عملية البيع التي جرت في كانون الثاني، وقال له: نعلم كل شيء؛ لقد أجرينا التدقيق اللازم، خصصوا لنا هذا المبلغ في الطرح"، ثم دوّن رقمًا بلغ مئات الملايين من الدولارات.
حياد أم تواطؤ؟
وفي حين ينطوي سحب الاستثمارات من السندات الحكومية على إمكانية ممارسة ضغط حقيقي على الاقتصاد الإسرائيلي، فإن ما يحدّ من فاعلية هذه الاستراتيجية هو حقيقة أن الغالبية العظمى من الأموال تأتي من مستثمرين غير نشطين. فمنذ عام 2020، أُدرجت سندات الحكومة الإسرائيلية المقوّمة بالعملة المحلية في مؤشرات عالمية رئيسية للسندات، ولا سيما مؤشر "فوتسي" العالمي للسندات الحكومية، وهو المعيار العالمي للسندات الحكومية. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه السندات مدرجة في صناديق مؤشرات متداولة تُدار بصورة غير نشطة، وتتبع هذه المؤشرات وتجمع سندات من دول مختلفة في سلة واحدة.
وبذلك، فإن المستثمرين الذين يملكون مدخرات في صناديق التقاعد والادخار وصناديق الاستثمار المشتركة وغيرها من الأدوات الاستثمارية التي تُديرها جهات مؤسسية، لا يختارون فعليًا الاستثمار في أصول إسرائيلية، بل إنهم في الغالبية العظمى من الحالات، لا يدركون أساسًا أنهم يفعلون ذلك. ومادامت إسرائيل مدرجة في هذه المؤشرات، فإن جزءًا من الطلب على السندات يبقى مضمونًا فعليًا بفعل النظام المالي ذاته، فيما تبقى هذه الآلية شبه خفية عن الجمهور.
ينطوي هذا الواقع، في آنٍ واحد، على قيود وإمكانات للصراع حول الديون الإسرائيلية. ولا يوجد في الوقت الراهن ما يشير إلى أن صندوق تقاعد في المملكة المتحدة أو ولاية أمريكية أو جهة تنظيمية في أيرلندا قادر بمفرده على تقويض قدرة إسرائيل على الاقتراض عبر إصدار السندات. وحتى مع الأخذ في الاعتبار الموجة الأخيرة من عمليات سحب الاستثمار التي نوقشت أعلاه، والأزمة في أيرلندا، وتزايد الضغط الشعبي على المستثمرين المؤسسيين، تواصل إسرائيل جمع مليارات الدولارات بنجاح في الأسواق الدولية، والاستفادة من الطلب المرتفع، والاستناد إلى سوق محلية تتدفق استثماراتها بصورة شبه تلقائية إلى السندات الحكومية.
وطالما يُنظر إلى السندات الحكومية بوصفها منتجًا استثماريًا عاديًا، وتُدرج في المؤشرات الدولية، وتُشترى عبر صناديق مؤشرات متداولة واسعة النطاق، ويظل المدخرون غير مدركين أن أموالهم مُستثمرة في الدين الحكومي الإسرائيلي، فإن آلية التمويل ستواصل العمل بصورة شبه ذاتية. ومن هنا، تسعى مجموعات الاحتجاج في مختلف أرجاء العالم اليوم إلى تحويل هذا النظام من مسألة تقنية إلى قضية سياسية وأخلاقية.
فعندما يكتشف مدخرون في شمال إنجلترا أن صناديق تقاعدهم مستثمرة في سندات الحكومة الإسرائيلية، وعندما يسأل أعضاء البرلمان في أيرلندا عن سبب توفير البنك المركزي في بلادهم إطارًا تنظيميًا لإصدارات السندات الإسرائيلية، وعندما يطالب مستثمرون في نيويورك أو ويلز بوقف توجيه أموالهم لتمويل دولة ترتكب جرائم حرب في قطاع غزة وتُعمّق سيطرتها على الضفة الغربية، فإن مجرد طرح هذه الأسئلة يُقوّض بالفعل الفصل المريح الذي تقيمه إسرائيل بين سوق رأس المال والسياسة الحكومية. وتتجاهل هذه التحركات التمييز الذي يُصرّ مسؤولون مثل سفير الاتحاد الأوروبي على رسمه بين الدولة الإسرائيلية والمستوطنات.
وبهذا المعنى، فإن سحب الاستثمارات من الدين الإسرائيلي ينزع الغطاء المهني المزعوم عن إحدى آليات التمويل المركزية للدولة. فهو يُجبر جهات تُفضّل التحدث بلغة العوائد والمخاطر والتصنيفات الائتمانية والسيولة على مواجهة أسئلة تتعلق بالأخلاق وحقوق الإنسان: هل لا يزال شراء الدين الحكومي الإسرائيلي استثمارًا حياديًا، أم أنه يشكّل تواطؤًا في تمويل دولة تفقد شرعيتها الدولية تدريجيًا؟
الكلمات المفتاحية
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
ماذا يعني قرار يسرائيل كاتس نقل صلاحيات "إنفاذ القانون" بالضفة إلى شرطة الاحتلال؟
وفق الصحفي الإسرائيلي رون بن يشاي، فإن ما وراء القرار يعود إلى كون كاتس لم يسمح أساسًا بمواجهة "مثيري الشغب اليهود في قرية قصرة" من قبل الجيش الإسرائيلي، ولذلك طالب إيال زامير بإعفائه من المسؤولية.
تعطيش الفلسطينيين.. كيف تتحول مياه الأغوار إلى أداة للتهجير؟
المستوطنون تمكنوا خلال العامين الماضيين من السيطرة على عدد من أكبر وأهم الينابيع في غور الأردن والمنحدرات الشرقية للضفة الغربية.
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب