ترجمة | ما وراء الهجوم الإسرائيلي المتصاعد على الرعاية الصحية في الضفة الغربية
11 سبتمبر 2026
في سعيها إلى دفع الفلسطينيين إلى ترك أرضهم، تستهدف إسرائيل البنية التحتية اللازمة لاستمرار الحياة، بما في ذلك المؤسسات الصحية التي ارتبطت منذ زمن طويل بالنضال الفلسطيني المناهض للاستعمار. فمن اعتقال أطباء بارزين إلى استهداف مؤسسات صحية عريقة، يتصاعد الضغط الإسرائيلي على قطاع الرعاية الصحية الفلسطيني في الضفة الغربية، في استهداف يتجاوز الدور الطبي لهذه المؤسسات ويمسّ تاريخها بوصفها فضاءات للتنظيم الشعبي ومقاومة الاستعمار.
في هذا المقال على موقع 972+، تتناول غادة مجادلة هذا التاريخ، وتبحث في الأسباب التي تجعل المؤسسات الصحية الفلسطينية هدفًا يتجاوز وظيفتها الطبية.
منذ أكثر من شهرين، يقبع أحد أبرز الأطباء الفلسطينيين في الضفة الغربية في السجون الإسرائيلية. ففي اقتحام نُفذ قبيل الفجر في 21 حزيران، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الطبيب مازن الرنتيسي من منزله في حي الطيرة في مدينة رام الله.
ويُعرف مازن الرنتيسي بلقب "طبيب الفقراء"، إذ أمضى عقودًا في تقديم الرعاية الصحية للفئات الفلسطينية محدودة الدخل والمهمشة، وهي خدمة ازدادت أهميتها في السنوات الأخيرة، في ظل احتجاز إسرائيل إيرادات السلطة الفلسطينية، ما حدّ بشكل كبير من إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية العامة. وكحال الكثير من الأسرى الفلسطينيين، تعرض الرنتيسي أثناء احتجازه للإهمال الطبي والاعتداء الجسدي، ما أثار قلقًا واسعًا في أوساط المنظمات الصحية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطينية.
ويتولى الرنتيسي أيضًا رئاسة مجلس إدارة لجان العمل الصحي، ما يجعل اعتقاله واستمرار احتجازه ذا دلالة خاصة. وقد تأسست لجان العمل الصحي في ثمانينات القرن الماضي، وانبثقت عن شبكة من اللجان القاعدية والشعبية التي سعت إلى تقديم الخدمات الأساسية خارج الأطر الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
وكانت الرعاية الصحية في صميم هذا الشكل من أشكال المقاومة الشعبية؛ إذ ركزت عيادات تلك اللجان بشكل خاص على المجتمعات الريفية والمناطق المحرومة من الخدمات، حيث كان الوصول إلى الرعاية محدودًا، فيما أدت السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض التنمية إلى إبقاء البنية التحتية الأساسية عرضة باستمرار للضعف والتدهور.
تعامل هذا النموذج مع الرعاية الصحية بوصفها أكثر بكثير من مجرد تقديم خدمة. فقد كانت لجان العمل الصحي جزءًا من حركة أشمل رأت في بناء مؤسسات فلسطينية مستقلة تُمكّن المجتمعات من الاعتماد على ذاتها ومن إرساء في نهاية المطاف أسس التحرر السياسي، وسيلةً لمقاومة الهيمنة الاستعمارية.
وتكتسب هذه الخلفية التاريخية أهمية خاصة اليوم، إذ تستهدف إسرائيل القطاع الصحي الفلسطيني بذاته. ففي الشهر الماضي، وثقت منظمة الصحة العالمية 37 اعتداءً على خدمات الرعاية الصحية في الضفة الغربية، شملت اعتداءات على المرافق الصحية والمركبات الطبية، وعرقلة قوات الاحتلال الوصول إلى المرافق الصحية، وحوادث استخدمت فيها القوة، فضلًا عن اعتقال أو احتجاز العاملين في القطاع الصحي والمرضى. ويمثل ذلك ارتفاعًا حادًا مقارنة بثمانية اعتداءات في شهر حزيران، وبمتوسط شهري بلغ 10 اعتداءات خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026.
كما واصلت الحواجز الإسرائيلية والإغلاقات العسكرية والقيود المفروضة على حركة سيارات الإسعاف منع الوصول إلى الرعاية الصحية وعرقلة تلقي العلاج. ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حالات منعت فيها القوات الإسرائيلية سيارات الإسعاف من الوصول إلى المرضى أو المستشفيات، أو أخرّت وصولها إليهم؛ وهي تأخيرات أسهمت، بحسب ما أفاد به موقع "+972"، في وفاة مرضى في بعض الحالات.
ولا يُعد مازن الرنتيسي الطبيب الفلسطيني الوحيد الذي تعرض للاستهداف شخصيًا. ففي 18 آب، اعتقلت القوات الإسرائيلية الطبيبة النسائية الفلسطينية ديما محمد أمين بركات من منزلها في رام الله. وأثناء احتجازها لدى إسرائيل، أصيبت بركات بنوبة قلبية ونُقلت إلى المستشفى، حيث خضعت لعملية قسطرة قلبية. ثم أُعيدت إلى الاحتجاز في "المسكوبية" في القدس، فيما ظلّت آثار القيود ظاهرة على معصميها. وقد مدد أحد القضاة احتجازها خمسة أيام إضافية.
وتأتي اعتداءات إسرائيل على القطاع الصحي الفلسطيني في وقت تشهد فيه الضفة الغربية واحدة من أكبر موجات التطهير العرقي منذ النكبة. فمنذ كانون الثاني 2023، تعرّض نحو 127 تجمعًا فلسطينيًا للتهجير الكلي أو الجزئي، ما طال أكثر من 6390 شخصًا. وبعد تهجير العديد من التجمعات الفلسطينية في المنطقة "ج" من الضفة الغربية، التي تخضع بموجب اتفاقيات أوسلو للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة، أصبح المستوطنون الإسرائيليون يوجّهون أنظارهم إلى التجمعات الواقعة في المنطقتين "أ" و"ب".
وتتزامن هذه الضغوط مع تسارع التوسع الاستيطاني، ومع ما وصفته منظمات حقوقية ومحللون بأنه ضم إسرائيلي فعلي للضفة الغربية. ويُعد القطاع الصحي من بين القطاعات التي تتعرض لتدهور مطّرد في خضم هذه العملية. فبالنسبة للمجتمعات الريفية والمهمشة، التي أصبحت معزولة بصورة متزايدة عن الخدمات الأساسية بفعل الحواجز وإغلاق الطرق واعتداءات المستوطنين، فإن فقدان القدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية قد يجعل حياة هذه المجتمعات، الهشة أصلًا، شبه مستحيلة.
الرعاية الصحية كمقاومة شعبية
ولطالما كانت لجان العمل الصحي نفسها هدفًا للسلطات الإسرائيلية. ففي عام 2020، حظرت إسرائيل عمل المؤسسة، ووصفتها بأنها "واجهة إرهابية". وجاء هذا التصنيف ضمن حملة أوسع استهدفت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني التي تمتد أنشطتها إلى مجالات الرعاية الصحية وحقوق الإنسان والتنمية الزراعية والتنظيم المجتمعي.
غير أن تاريخ لجان العمل الصحي بوصفها جزءًا من النضال الفلسطيني الأوسع المناهض للاستعمار يساعد على تفسير سبب تجاوز تداعيات الهجمات على مثل هذه المؤسسات حدود المؤسسات ذاتها. فاللجان الشعبية التي انبثقت منها أُنشئت تحديدًا لأن الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم العسكري كانوا بحاجة إلى مؤسسات قادرة على الحفاظ على استمرارية الحياة المجتمعية خارج الأطر التي تسيطر عليها القوة القائمة بالاحتلال.
وشملت البنية التحتية التي تطورت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مجموعات صحية ونسوية، ولجانًا زراعية وأخرى للعمل التطوعي، ونقابات عمالية، ومجموعات طلابية. ففي الانتفاضة الأولى، عملت اللجان الشعبية في القرى ومخيمات اللاجئين والأحياء الحضرية على تنظيم الرعاية الصحية، وتوزيع الغذاء، والتعليم البديل، والعمل الزراعي، خصوصًا خلال فترات حظر التجول والإغلاقات.
وفي عام 1988، أعلنت إسرائيل أن اللجان الشعبية غير قانونية، وجعلت الانتساب إليها جريمة يُعاقب عليها بالسجن مدة تصل إلى 10 سنوات. وما جعل هذه اللجان هدفًا للقمع الإسرائيلي تحديدًا هو قدرتها على تسيير شؤون الحياة اليومية وبناء أشكال مستقلة من التنظيم الجماعي؛ وهو أيضًا من بين الأسباب التي تفسر استمرار إسرائيل في استهداف مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني حتى اليوم.
ومن ثم، فإن إضعاف لجان العمل الصحي والمؤسسات المشابهة لا يُقوض وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية فحسب، بل يحدّ أيضًا من قدرتهم على التنظيم المجتمعي والمدني، وهي القدرة التي تشكّل ركيزة أساسية للسيادة.
وفي التجمعات التي تواجه خطر التهجير وتسارع استيلاء المستوطنين على الأرض، تتضافر هذه الآثار معًا. فالقرية التي تُحرم من رعاية صحية موثوقة، ومياه، وتعليم، وحرية في الحركة، يصبح العيش فيها أكثر صعوبة تدريجيًا. وقد يُسرّع تدهور هذه الخدمات عملية التفتيت والتهجير ذاتها التي تغذيها بالفعل اعتداءات المستوطنين، والاستيلاء على الأراضي، والقيود العسكرية.
وفي هذا السياق، لا تكتسب قضية اعتقال الرنتيسي أهميتها لمجرد كونه طبيبًا بارزًا. فبصفته رئيسًا لمؤسسة تمتد جذورها إلى أربعة عقود من العمل الصحي الفلسطيني القاعدي، فإنه يجسّد تقليدًا يرى أن الصحة لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكّل حياة الفلسطينيين.
ولم تقتصر لجان العمل الصحي على تقديم الخدمات الصحية للتجمعات التي أهملها الاحتلال، بل تحدّت أيضًا نموذجًا مركزيًا يختزل الرعاية الصحية في العلاج الطبي، من خلال التركيز على الوقاية والرعاية الصحية الأولية والمشاركة المجتمعية والاحتياجات الخاصة للفئات المهمشة. ومن هذا المنظور، كانت الرعاية وسيلة للحفاظ على صمود المجتمعات الفلسطينية وجزءًا في الوقت ذاته من مشروع تحرري أوسع يسعى إلى مواجهة الظروف التي تُقوض صحتها من الأساس.
سابقة في قطاع غزة
وعلى الرغم من أن اعتقال كل من الطبيب مازن الرنتيسي والطبيبة ديما بركات أمر صادم، فإن هذه الاعتقالات لا تُعد مفاجئة تمامًا. إذ لا يزال 14 طبيبًا فلسطينيًا من قطاع غزة محتجزين في السجون الإسرائيلية من دون توجيه اتهامات لهم، ومن بينهم الطبيب حسام أبو صفية، المدير السابق لمستشفى كمال عدوان، الذي اعتقلته إسرائيل في كانون الأول 2024.
ويكشف قطاع غزة بوضوح أن تدمير منظومة الرعاية الصحية يعني القضاء على المقومات الضرورية للبقاء الجماعي، وهو ما يشكّل أحد العناصر الأساسية في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل.
وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، دمرت القوات الإسرائيلية المستشفيات بصورة منهجية، وقتلت واعتقلت عاملين فلسطينيين في القطاع الصحي وعرّضتهم للتعذيب، فيما فرضت قيودًا مشددة على دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية وغيرها من المواد الأساسية لنحو مليوني فلسطيني محاصر.
ولهذا السبب، أشارت جنوب أفريقيا تحديدًا، في طلبها المقدم إلى محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، إلى هجمات إسرائيل على المستشفيات.
ولا شك أن حجم الدمار في الضفة الغربية مختلف. غير أن الاعتداءات على الرعاية الصحية الفلسطينية وعرقلة عملها هناك ليست جديدة، ويأتي التصعيد الأخير بالتزامن مع تسارع التوسع الاستيطاني والتهجير واسع النطاق.
ومن ثم، يجب النظر إلى استهداف منظومة الرعاية الصحية في الضفة الغربية من المنظور نفسه الذي يُنظر من خلاله إلى استهدافها في قطاع غزة. فكلاهما يخضع للمنطق السياسي ذاته، حيث يرتبط تدمير الرعاية الصحية مباشرة بالمشروع الإسرائيلي الأوسع الرامي إلى إخراج الفلسطينيين من أرضهم.
الكلمات المفتاحية
العقوبات الغربية تقترب من قلب القوة الإسرائيلية: هل تصل إلى مصانع السلاح؟
ما تخشاه "إسرائيل" الآن هو أن تتحول القيود المفروضة على منتجات المستوطنات إلى مسار أوسع يعزل الصناعات العسكرية الإسرائيلية عن شركات غربية.
عميرة هاس: المستوطنون يستمتعون بجرائمهم وإسرائيل كلها مسؤولة عن اعتداءاتهم
طرحت هاس مقارنة قائلة: تخيلوا وقوع 1500 اعتداء سنويًا ضد اليهود في نيويورك، أو 300 اعتداء مماثل في برلين
ليبرمان يعلن برنامجه: منع الدولة الفلسطينية وتشكيل كونفدرالية مع الأردن
يقوم برنامج أفيغدور ليبرمان على منع قيام دولة فلسطينية، وتعزيز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة
مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية
عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"
تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية
حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها
مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة