ultracheck
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟

29 أغسطس 2026
تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟
Photo by Majdi Fathi/NurPhoto via Getty Images
سماح شاهين
سماح شاهين فلسطين

في شوارع قطاع غزة، لا تبدأ معاناة النازحين من البحث عن مأوى، ولا تنتهي عند تأمين الطعام؛ فالماء، الذي يفترض أن يكون أبسط مقومات الحياة، تحوّل إلى رحلة يومية شاقة تحت شمس الصيف الحارقة، تصطف العائلات أمام صهاريج مياه الشرب، حاملة الجالونات والقِرَب البلاستيكية، في انتظار دورها لتأمين ما يكفيها ليوم واحد، وسط احتياج متزايد للمياه وقلق دائم من نفادها.

وفي ظل هذا الاحتياج الملح، لا يملك كثير من النازحين ترف السؤال عن مصدر المياه أو مدى صلاحيتها للشرب، فالأولوية هي الحصول عليها قبل نفاد الصهريج، لكن هذه الحاجة ذاتها قد تتحول إلى خطر على صحتهم، كما حدث مطلع يونيو/حزيران الماضي، عندما اشتكت عائلات في حي الشيخ رضوان شمالي غزة من تعرض عدد من أفرادها، بينهم أطفال، لحالات تسمم عقب شرب مياه حلوة جرى توزيعها من صهاريج وصلت إلى المنطقة ضمن "مبادرة إنسانية"، دون معرفة واضحة بمصدر المياه أو ظروف نقلها وتخزينها.

حذر الطبيب محمد الراعي من أن مشكلة المياه لا ترتبط فقط بمصدرها، وإنما تمتد إلى مختلف مراحل وصولها إلى المواطن، بدءًا من نقلها بالصهاريج، مرورًا بتعبئتها في الجالونات، وانتهاءً بطريقة تخزينها واستخدامها داخل أماكن النزوح والمنازل

الشعور بالموت

لم تكن سجود أبو سعدة تتوقع أن تتحول حاجتها إلى المياه إلى خطر يهدد حياتها؛ إذ في ظل الجوع وشح الطعام، كانت المياه من بين الاحتياجات القليلة التي تستطيع الاعتماد عليها، حتى بدأت أعراض مرضية شديدة تظهر عليها، دفعتها إلى التوجه لنقطة طبية لتلقي العلاج.

تحكي أبو سعدة لـ"الترا فلسطين" أنها أصيبت بنزلة معوية حادة، رافقها إسهال شديد وآلام متواصلة في البطن، إلى جانب دوخة شديدة أفقدتها القدرة على الحركة أو الإمساك بالأشياء من حولها وكانت تسقط بشكل متكرر، وتقضي معظم وقتها نائمة، في حالة وصفتها بأنها أشبه بـ"الموت السريري".

وتشير إلى أن وضعها الصحي كان قاسيًا إلى درجة أنها شعرت بأنها في "عالم موازٍ"، ولم تكن قادرة على القيام بأبسط احتياجاتها اليومية، فيما كانت تراودها قناعة بأنها لن تنجو من هذه الحالة.

ومع عدم وجود مستشفيات قريبة من مكان سكنها في منطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، توجهت أبو سعدة إلى نقطة طبية، حيث أخبرها الطبيب بأن الأعراض التي تعاني منها مرتبطة بالمياه التي شربتها، مشيرة إلى أنه أكد لها أن حالات مشابهة ظهرت لدى عدد من الأشخاص في المنطقة، وجميعهم عانوا من نزلات معوية بعد شرب المياه.

وتبيّن أبو سعدة أن الطبيب قدم لها محلولًا ملحيًا وأدوية أخرى للتعامل مع حالتها، قبل أن تبدأ حالتها الصحية بالتحسن تدريجيًا، وبعد ذلك اضطرت إلى الاعتماد على المياه المعدنية للشرب، لتجنب تكرار الأعراض التي عانت منها.

وتضيف أنها لم تكن تتوقع أن تنجو من تلك الحالة، خصوصًا مع شدة الأعراض التي أصابتها، قائلة إن التجربة جعلتها تدرك أن المياه التي يبحث عنها النازحون يوميًا للبقاء على قيد الحياة يمكن أن تصبح، في حال كانت ملوثة أو غير آمنة، سببًا آخر للمرض والمعاناة.

مياه ملوثة ومرضى بالتسمم

كان محمد زقوت واحدًا من مئات الأشخاص الذين تعرضوا لأعراض تسمم في حادثة شهدها حي الشيخ رضوان، بعدما تناول سكان المنطقة مياه شرب جرى تعبئتها من بعض الشاحنات، قبل أن تبدأ حالات مرضية بالظهور بصورة جماعية وفي التوقيت نفسه.

ويقول زقوت لـ"الترا فلسطين" إن نحو 500 شخص من عدد من العائلات تعرضوا لأعراض متشابهة، شملت نزلات معوية وتقيؤًا وارتفاعًا في درجات الحرارة، في أعقاب تعبئة مياه الشرب من بعض الشاحنات التي وصلت إلى المنطقة.

ويصف زقوت المشهد بأنه كان لافتًا بسبب العدد الكبير من الأشخاص الذين ظهرت عليهم الأعراض خلال فترة زمنية متقاربة، مشيرًا إلى أن السكان حاولوا التواصل والاستفسار لمعرفة مصدر المياه التي جرى توزيعها والتأكد من سلامتها، إلا أنهم لم يحصلوا على إجابة واضحة تحدد مصدر المشكلة أو طبيعة المياه التي تسببت في هذه الأعراض.

ويقول إن الأهالي وجدوا أنفسهم أمام حالة من القلق والخوف، خصوصًا أن المياه ليست سلعة يمكن للعائلات في غزة الاستغناء عنها أو اختيار مصدرها بسهولة، فالحاجة إليها يومية وضرورية للشرب والطهي والنظافة، بينما الخيارات المتاحة أمام السكان محدودة للغاية.

ويضيف زقوت أن سكان القطاع "لا يملكون رفاهية اختيار مصدر المياه التي تصلهم"، موضحًا أن العائلات تضطر إلى شرب ما يتوفر لديها، حتى عندما تكون لديها شكوك بشأن جودته أو سلامتها، لأن البديل في كثير من الأحيان هو البقاء من دون مياه.

ويتابع: "كل شيء في غزة بات مصدرًا للسموم"، في تعبير يلخص حجم المخاوف التي يعيشها السكان في ظل تدهور البيئة المحيطة بهم واستمرار الحرب وتدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ولا تستطيع معظم العائلات، وفق زقوت، اللجوء إلى المياه المعدنية كحل بديل، في ظل انعدام مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، لتصبح المياه التي تصل إلى مناطقهم الخيار الوحيد المتاح أمامهم مهما كانت المخاطر المرتبطة بها.

وبالنسبة لمحمد زقوت وغيره ممن تعرضوا للأعراض المرضية، لم تعد مسألة المياه مرتبطة بالعطش وحده، بل باتت مصدرًا إضافيًا للقلق، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في غزة أصلًا من ضغوط هائلة ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.

ويشير واقع الحادثة إلى جانب آخر من أزمة المياه في القطاع؛ فحين تضطر العائلات إلى الاعتماد على مصادر لا تملك القدرة على التحقق من سلامتها، فإن مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه تزداد، فيما تصبح الوقاية صعبة في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار المياه المعبأة.

وفي غزة، حيث تحولت الخيام ومراكز الإيواء إلى أماكن إقامة طويلة الأمد، لا تملك الأسر رفاهية الانتظار حتى تتوفر مصادر مياه أفضل، فالماء حاجة يومية لا يمكن تأجيلها، ولا تستطيع العائلات التي تعاني من الفقر والنزوح شراء كميات كافية من المياه المعدنية بصورة مستمرة.

مصدرًا للمرض

لم تكن مريم المدهون تتوقع أن تكون المياه التي تشربها يوميًا سببًا في مرضها، إذ تعرضت قبل فترة قصيرة لنزلة معوية ظنت في البداية أنها ناجمة عن الطعام، قبل أن تكشف الفحوصات الطبية التي أجرتها عن ارتباط حالتها بالمياه التي كانت تتناولها.

وتروي مريم لـ"الترا فلسطين" أن الطبيب أخبرها، بعد إجراء الفحوصات، بأن الأعراض التي عانت منها مرتبطة بالمياه التي تشربها، لتبدأ بعدها رحلة علاج استمرت فترة من الوقت، لكنها حتى الآن لم تستعد عافيتها بشكل كامل، ولا تزال بالكاد تشعر بتحسن.

وتوضح أن ما يزيد قلقها هو أنها لا تملك القدرة المادية على شراء المياه المعدنية بصورة يومية، ما يضطرها إلى الاعتماد على المياه المتوفرة في منطقتها، رغم مخاوفها من أن تكون غير آمنة أو ملوثة.

وتلفت إلى أن أزمة المياه في غزة لم تعد مرتبطة فقط بشحها أو صعوبة الحصول عليها، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالخوف من مصدرها ومدى سلامتها، مضيفة أن "المياه أصبحت مصدرًا للأمراض وليس للارتواء من العطش".

وتزداد الحاجة إلى المياه خلال فصل الصيف، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ تحتاج العائلات إلى كميات أكبر للشرب، فيما تكون حاجة الأطفال إليها مضاعفة لتجنب الجفاف والعطش، ما يجعل الاعتماد على مياه غير آمنة خطرًا متواصلًا على صحة الأسر.

وتشير مريم إلى أن شراء المياه المعدنية بشكل مستمر أصبح أمرًا يفوق قدرة كثير من العائلات، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام مصادر الدخل لدى عدد كبير من الأسر، الأمر الذي يجعلها أمام خيار صعب بين شراء مياه لا تستطيع تحمل تكلفتها أو شرب المياه المتاحة رغم المخاوف بشأن سلامتها.

وتطالب بتكثيف الرقابة على مصادر المياه التي يتم توزيعها على المواطنين في قطاع غزة، والتأكد من سلامتها قبل وصولها إلى العائلات، إلى جانب إجراء فحوصات دورية للمياه والشاحنات ومصادر التعبئة، حتى لا تتحول حاجة السكان الأساسية إلى سبب جديد للمرض.

وتقول إن سكان غزة لا يحتاجون إلى توفير المياه فقط، بل إلى ضمان أن تكون هذه المياه صالحة وآمنة للشرب، خصوصًا في ظل تدهور الأوضاع الصحية وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض، وضعف قدرة الأسر على تحمل تكاليف العلاج.

إجراءات الوقاية

قال فضل أبو هاشم، وهو موزع مياه في شمال غزة، إن المياه التي ينقلها يتم الحصول عليها من محطة تحلية في شمال قطاع غزة، مؤكدًا حرصه على اتباع إجراءات التنظيف والتعقيم للحفاظ على جودة المياه خلال عملية النقل.

وأوضح أبو هاشم لـ"الترا فلسطين" أن عملية تعبئة المياه تبدأ من داخل المحطة، حيث يجري ضخ المياه عبر الأنابيب بعد مرورها على مراحل الفلترة، لتصل إلى خزان المحطة، ومن ثم تُنقل إلى الخزانات الموجودة على شاحنات نقل المياه.

وأضاف أن الشاحنات تخضع لعملية تنظيف بصورة يومية، في محاولة للحفاظ على نظافة الخزانات ومنع تعرض المياه لأي ملوثات خلال عملية النقل والتوزيع.

وقال إنهم يحرصون على تنظيف وتعقيم الخزانات باستمرار، باعتبار أن سلامة المياه لا تعتمد فقط على مصدرها، وإنما أيضًا على نظافة الخزان الذي تُحفظ فيه وطريقة نقلها إلى المواطنين.

وأشار أبو هاشم إلى أنه يحصل على مياه "مفلترة ونظيفة" من محطة التحلية، لافتًا إلى أن الاهتمام بنظافة الشاحنة والخزان يمثل جزءًا أساسيًا من عمله، خصوصًا في ظل الظروف البيئية والصحية الصعبة التي يعيشها السكان والنازحون في القطاع.

وتتم عملية التوزيع عبر نقل المياه بالصهاريج إلى المناطق التي تحتاج إليها، حيث يقوم المواطنون والنازحون بتعبئتها في الجالونات والحاويات الخاصة بهم، ما يجعل نظافة تلك العبوات وطريقة تخزين المياه عاملًا إضافيًا في الحفاظ على جودتها.

ويؤكد أبو هاشم أن تنظيف الخزانات بشكل يومي يمثل إجراءً ضروريًا بالنسبة له، لضمان بقاء المياه التي ينقلها نظيفة قدر الإمكان منذ خروجها من محطة التحلية وحتى وصولها إلى الأهالي.

تدني مستويات النظافة

أوضح نائب المدير التنفيذي لمصلحة مياه بلديات الساحل، عمر شتات، أن مياه الشرب التي يجري توزيعها عبر الصهاريج وتعبئتها في الجالونات من قبل النازحين والمواطنين قد تتعرض للتلوث خلال مراحل النقل والتعبئة والتخزين، في ظل الظروف الصحية والبيئية الصعبة التي تعيشها مخيمات النزوح والأحياء السكنية في قطاع غزة.

وقال شتات لـ"الترا فلسطين" إن سلسلة الإمداد والتوزيع، إلى جانب تدني مستوى النظافة العامة في أماكن النزوح والأحياء، تشكل عوامل مؤثرة في جودة المياه بعد وصولها إلى نقاط التوزيع، مشيرًا إلى أن مصدر المياه لا يمثل العامل الوحيد المحدد لسلامتها، إذ قد تتغير جودتها نتيجة الممارسات التي ترافق عملية نقلها وتعبئتها واستخدامها.

وأضاف أن المياه تكون خاضعة للرقابة والفحص قبل مغادرتها محطات التحلية، إلا أن احتمالية تعرضها للتلوث تزداد خلال المراحل اللاحقة، سواء أثناء النقل بالصهاريج أو عند تعبئتها في الجالونات والحاويات التي يستخدمها المواطنون والنازحون.

وأشار إلى أن استخدام جالونات غير نظيفة أو غير معقمة يمكن أن يؤدي إلى تلوث المياه حتى بعد التأكد من سلامتها عند مصدر الإنتاج، لافتًا إلى أن ظروف التخزين، ومدة بقاء المياه داخل العبوات، وطريقة التعامل معها، كلها عوامل قد تؤثر في جودتها وسلامتها الصحية.

وفيما يتعلق بالمياه التي تضخها آبار البلديات، بيّن شتات أن هذه المياه تُعالج بالكلور أثناء ضخها إلى شبكات التوزيع، بهدف ضمان تعقيمها والحد من مخاطر التلوث خلال انتقالها عبر الشبكات.

وبين في الوقت ذاته أن عمليات التعقيم لا تعني بالضرورة خلو جميع المياه من التلوث، خصوصًا في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكات وخطوط نقل المياه في قطاع غزة، مشيرًا إلى إمكانية ظهور عينات ملوثة نتيجة الأضرار التي تعرضت لها خطوط المياه أو دخول ملوثات إلى الشبكات المتضررة.

وأكد أن تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية للمياه يمثل تحديًا كبيرًا أمام الحفاظ على جودة المياه خلال مراحل نقلها وتوزيعها، في وقت تعمل فيه الجهات المختصة على تشغيل ما يمكن تشغيله من الآبار ومحطات التحلية وشبكات التوزيع، رغم الظروف الفنية والإنسانية الصعبة.

وتأتي هذه المخاوف في ظل اعتماد أعداد كبيرة من النازحين والسكان في قطاع غزة على المياه المنقولة بالصهاريج، في وقت تراجعت فيه قدرة شبكات المياه التقليدية على توفير احتياجات السكان، ما يجعل سلامة عمليات النقل والتعبئة والتخزين جزءًا أساسيًا من منظومة الحفاظ على مياه الشرب الآمنة.

وبحسب شتات، فإن الحفاظ على جودة المياه لا يتوقف عند فحصها في محطات الإنتاج، وإنما يتطلب ضمان سلامة جميع حلقات سلسلة التوزيع، بدءًا من مصدر المياه مرورًا بالصهريج ونقطة التوزيع، وصولًا إلى الجالون وطريقة تخزينه واستخدامه من قبل المواطنين.

ما هو دور سلطة المياه؟

قالت عضو لجنة إدارة أزمة المياه في قطاع غزة والمسؤولة عن متابعة ملف جودة المياه في سلطة المياه، إسراء أبو شعبان، إن الحديث عن تقييم جودة المياه الموزعة للمواطنين يتطلب أولًا التمييز بين مصادر المياه المخصصة للشرب وتلك المستخدمة للأغراض المنزلية والاستخدامات الأخرى.

وأوضحت أبو شعبان لـ"الترا فلسطين" أن مصادر المياه المستخدمة للأغراض المنزلية تشمل الآبار الجوفية التابعة للبلديات أو الآبار الخاصة المدعومة بالوقود عن طريق سلطة المياه بدعم اليونيسف، إلى جانب المياه المشتراة من شركة "مكروت" والتي تصل القطاع عبر ثلاث وصلات رئيسية ويتم ضخها في شبكات البلديات، ومحطات تحلية مياه البحر الموجودة في جنوب ووسط قطاع غزة.

أما مياه الشرب، فتتعدد مصادرها، وتشمل محطات تحلية مياه البحر والمياه الجوفية، إضافة إلى مياه "مكروت"، والتي توجد لها نقاط تعبئة محددة لتزويد شاحنات نقل المياه.

وأشارت إلى أن جزءًا من محطات تحلية المياه الجوفية يتبع لمصلحة المياه أو البلديات، فيما تشغل بعض المحطات مؤسسات أهلية وإنسانية، من بينها منظمة أطباء بلا حدود، إلى جانب محطات تحلية خاصة مدعومة بالوقود والمواد الكيميائية ضمن منظومة تدار عن طريق سلطة المياه بدعم من اليونيسف.

وبحسب أبو شعبان، فإن المصادر الأساسية لمياه الشرب الخاضعة للرقابة تشمل محطات تحلية مياه البحر، ومحطات تحلية المياه الجوفية سواء العامة أو الأهلية أو الخاصة المدعومة، ومياه "مكروت".

وبيّنت أبو شعبان أن الرقابة على مصادر المياه قبل الحرب كانت تتم بالتعاون بين سلطة المياه ووزارة الصحة، مع التمييز بين الرقابة على مصدر المياه نفسه والرقابة على إمدادات المياه التي تصل إلى المواطنين.

وأوضحت أن مسؤولية سلطة المياه تتمثل في الرقابة على مصادر المياه والحفاظ عليها من التلوث، بينما تقع مسؤولية ضمان جودة المياه التي تصل إلى المواطنين على عاتق مزود الخدمة، مثل مصلحة مياه بلديات الساحل أو البلديات المشغلة، فيما كان مجلس تنظيم قطاع المياه يتولى مراقبة أداء مزودي الخدمة.

أما حاليًا، فقد جرى اعتماد منظومة رقابة بالتوافق بين وزارة الصحة، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، وبمشاركة الشركاء في قطاع المياه، ومن بينهم سلطة المياه ومصلحة مياه بلديات الساحل ووكالة الأونروا، إضافة إلى بعض المؤسسات التي دعمت هذا الجانب جزئيًا، مثل أوكسفام.

وأشارت إلى أن منظمة الصحة العالمية وفرت أجهزة وحقائب فحص محمولة تتيح إجراء فحوصات أساسية، لكنها لا تغطي جميع الفحوصات المطلوبة في الظروف الطبيعية، وإنما توفر مؤشرات أولية على وجود تلوث في المياه.

وتشمل الفحوصات المتاحة قياس الملوحة، والكلور الحر المتبقي، إلى جانب مؤشرات التلوث البيولوجي، مثل بكتيريا القولون والإشريكية القولونية، التي يمكن أن تشير إلى وجود تلوث بيولوجي، بما في ذلك التلوث الناجم عن مياه الصرف الصحي.

وأوضحت أبو شعبان أن وجود الكلور المتبقي في مياه الشرب يعد مؤشرًا على استمرار عملية التعقيم، مشيرة إلى أن المستوى المطلوب عند المستهلك يبلغ نحو 0.2، بينما قد ترتفع النسبة عند المصدر في حالات الطوارئ إلى نحو 0.5.

ولفتت إلى وجود مختبرات بدأت بالعمل مؤخرًا، لكنها لا تزال محدودة ولا تمتلك القدرة على إجراء جميع الفحوصات، ولذلك تتركز الإمكانيات المتاحة حاليًا على الفحوصات الأساسية.

وأكدت أبو شعبان أن الرقابة لا تتوقف بالضرورة عند خروج المياه من مرفق التزويد، إذ قد تشمل، بحسب طبيعة المشروع ومزود الخدمة، عملية نقل المياه وحتى وصولها إلى المواطن.

وأوضحت أن بعض مشاريع توزيع المياه تفرض رقابة على أدوات التعبئة، مثل خراطيم المياه، إلى جانب إجراءات التنظيف والتعقيم والفحص، إلا أن هذه الإجراءات لا تُطبَّق بالطريقة ودرجة الرقابة نفسها لجميع المشاريع.

وشددت على أن مسؤولية المواطن تبدأ بشكل أساسي عند وصول المياه إليه، خصوصًا أن المياه قد تكون خاضعة للرقابة عند مصدرها، لكن طريقة التعامل معها بعد ذلك قد تؤدي إلى تلوثها.

وقالت إن احتمالية التلوث قد ترتفع أثناء تعبئة المياه وتخزينها، تبعًا لنوع الوعاء المستخدم، وطريقة تغطيته، ومكان حفظه، ومدى نظافته.

ودعت إلى زيادة التوعية بهذه المرحلة باعتبارها من النقاط الحساسة في سلسلة سلامة المياه، مؤكدة أن كيفية تعامل المواطن مع المياه بعد وصولها إليه تعد عاملًا مهمًا في الحفاظ على جودتها.

وفيما يتعلق بشكاوى المواطنين من تسبب المياه في الأمراض، قالت أبو شعبان إن قطاع غزة يعيش في بيئة ملوثة بشكل عام، وإنه من الضروري عدم تحميل المياه وحدها مسؤولية جميع حالات التلوث والأمراض.

وأوضحت أن نقص المياه نفسه قد يكون عاملًا في حدوث التلوث، فعندما لا تتوفر كمية كافية من المياه لغسل الطعام أو الأدوات أو الأيدي بشكل مناسب، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انتقال التلوث.

وأضافت أن تناول طعام ملوث أو التعامل مع أدوات ملوثة دون تنظيف أو دون غسل اليدين يمكن أن يكون مصدرًا للتلوث أيضًا، مشددة على ضرورة التمييز بين تلوث المياه والتلوث الناتج عن نقص المياه أو سوء تخزينها والتعامل معها.

وبشأن الشكاوى المتعلقة بمياه "مكروت" واتهامها بالتسبب في النزلات المعوية، أكدت أبو شعبان أن الفحوصات التي تُجرى على هذه المياه تظهر عادةً وجود نسب الكلور المطلوبة، وأنه لم تُسجَّل، بحسب قولها، مخالفات لمعايير الكلور إلا في حالات نادرة خلال إجراء عمليات الصيانة والضخ التجريبي في الخطوط، والتي عادةً تكون مصحوبة بتوقف لعمليات نقل المياه من نقاط التزود الخاصة بها.

ورأت أنه بالرغم من حجم الدمار الواسع الذي يعيشه قطاع غزة، والذي طال بالضرورة قطاع المياه، فإن جزءًا من المعلومات المتداولة حول سلامة المياه يدخل في إطار الشائعات، داعية إلى تعزيز حملات التوعية لتوضيح مصادر تلوث المياه وطرق المحافظة عليها خلال التعبئة والتخزين والاستهلاك.

وأشارت إلى أن شركاء قطاع المياه والصرف الصحي يعملون على حملات توعية تستهدف مزودي خدمات المياه وسائقي شاحنات النقل، إلى جانب المواطنين، وبدأت سلطة المياه بالتنسيق مع مصلحة مياه بلديات الساحل وشركاء القطاع بتنفيذ حملات توعية مكثفة تستهدف المخيمات ومراكز الإيواء بشكل أساسي بهدف رفع الوعي بسلامة المياه وطرق تخزينها واستخدامها.

عوامل تؤثر على جودة المياه

حذر الطبيب محمد الراعي من أن مشكلة المياه لا ترتبط فقط بمصدرها، وإنما تمتد إلى مختلف مراحل وصولها إلى المواطن، بدءًا من نقلها بالصهاريج، مرورًا بتعبئتها في الجالونات، وانتهاءً بطريقة تخزينها واستخدامها داخل أماكن النزوح والمنازل.

وقال الراعي إن الظروف المعيشية الصعبة، وارتفاع درجات الحرارة، ونقص مواد التنظيف، وغياب أماكن التخزين الآمنة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في جودة المياه، حتى في حال كانت المياه في الأساس معالجة أو مفلترة عند خروجها من محطات التحلية.

وأوضح أن الجالونات والحاويات التي تستخدم لتخزين مياه الشرب قد تصبح بيئة مناسبة لنمو البكتيريا والفطريات، خصوصًا عندما لا تتوفر إمكانية غسلها وتعقيمها بصورة منتظمة.

وأضاف أن بعض الأسر تضطر، نتيجة شح المياه وغياب مواد التنظيف، إلى إعادة استخدام الجالونات مرات عديدة دون تنظيفها بالشكل المطلوب، ما قد يؤدي إلى تراكم بقايا وشوائب وميكروبات داخلها، ومن ثم انتقالها إلى مياه الشرب.

وأشار الراعي إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يزيد من مخاطر تكاثر بعض أنواع البكتيريا والفطريات داخل أوعية تخزين المياه، خصوصًا عندما تبقى المياه لفترات طويلة في ظروف غير مناسبة.

ولفت كذلك إلى خطورة اختلاط مياه الشرب بالمياه العادمة، سواء نتيجة تضرر شبكات المياه والصرف الصحي أو بسبب الظروف غير الآمنة في أماكن النزوح، مؤكدًا أن هذا النوع من التلوث قد ينعكس بصورة مباشرة على صحة السكان.

ودعا الراعي المواطنين إلى التعامل بحذر مع مياه الشرب، وعدم الاكتفاء بسلامة المياه عند الحصول عليها، بل الاهتمام أيضًا بنظافة الأدوات المستخدمة في نقلها وتخزينها.

وأكد أهمية تنظيف الجالونات والحاويات المخصصة لمياه الشرب وتعقيمها بصورة منتظمة، موضحًا أن استخدام مواد التعقيم المناسبة، ومنها الكلور بتركيز آمن وفق الإرشادات الصحية، يمكن أن يساعد في الحد من نمو البكتيريا والفطريات داخل تلك الأوعية.

وأشار إلى إمكانية استخدام الماء الساخن في تنظيف وتعقيم بعض الأدوات، مع ضرورة التأكد من ملاءمة طريقة التنظيف لنوع العبوة المستخدمة.

وبشأن المياه التي يحصل عليها المواطنون من محطات التحلية، نصح الراعي بغلي مياه الشرب عند وجود شك في سلامتها، ثم تركها لتبرد في وعاء نظيف ومغطى، موضحًا أن الغلي يساعد على القضاء على العديد من الكائنات الدقيقة التي قد تكون موجودة في المياه.

وشدد على أن نظافة الوعاء الذي تُحفظ فيه المياه لا تقل أهمية عن جودة المياه نفسها، لأن المياه النظيفة يمكن أن تتعرض للتلوث مجددًا إذا وضعت في حاويات غير نظيفة أو جرى تخزينها في ظروف غير صحية.

ولا تقتصر المخاوف على الجانب النظري، إذ يقول الراعي إن المرافق الصحية تشهد تزايدًا في حالات النزلات المعوية، ولا سيما بين الأطفال.

وأوضح أن الأطفال أكثر عرضة للمضاعفات بسبب ضعف المناعة مقارنة بالبالغين، مشيرًا إلى أن بعض الحالات التي تصل إلى الرعاية الطبية، وبعد مراجعة التاريخ المرضي للمصابين، قد يكون من بين أسبابها المحتملة تناول مياه ملوثة أو تعرض مياه الشرب للاختلاط بمصادر الصرف الصحي.

وقال إن حالات النزلات المعوية كانت تُسجل حتى قبل الحرب، وخاصة خلال فصل الصيف، لكن الظروف الحالية في قطاع غزة جعلت عوامل الخطورة أكثر تعقيدًا، في ظل تدهور البيئة الصحية ونقص وسائل التعقيم والغذاء الآمن والمياه النظيفة.

وأكد أن الطفل الذي يعاني أصلًا من سوء تغذية أو ضعف في المناعة قد يكون أكثر تأثرًا حتى عند تعرضه لكمية محدودة من الميكروبات، ما يزيد من احتمالية الإصابة بالأعراض والمضاعفات.

الكلمات المفتاحية

تحقيق: الجيش الإسرائيلي يستخدم رسومًا تجارية ومنشئي محتوى لتبرير غارات غزة

عامٌ على اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.. القطاع الصحي أمام أزمات ممتدة

منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، لم يدخل إلى قطاع غزة أي جهاز طبي أو تشخيصي جديد فيما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية.


«كأن جسمي يتمزق».. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه

"كأن جسمي يتمزق".. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه

وصف إحساسه قائلًا: "كأن جسمي يتمزق"، بسبب استيلاء المستوطنين خلال أقل من ثلاثة أعوام على أكثر من 100 دونم من أرضه


كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد

كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد

يستحضر عياد مرارة ترسيخ المعاناة في وجدان الناس؛ قائلًا إن الفاجعة أضحت تحرم الأبناء في الغربة من حظوة وداع أمهاتهم، وتترك أجسادًا أخرى متفحمة يتعذر على ذويها إلقاء نظرة ألم أخيرة عليها.


ياسمين البوبو ووالدتها.. حكاية أم وأكاديمية قتلهم الاحتلال

استشهاد ياسمين البوبو.. أكاديمية بثّت الحب والأمل في طلابها وعائلتها

كانت ياسمين أُمًا حقيقية لكل طالب وطالبة دخلا قاعتها الدراسية. وفي عائلتها، كانت هي المبادرة دائمًا إلى لم شملهم بالحب والضحكات

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في ضم الضفة الغربية
أخبار

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية

عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية


حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه


5
تقارير

خاص | إخلاءات غزة.. أهداف مدنية تنافي الذرائع العسكرية وتحذيرات فلسطينية من تصعيد نتنياهو