ultracheck
قول

تعديل قانون الانتخابات الفلسطيني: هل بدأت معركة ما بعد عباس؟

20 يوليو 2026
تعديل قانون الانتخابات الفلسطيني: هل بدأت معركة ما بعد عباس؟
Photo by JOHN WESSELS / AFP via Getty Images
نبهان خريشة
نبهان خريشةصحفي وكاتب فلسطيني

منذ الإعلان عن إجراء الانتخابات التشريعية، بدا واضحًا أن القضية تتجاوز مجرد العودة إلى صناديق الاقتراع بعد انقطاع دام عقدين من الزمن. فكل تعديل قانوني جديد، وكل مرسوم يصدر، يكشف أن المعركة الحقيقية لا تدور حول كيفية انتخاب مجلس تشريعي جديد، وإنما حول شكل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومن ستكون له اليد العليا في مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير معًا.

وفي هذا السياق، تتردد معلومات عن تعديل قانوني جديد يقضي بالإبقاء على عدد أعضاء المجلس التشريعي عند 132 عضوًا كما كان في انتخابات عام 2006، مع إضافة آلية جديدة تتمثل في اختيار أو التوافق على 68 عضوًا للمجلس الوطني الفلسطيني من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإذا صح هذا التوجه، فإنه لا يبدو مجرد تعديل إداري أو تنظيمي، بل يحمل في طياته أبعادًا سياسية عميقة تتعلق بإعادة هندسة موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني.

أي تعديل انتخابي سيظل محل جدل واسع إذا ارتبط في الوعي العام بأسماء أشخاص أكثر من ارتباطه بإصلاح المؤسسات

فالتعديلات القانونية لا تُقرأ بمعزل عن البيئة السياسية التي تصدر فيها، ولا عن الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا منها أو يتضرروا منها. وفي الحالة الفلسطينية، يصعب تجاهل اسم الأسير مروان البرغوثي باعتباره الشخصية الأكثر حضورًا في أي نقاش يتعلق بمرحلة ما بعد محمود عباس، سواء بسبب شعبيته داخل حركة فتح أو بسبب حضوره في الشارع الفلسطيني بصورة عامة.

التعديل المرتقب، إذا خرج إلى النور بالشكل المتداول، قد يغلق أحد أهم الأبواب التي يمكن أن تفتح أمام البرغوثي مستقبلًا. فالحديث عن التوافق على 68 عضوًا للمجلس الوطني يمنح الجهة التي تدير عملية الاختيار نفوذًا سياسيًا واسعًا، لكنه في الوقت نفسه يتيح استبعاد شخصيات بعينها من الوصول إلى المجلس الوطني، وبالتالي من الوصول إلى مؤسسات منظمة التحرير.

وتبرز هنا نقطة بالغة الأهمية، وهي أن عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ترتبط بعضوية المجلس الوطني. وبالتالي، فإن أي شخصية لا تدخل المجلس الوطني ستجد نفسها خارج دائرة المنافسة على عضوية اللجنة التنفيذية، مهما بلغ حجمها الشعبي أو السياسي.

وهنا تتضح إحدى النتائج المحتملة لهذا التعديل. فإذا لم يكن مروان البرغوثي عضوًا في المجلس الوطني، فلن يكون قادرًا على الترشح لعضوية اللجنة التنفيذية، ولن يكون بالتالي مرشحاً لرئاسة منظمة التحرير، حتى لو كان يحظى بدعم سياسي واسع داخل بعض الأوساط الفلسطينية.

والأمر لا يقف عند هذا الحد. فلو افترضنا سيناريو آخر يتمكن فيه البرغوثي من الفوز في الانتخابات الرئاسية للسلطة الفلسطينية، فإن فوزه بالرئاسة لن يعني تلقائياً انتقاله إلى قيادة منظمة التحرير، لأن رئاسة اللجنة التنفيذية تتطلب مسارًا تنظيميًا مختلفًا يبدأ بعضوية المجلس الوطني. وبذلك يصبح من الممكن، نظريًا، أن يكون رئيس السلطة الفلسطينية شخصًا، بينما يقود منظمة التحرير شخص آخر، وهو وضع من شأنه أن يخلق ازدواجية غير مسبوقة في رأس الهرم السياسي الفلسطيني.

هذه الازدواجية قد لا تكون مجرد احتمال قانوني، بل قد تتحول إلى أداة سياسية لإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الفلسطيني، بحيث لا يستطيع أي منافس للرئيس الحالي أو لدائرته الضيقة أن يجمع بين الموقعين اللذين احتكرهما ياسر عرفات ثم محمود عباس طوال العقود الماضية.

ومن هنا يصعب فصل التعديل القانوني المرتقب عن الصراع المكتوم داخل حركة فتح نفسها. فمنذ سنوات تشهد الحركة حالة استقطاب متصاعدة بين القيادة الحالية وعدد من القيادات التاريخية أو الشعبية، ويأتي مروان البرغوثي في مقدمة هذه الأسماء. لذلك فإن أي تعديل يمس قواعد الوصول إلى مؤسسات منظمة التحرير سيُفسَّر، سواء أصاب هذا التفسير أم أخطأ، على أنه جزء من معركة الخلافة أكثر من كونه إصلاحًا للنظام الانتخابي.

ولا يقتصر الأمر على البرغوثي وحده، بل إن الرسالة السياسية التي قد يحملها مثل هذا التعديل أوسع من ذلك بكثير، إذ تعني أن الطريق إلى قيادة منظمة التحرير لن يمر فقط عبر صناديق الاقتراع، وإنما أيضًا عبر ترتيبات قانونية وتنظيمية تحدد مسبقًا من يحق له الوصول إلى المؤسسات القيادية ومن يبقى خارجها.

واللافت أن سلسلة المراسيم والتعديلات التي صدرت خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن النظام السياسي الفلسطيني يعيش مرحلة إعادة تشكيل كاملة، وليس مجرد تحضير لانتخابات تشريعية. فالقوانين تتغير بصورة متسارعة، وعدد أعضاء المجلس التشريعي يُعاد النظر فيه، والعلاقة بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني تخضع لإعادة صياغة، وكل ذلك يحدث في ظل غياب نقاش وطني واسع يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين.

وفي الأنظمة الديمقراطية، تُعد القوانين الانتخابية من أكثر القوانين استقرارًا، لأن تغييرها المتكرر يثير دائمًا الشكوك حول وجود أهداف سياسية تتجاوز تطوير النظام الانتخابي نفسه. أما حين تتغير القواعد قبل كل استحقاق انتخابي، فإن ذلك يفتح الباب أمام اتهامات بأن القانون بات يُصاغ لخدمة موازين القوى، لا لخدمة المصلحة العامة.

ومن الصعب أيضًا تجاهل ما يتردد داخل الأوساط السياسية الفلسطينية بشأن ترتيبات مرحلة ما بعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس. فالرجل يدرك، بحكم العمر وطبيعة المرحلة، أن مسألة الخلافة أصبحت بندًا رئيسيًا في الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية. ولذلك تبدو كثير من القرارات الأخيرة وكأنها لا تعالج الحاضر فقط، وإنما ترسم أيضاً شكل السلطة الفلسطينية في اليوم التالي.

وتدور تكهنات متزايدة حول الشخصية التي قد تحظى بدعم الرئيس لتكون وريثه السياسي. وتذهب بعض هذه التقديرات إلى حد الحديث عن احتمال تهيئة الطريق أمام نجله ليكون جزءاً من معادلة القيادة المقبلة. وحتى لو بقي هذا السيناريو في إطار التكهنات التي لم تؤكدها مصادر رسمية، فإن مجرد تداوله يعكس حجم القلق داخل الساحة الفلسطينية من أن تتحول التعديلات القانونية والمؤسساتية إلى أدوات لترتيب انتقال السلطة وفق اعتبارات سياسية ضيقة، لا وفق منافسة ديمقراطية مفتوحة.

ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على عدد أعضاء المجلس التشريعي أو المجلس الوطني، ولا على الآليات القانونية وحدها، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تُبنى المؤسسات الفلسطينية على قاعدة المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، أم على قاعدة هندسة النتائج مسبقاً عبر إعادة رسم القواعد كلما اقتضت الحاجة السياسية؟

إن قوة أي نظام سياسي لا تُقاس بقدرته على إنتاج قوانين جديدة، وإنما بقدرته على إنتاج الثقة. والثقة لا تنشأ عندما يشعر المواطن أو القوى السياسية بأن قواعد اللعبة تتغير كلما ظهر منافس قوي أو تبدلت موازين القوى، بل عندما تكون القواعد ثابتة وتطبق على الجميع دون استثناء.

إن أي تعديل انتخابي سيظل محل جدل واسع إذا ارتبط في الوعي العام بأسماء أشخاص أكثر من ارتباطه بإصلاح المؤسسات. فالقوانين التي تُكتب من أجل مرحلة أو من أجل مواجهة خصم سياسي قد تحقق أهدافها الآنية، لكنها غالباً ما تترك آثاراً بعيدة المدى على شرعية النظام السياسي واستقراره. وإذا كان الفلسطينيون ينتظرون انتخابات تعيد تجديد الشرعيات وتفتح صفحة جديدة، فإن نجاح هذا المسار سيعتمد قبل كل شيء على شعور الجميع بأن القانون وُضع لخدمة الوطن، لا لخدمة معارك الخلافة أو رسم هوية من سيجلس على كرسي القيادة في اليوم التالي.

الكلمات المفتاحية

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا


جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي


هل حل خريف نتنياهو؟

هل حل خريف نتنياهو؟

كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود


البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ الوالد باستشهاد معتز دون توضيح الظروف
أخبار

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف

شقيق الأسير معتز، باسل الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
أخبار

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست

قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة


فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
قول

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

طائرة جناح صهيون
أخبار

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك

الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟