ultracheck
تقارير

تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة

14 أبريل 2026
تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة
نساء مخيم جنين يعدن للمخيم لمدة ساعتين بتاريخ 13-4-2026
مصدر الصور: gettyimages
محمد غفري
محمد غفري صحافي من رام الله

لم تكن العودة إلى مخيم جنين بالنسبة لعشرات النساء الفلسطينيات سوى رحلة قصيرة ومؤلمة بين الذكريات والخراب؛ رحلة بدأت بإجراءات عسكرية مهينة وانتهت بخيبة أمل ثقيلة.

لساعتين فقط، سُمح لهن، أمس الإثنين، بالدخول إلى ما تبقى من منازلهن، بعد شهور من التهجير القسري، ليجدن أن ما تركنه خلفهن لم يعد يشبه ما كان.

إحدى نساء مخيم جنين لـ الترا فلسطين: "خلال تفتيشي، رأيت سيدة تم تعريتها بالكامل، في مشهد لا يمكن نسيانه".

تروي سحر الرخ تفاصيل تلك الساعات القاسية، التي بدأت منذ لحظة تقديم الأسماء عبر الارتباط الفلسطيني. وبعد أسبوعين من الانتظار، جاء رد الاحتلال برفض دخول الرجال والسماح للنساء فقط؛ حيث حصلت 120 سيدة من أصل 200 على الموافقة، لكن عند المدخل الشمالي للمخيم تقلّص العدد إلى نحو 70 سيدة فقط.

تقول الرخ، لـ"الترا فلسطين": "تم إدخالنا على شكل مجموعات، كل 10 سيدات معًا، بحسب توزيع الحارات". عند المدخل، كان الجنود يعتمدون على خرائط جوية لتحديد وجهة كل سيدة، حيث كُتب على يدها رمز يشير إلى منطقتها، مثل "a3"، لضمان التزامها بمسار محدد ومنعها من الوصول إلى أي مكان آخر.

لم تكن الإجراءات مجرد تنظيم للدخول، بل رافقها تفتيش وصفته الرخ بـ"المعقد والمهين"، حيث خضعت النساء لتفتيش دقيق عند الدخول والخروج، مع مرافقة عسكرية حتى الوصول إلى المنازل.

أما السيدة تهاني الغول، فتصف المشهد منذ لحظة وصولها عند الساعة التاسعة صباحًا: "كان هناك تجمع كبير للأهالي، وقوات الاحتلال تتخذ من عمارة سكنية عند مدخل المخيم ثكنة عسكرية".

عند هذه العمارة، بدأت سلسلة طويلة من الانتظار والمماطلة، استمرت حتى الساعة الحادية عشرة، بين نداءات الأسماء وإجراءات التفتيش المتكررة.

وتضيف الغول: "كل فوج كان مكونًا من 10 سيدات، وبعد اكتمال الأسماء يتم تسليمنا لمجندات للتفتيش. كان الأمر مؤلمًا ومهينًا، إذ طُلب منا خلع الجاكيت أو الجلباب، وتعرضت بعض النساء لتفتيش عارٍ وانتهاك لخصوصيتهن".

وتتابع، في تعقيب خاص لـ"الترا فلسطين": "خلال تفتيشي، رأيت سيدة تم تعريتها بالكامل، في مشهد لا يمكن نسيانه". بعد ذلك، تم تسليمهن من فرقة إلى أخرى، وصولًا إلى مرافقة الجنود لهن داخل المخيم.

داخل المخيم، رفضت الغول التوجه إلى منزلها بمفردها برفقة جنديين، وأصرت على الوصول ضمن مجموعة من نفس الحارة، ما اضطرها للعودة مجددًا إلى مدخل المخيم والانتظار ساعة إضافية قبل السماح لها بالدخول مرة أخرى، بعد إعادة إجراءات التفتيش كاملة.

تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة

تصف الغول المشهد داخل المخيم قائلة: "كنت أسير فوق ركام المنازل، والجدران مهدمة بالكامل. عندما وصلت، لم أجد أبوابًا ولا شبابيك، وكانت الشرفة منهارة على منزل الجيران".

هناك، انهارت نفسيًا وصرخت في وجه أحد الجنود، الذي بدا أنه عربي، وقد برر ما حدث بأنه "نتيجة ما قام به شبان المخيم". تقول: "عدت خالية تمامًا. كنت أملك أملًا أن يعود المخيم، لكن الدمار غير طبيعي، ولم يبق لدي أي أمل".

تعيش الغول اليوم مع عائلتها في منازل مستأجرة قرب دوار عصفور عند مدخل مدينة جنين، بعد تدمير أربعة منازل تملكها هي وأبناؤها. وتضيف: "تكاليف الإيجار باهظة؛ إذ يزيد إيجار كل منزل عن ألف شيقل، والديون تتراكم، ولا يوجد دخل يغطي هذه النفقات".

وتتابع: "كنت متشوقة للدخول إلى المنزل، رغم خوفي مما قد أشاهده. كان لدي أمل بأن المخيم سيعود كما كان، لكن حجم الهدم والخراب كان غير طبيعي، ولم يبقَ لدي أي أمل. منذ الأمس وأنا أتناول المسكنات والأدوية. كان لدي بصيص أمل بأن هذه العملية العسكرية ستنتهي، لكن حتى مع نهايتها، كيف يمكن إعادة إعمار المخيم في ظل هذه الظروف؟".

وتروي الغول: "في عام 2002، هُجّرنا، لكن كان هناك من أعاد الإعمار وتكفّل بدفع الإيجارات عنا. أما اليوم، فقد دُمّرت أربعة منازل تعود لي ولأبنائي، ونعيش حاليًا في أربعة منازل مستأجرة عند دوار عصفور".

وتضيف: "نواجه اليوم تكاليف باهظة للإيجارات، وقد تراكمت علينا الديون في ظل غياب أي مصدر دخل. نعيش معاناة قاسية وأزمة نفسية لا يعلم بها إلا الله".

وتختم: "طوال الأشهر الماضية، كنت أقول لنفسي، وأنا في منزل الإيجار، إن هذا قد يكون الشهر الأخير، وكنت أؤجل ترتيب المنزل والملابس على أمل أننا سنعود في أي لحظة. لكن اليوم، بدأت أفكر في الاستقرار وإعادة ترتيب المكان، رغم إدراكي أنه ليس منزلي".

أما سحر الرخ، التي فقدت منزلها في تفجير سابق مع بداية العملية العسكرية، فقد أصرت على الدخول رغم معرفتها بحجم الدمار.

تقول: "منزلي في حارة الحواشين تم نسفه بالكامل، لكنني أردت أن أراه". وتصف كيف اضطرت للتسلق والقفز للوصول إلى منزل شقيقة زوجها بسبب تدمير الدرج.

داخل منزل قريبتها، وجدت الأثاث مدمرًا والجدران مهدمة، ولم تتمكن إلا من أخذ بعض الملابس والمؤن البسيطة، مثل زيت الزيتون والزعتر. وتشير إلى أن الجنود منعوا إخراج بعض المواد، مثل أسطوانات الغاز، وفق قائمة محددة بالمسموح والممنوع.

وتوضح الرخ أن حارة الحواشين كانت أقل تضررًا مقارنة بمناطق أخرى لم يتمكنّ من الوصول إليها، لكنها رغم ذلك فقدت منزلها وتعيش اليوم مع عائلتها المكونة من سبعة أبناء في منزل مستأجر قرب قباطية.

تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة

في زاوية أخرى من المشهد، التي وثقتها عدسات المصورين، حملت إحدى السيدات ما استطاعت العثور عليه: ورق عنب، حبة ليمون، وبسكويت من بقالة جارتها. أشياء بسيطة، لكنها تختصر حياة كاملة كانت هنا قبل أن تتحول إلى ركام.

وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد سمحت، ولمدة ساعتين فقط، لعشرات النساء بالدخول إلى مخيم جنين، تحت إجراءات عسكرية مشددة، للبحث بين الأنقاض عن مقتنيات شخصية أو أوراق ثبوتية.

ومنذ 21 كانون الثاني/ يناير 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته في شمال الضفة الغربية، التي بدأت في مخيم جنين وامتدت إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، ما أدى إلى تدمير مئات المنازل وتهجير أكثر من 50 ألف فلسطيني.

ووفق معطيات فلسطينية رسمية، استُشهد 62 فلسطينيًا في محافظة جنين، وأصيب أكثر من 300، فيما تم هدم نحو 300 بناية سكنية بشكل كامل داخل المخيم خلال العام الأول من العدوان المستمر.

كما تواصل السلطات إغلاق مقرات وكالة "الأونروا" ومنع تقديم خدماتها، في سياق أوسع يستهدف تقليص دورها داخل المخيمات.

اليوم، لم تعد تلك الزيارة القصيرة سوى صدمة إضافية؛ إذ عادت النساء محمّلات بذكريات ثقيلة وأمل خائب، في وقت لا يزال فيه المخيم مغلقًا أمام سكانه، وتتحول منازله إلى نقاط عسكرية، فيما يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن إعادة الحياة إلى مكان لم يعد يشبه نفسه؟

الكلمات المفتاحية

انتخابات حماس | مصدر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا

كشفت مصادر خاصّة في حديث مع "الترا فلسطين"، أن لجنة الانتخابات المركزيّة في حركة حماس ستعلن داخليًا عن موعد الجولة الثانية من انتخابات رئيس المكتب السياسي العام للحركة


أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال حديثي الولادة

أزمة أكسجين في غزة تهدد حياة الأطفال الخُدج وحديثي الولادة

الإبادة الجماعية انعكست بشكل كارثي على قدرة المستشفيات في توفير المستلزمات الطبية والأكسجين للأطفال، خصوصًا الأطفال الخُدّج وحديثي الولادة


خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح

تكشف مصادر داخل فتح لـ"الترا فلسطين"، عن تفاصيل التحالفات التي قادها الرئيس محمود عباس وعدد من قيادات الحركة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية، في إطار التنافس على مواقع اللجنة ضمن أعمال المؤتمر الثامن للحركة


النكبة والإبادة

من النكبة إلى الإبادة.. شلالات الدم وقوافل المهجرين لا تنتهي

بعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية، ما زال الفلسطينيون يذكرون نكبتهم بصفتها وجعهم الأول وأصل مأساتهم التي ما زالت مستمرة منذ 78 عامًا

معـدل الشهداء في غزة ارتفع بأكثر مـن 5 أضعاف منذ وقف حرب إيران
أخبار

5 شهداء بنيران الاحتلال في قطاع غزة

ضمن استهدافات اليوم: 3 شهداء ومصابون إثر قصف الاحتلال مطبخًا تابعًا لمؤسسة تركية في دير البلح.

الاحتلال يقرر بناء متحف عسكري على أنقاض مقر الأونروا بالقدس
أخبار

الاحتلال يقرر بناء متحف عسكري على أنقاض مقر الأونروا بالقدس

المخطط الذي صاغه وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس ينص على تخصيص قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 36 دونمًا لصالح وزارته.


أسطول الصمود العالمي: اختطاف سفننا تصعيد غير مسبوق والصمت عليه تواطؤ
أخبار

أسطول الصمود لـ"الترا فلسطين": تحالف دولي جديد لكسر حصار غزة رغم تهديدات الاحتلال

لليوم الرابع على التوالي، يواصل "أسطول الصمود العالمي" رحلته البحرية باتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر حصار غزة.

رويترز: خرائط إسرائيلية تُظهر توسيع نطاق السيطرة العسكرية في غزة
راصد

تقرير إسرائيلي: "الخط البرتقالي" يقيّد حركة الإغاثة في 64% من مساحة غزة

وفق معطيات الأمم المتحدة، فقد قتل الجيش الإسرائيلي 224 فلسطينيًا، بينهم أطفال، قرب "الخط الأصفر" أو في محيطه، بين 10 أكتوبر 2025 و27 فبراير 2026.

الأكثر قراءة

1
تقارير

انتخابات حماس | مصادر لـ"الترا فلسطين": ورقة بيضاء عرقلت الحسم بين الحيّة ومشعل.. وجولة ثانية قريبًا


2
مقابلات

ردًا على ملادينوف.. حماس لـ الترا فلسطين: تصريحاته دعوة للفوضى والسلاح شأن وطني


3
ذاكرة وطنية

قاد القسام ورمم قواته خلال الحرب.. من هو عز الدين الحداد؟


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بالتفاصيل.. خريطة التحالفات التي ترسم اللجنة المركزية لحركة فتح


5
تقارير

مؤتمر فتح الثامن: حضور الانتخابات ونقاش العضوية وغياب البرنامج السياسي