أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.29
سعر الصرف 3.29
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.63
سعر الصرف 4.65
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.91
سعر الصرف 3.91
تقصّي أثر مقاتل (1): راتب راضي خويرة

تقصّي أثر مقاتل (1): راتب راضي خويرة

طالبات نابلس في مظاهرة احتجاجية على نسف منزل محمد عبد الله في أيلول 1968 | المصور مجهول

كان تشرين الثاني/نوفمبر امتدادًا لشهري "الاشتباك" -أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر 1968- في نابلس. هذا ما توحي إليه مطالعة يوميات كتبها كاتب بلدية نابلس آنذاك، ومذكرات انتهى من صياغتها رئيس بلدية نابلس حمدي طاهر كنعان (1909-1981) يوم 28 حزيران/ يونيو 1969. إذ ابتدأ الشهر بإشارة اليوميات إلى استمرار منع التجول في المدينة من التاسعة صباحًا ولغاية الرابعة بعد الظهر. ثم بإعلان المدينة لإضراب عام وشامل بمناسبة الذكرى الـ51 لصدور وعد بلفور، وقرار الاحتلال إعلان منع التجول على كامل المدينة بدءًا من التاسعة والنصف صباحًا.

مساء الأربعاء 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 استشهدت شادية نايف أبو غزالة بعبوة ناسفة استلمتها من رفاقها في الجبهة الشعبية استعدادًا لعملية تالية. وباستشهاد شادية ازدادت نابلس اشتعالاً

استمر منع التجول، كما استمر إضراب مدارس المدينة الذي ابتدأ سابقًا، لكن مساء الأربعاء 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 استشهدت شادية نايف أبو غزالة (1949-1968) بعبوة ناسفة استلمتها من رفاقها في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين استعدادًا لعملية تالية. وباستشهاد شادية ازدادت نابلس اشتعالاً، كان أبرزها مظاهرات جنازتها، ثم المظاهرات الطلابية التي انطلقت من مدارس المدينة يوم السبت 23 تشرين الثاني/ نوفمبر باتجاه قبر الشهيدة، والتي انتهت بقمع الاحتلال للمظاهرات وفرض منع التجول على شارع المدارس (العائشية، الصلاحية، الجاحظ، عمر بن عبد العزيز، ابن سينا).

اقرأ/ي أيضًا: عن الهزائم وتغيير المصائر.. حمدي مطر يتذكر

استمرت سياسات الاحتلال القمعية، وأبعد الاحتلال خمسة من شخصيات المدينة، كان على رأسهم نوال رامز التيتي مديرة العائشية، وهدى صبحي عبد الهادي مديرة مدرسة الوكالة الإعدادية. وفي يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 هدم الاحتلال بالمعاول بقية منزل شادية.

يوم الجمعة 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 دوَّن كاتب البلدية في اليوميات، "الساعة 6:00 مساءً، سمع صوت انفجار قوي في المدينة"، وأضاف "نتيجة إلقاء قنبلة من سيارة على مبنى الحاكم العسكري". ثم دون نص بيان صادر عن الحاكم العسكري لنابلس، فكتب: "الساعة 10:45 مساءًا أذيع البيان التالي: ’بيان لجميع أصحاب السيارات، باسم الحاكم العسكري الكولونيل شاؤول جبعولي، على جميع أصحاب التكسيات، وجميع أصحاب السيارات الخصوصية من نوع مرسيدس، أن يأتوا فورًا، بسياراتهم إلى الساحة المقابلة لمركز البوليس (المنطقة). كل من لا يأتي بسيارته حسب البيان المذكور سوف يتحمل المسؤولية‘".

الساعة 12:15 بعد منتصف الليل أذيع البيان مرة ثانية، والساعة 7:00 من صباح السبت 30 تشرين الثاني/ نوفمبر أذيع البيان مرة ثالثة. وتواصل اليوميات، أنه بحدود الساعة 12:00 ظهرًا سمع صوت إطلاق رصاص فرض على إثره منع التجول على منطقة الجبل الشمالي، كما حوصرت المنطقة وجرى تفتيشها. وتضيف يومية الأربعاء 4 كانون الأول/ ديسمبر 1968 بأن السلطات هدمت منزل صادق الشيخ ياسين، مؤلف من 4 غرف في الجبل الجنوبي، لوجود أسلحة، وتعقب "علمًا بأن المذكور سبق وأن نفذ تعليمات بإعلام السلطات أن لديه مستأجرين".

في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1968، مجموعة من قوات الجبهة قامت بإلقاء قنبلة يدوية على مبنى الحاكم العسكري في مدينة نابلس، مما أدى إلى جرح اثنين من جنود العدو

كانت هذه اليوميات، أول الخيط للبحث في سيرة بعض مقاتلي الأرض المحتلة خلال سنوات (1967-1969)، خصوصًا وأن الهدف المختار في هذه العملية، كان وسيصير هدفًا لسلسلة من العمليات خلال الشهور والسنوات السابقة والتالية. ابتدأ الرحلة من يوميات كاتب البلدية ومذكرات كنعان، لتحط في اليوميات الفلسطينية درة إنتاج مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، نقلت اليوميات عن البلاغ العسكري رقم 70 الصادر عن قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمنشور في الصحف اللبنانية، في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1968، بأن مجموعة من قوات الجبهة قامت بإلقاء قنبلة يدوية على مبنى الحاكم العسكري في مدينة نابلس، مما أدى إلى جرح اثنين من جنود العدو. وأضاف البلاغ في اليوم التالي قام العدو بعملية تفتيش دقيقة وأثناء ذلك فاجأه أحد كمائن الجبهة بالمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية. وعادت القوات إلى قواعدها بسلام.

اقرأ/ي أيضًا: ذكر الرجال بحفظ تاريخهم: هامش على "الفدائي" لطوقان

المحطة التالية، كانت محاولة استكشاف ما أوجزته يومية الجمعة والسبت، ثم يومية الأربعاء من اشتباكات تالية للعملية. ولعل أبرز المصادر المتوقعة لاستكشاف مزيد من الخيوط، أراشيف القمع، أي المواد الأولية المختلفة للاحتلال.

نشرت صحف الاحتلال أخبار العملية مطلع كانون الأول/ ديسمبر بكثير من الإيجاز، إذ اقتصر الحديث عن إلقاء قنبلة يدوية الجمعة من سيارة متحركة، وإشارة إلى عدم وقوع إصابات. لكن ستنشر لاحقًا تفاصيل أخرى، ارتبطت بيومية الأربعاء، فبعد تفجير منزل الشيخ ياسين أعلنت صحافة الاحتلال أن المنزل يعود لسائق سيارة أجرة من المدينة، يدعى راتب راضي خويرة، اعتقل السبت بعد إلقاء القنبلة على مقر الحاكم العسكري. وأضافت صحيفة لمرحاف في خبرها، بأن السائق اعتقل مع 130 سائقًا، من أصحاب سيارات الأجرة من نوع مرسيديس، بعد الاشتباه في أن قاذف القنبلة استخدم سيارة من هذا الطراز.

بعد أسبوعين، وكعادة أجهزة القمع الصهيونية، أعلن في خبر احتفائي عن نجاح الاحتلال في اعتقال أفراد المجموعة المنفذة للهجوم، وعددهم أربعة، ونشرت صحف لمرحاف وعل همشمار وهتسفاه تفاصيل الخبر، كان أوسعها ما نشر في عل همشمار. وفي التفاصيل تحدث الخبر عن اعتقال أربعة من أفراد المجموعة المنفذة للعملية، فاعتقل أولاً اثنان من أفرادها بعد معركة قصيرة في أحد شوارع المدينة، ثم ألقي القبض على اثنين آخرين قبل عبورهما لنهر الأردن.

 صدف أن شاهد أحد ضباط حرس حدود الاحتلال سيارة مستقرة في مخيم بلاطة، وبعد تحقيقات مع أهل المكان وصلت قوات الاحتلال لصاحبها

تحدثت الصحيفة عن كيفية اكتشاف أمر المجموعة، القادمة من الأردن، فتشير إلى أن تحقيقات قوات الاحتلال بدأت إثر ملاحظة أحد الحرس لنوع السيارة المهاجمة، مرسيدس، فاعتقل كل سائقي سيارات الأجرة في المدينة، وجميع مالكي المركبات الخاصة من هذا النوع. لكن لم تقد هذه الاعتقالات التي أشرف عليها قائد القيادة المركزية لجيش الاحتلال رحبعام زئيفي (1926- 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2001) لشيء. لكن صدف أن شاهد أحد ضباط حرس حدود الاحتلال سيارة مستقرة في مخيم بلاطة، وبعد تحقيقات مع أهل المكان وصلت قوات الاحتلال لصاحبها.

اقرأ/ي أيضًا: رحلة لم تكتمل: في ضرورة التأريخ للراهن!

وفقًا لعل همشمار فإن اعتقال السائق، قاد إلى خلية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نقلها السائق سابقًا من بيت فوريك إلى المدينة، وإثر ذلك اندلع اشتباكٌ في الحي الشرقي للمدينة، بعد اكتشاف حرس المكان من أفراد المجموعة لقوات الاحتلال. ووفقًا للاحتلال، نجح اثنان من أفراد المجموعة في الانسحاب من المكان، اعتُقل أحدهما بعد حملة تفتيش في كامل الحي وبدء عمليات تمشيط من منزل إلى منزل. وكما سبق الإشارة فإن الاحتلال تحدث عن اعتقال بقية أفراد المجموعة لاحقًا.

كما يلحظ أبرزت هذه الرواية التي صدرتها أجهزة أمن الاحتلال، المجموعة بوصفها مجموعة قادمة من شرقي الأردن، باستثناء السائق الذي ساعدها. ولم تفصح عن هوية أي من المعتقلين باستثناء السائق، راضي خويرة الذي كشف عن اعتقاله سابقًا. واحتفت الأخبار المنشورة بنجاح أجهزة قمع الاحتلال، وأبرزت اسم ضابط حرس حدود الاحتلال الذي كشف أول خيط أوصل للمجموعة.

 افتتحت يوم 5 آذار/ مارس 1969 محاكمة مقاتلين من الجبهة الشعبية، أحدهم كما أشارت دفار، سائق تكسي من المدينة، أي راتب خويره

اعتقال أفراد المجموعة، عنى أن صحف الاحتلال ستعتني كعادتها خلال هذه الفترة، بتغطية أخبار محاكمتها. وبالتالي أمكن من خلال تتبع أخبار محاكمات أفراد المجموعة في نابلس كشف مزيد من الخيوط، التي حفظتها "أراشيف القمع". افتتحت يوم 5 آذار/ مارس 1969 محاكمة مقاتلين من الجبهة الشعبية، أحدهم كما أشارت دفار، سائق تكسي من المدينة، أي راتب خويره، ومقاتل "تسلل" بتعبيرها من الأردن، كشفت الصحيفة اسمه ويدعى أنيس دولة.

اقرأ/ي أيضًا: صالح أبو مرتضى.. ذاكرة معركة في مشاريق نابلس

وفي التفاصيل، أشارت دفار إلى أن دولة والنابلسي نفذا عملية إلقاء القنبلة على مقر الحاكم العسكري، بعد عودتهما من محاولةٍ لضرب جنود الاحتلال المستقرين على مدخل المدينة، وبعد فرار الحارس إثر ملاحظته للقنبلة نجا بأعجوبة من القنبلة التي ألقيت إلى جواره. وأضافت دفار رواية تناقض الرواية المنشورة أولاً في الصحف الثلاث عن تفاصيل المعتقلين، فأشارت إلى أن اعتقال خويرة قاد إلى اعتقال أنيس دولة المختفي بجبل جرزيم، ثم إلى اعتقال تحسين حنيني، وهو طالبٌ من بيت فوريك قدم الطعام ونقل المعلومات لدولة.

استمرت المحاكمة، فحكم على أنيس محمود دولة في 24 آذار/ مارس 1969 -وصف بأنه شاب من الزرقاء- بالسجن مدى الحياة. أما راتب خويرة فحكم أيضًا بالسجن مدى الحياة يوم 21 أيار/ مايو 1969، وكانت التهم الموجهة إلى خويرة، حيازة مخبأ أسلحة، المساعدة في ارتكاب مخالفة، المساعدة في إلقاء قنبلة، الانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وأكد المدعي العسكري العام لمحكمة نابلس العسكرية أن خويرة خطط وثلاثة آخرين لإلقاء قنبلة على جنود استقروا في مدخل المدينة، لكنهم عادوا وضربوا مقر الحاكم العسكري ونجاح الحارس بأعجوبة، فيما تضرر المبنى جزئيًا.

راتب خويرة حُكِم بالسجن مدى الحياة. وكانت التهم الموجهة له حيازة مخبأ أسلحة، والمساعدة في ارتكاب مخالفة، والمساعدة في إلقاء قنبلة

تناقضات الأخبار التي حفظتها أراشيف القمع، تشي أولاً بفشل الاحتلال في اعتقال كامل أفراد المجموعة، إذ أن المحاكمات اقتصرت على خويرة، ودولة، ومساعدهما حنيني. أما بقية أفراد المجموعة فلم يحاكموا، في إشارة إلى أنهم لم يعتقلوا. ويلحظ -كما أشير سابقًا- تأكيد أخبار الاحتلال المختلفة على تفرد "الخارج" في هذه العملية، وكما في بقية عمليات المقاومة المسلحة خلال هذه السنوات، فالمقاتل الفلسطيني اعتبر متسللاً قدم من الخارج، أما مقاتلو الأرض المحتلة فلم يشر إلى دورهم إلا كدور هامشي، دور المساعد، رغم أن تهم خويرة تنقض ذلك.


طابع بريدي يحمل رسم للمقاتل أنيس دولة، من رسوم محمد إبراهيم حجي

قادت هذه الخيوط المستخرجة من أراشيف القمع كما تبين أعلاه، إلى أنيس محمود دولة، وبالبحث عن دولة سيجد القارئ معلومات متضاربة عن عمليته، وتوقيت اعتقاله، وكذلك عن مصيره المجهول. ولد أنيس محمود دولة في مدينة قلقيلية عام 1944، دخل الأرض المحتلة في دورية من دوريات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولا تفاصيل عن نشاطه السابق للحظة دخوله، إن كان دخوله الأول، أم سبق وشارك في دوريات أخرى. بعد انشقاق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، انضم دولة إلى صفوف الجبهة الديمقراطية، وسقط دولة يوم 31 آب/ أغسطس 1980 شهيدًا بعد مشاركته في إضراب تضامني مع إضراب الأسرى في سجن نفحة، وما زالت جثته مفقودة.

أما راتب خويرة، فلا توفر المصادر الأولية المتاحة أي مادة إضافية عنه، مع وجود إشارات إلى خروجه من السجن وعودته إلى مدينته نابلس. لكن قادت هذه الخيوط أيضًا إلى سؤال إضافي، من المقاتل الذي نجح في مغادرة الحصار بعد اشتباك دولة مع الاحتلال، والذي ادعت صحافة الاحتلال أولاً اعتقاله، وأثبتت تغطيات المحاكمات اللاحقة فشلها في ذلك!

وجد أثر، والبقية تأتي.


اقرأ/ي أيضًا: 

إرث المعركة.. فدائيو الواد الأحمر

عن انتفاضة السلاح، استعادة لأثر!