ultracheck
تقارير

تكسير الركام.. مهنة محفوفة بالموت فرضتها الحرب في غزة

6 أغسطس 2026
ركام غزة
سفيان نايف الشوربجي
سفيان نايف الشوربجيصحفي من غزة

بين أكوام الخرسانة وآثار الدمار، يقف عشرات العمال في قطاع غزة فوق أنقاض المباني المدمرة بحثًا عن مصدر رزق فرضته الحرب. فلم يعد الركام مجرد شاهد على الخراب، بل تحول إلى مهنة اضطر إليها من فقدوا أعمالهم، ليعملوا بأدوات بدائية ومن دون أي وسائل حماية، في مواجهة يومية مع خطر الانهيارات وشظايا الخرسانة والإصابات، بعدما أصبحت لقمة العيش مرهونة بالمخاطرة بالحياة.

طواقم الدفاع المدني تتلقى بصورة متكررة بلاغات عن إصابات وقعت خلال أعمال إزالة الأنقاض، وقد تعاملت مع العديد من الحالات التي تنوعت بين الكسور، والجروح القطعية، وإصابات الرأس والأطراف.

وسط هذا المشهد القاسي، يبدأ محمود الغزالي (35 عامًا) يومه ممسكًا بمطرقته الحديدية، ويوجه بها ضربات متتالية إلى كتلة خرسانية ضخمة، فيما تتطاير الشظايا من حوله. يتوقف للحظات ليمسح عرقه، ثم يعاود العمل فوق أنقاض مبنى دمرته الحرب في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، مدركًا أن ضربة واحدة خاطئة أو انهيارًا مفاجئًا قد يحوله من عامل يبحث عن لقمة العيش إلى مصاب جديد تحت الركام.

قبل الحرب، كان محمود يعمل في توزيع البضائع والسلع الغذائية لدى أحد المصانع، لكن فقدانه وظيفته وانعدام فرص العمل دفعاه إلى امتهان تكسير الحجارة وإعادة تدوير الركام. واليوم، يعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد تعتمد على ما يجنيه من هذه المهنة، فيما لا تتوقف زوجته وأبناؤه عن مطالبته بتركها خوفًا على حياته.

لقمة عيش فوق الركام

مع ساعات الصباح الأولى، يتوجه محمود إلى مواقع المباني المدمرة، حيث يعمل ضمن فريق يضم تسعة عمال يتولون إزالة الكتل الخرسانية، وتكسير الأنقاض، واستخراج الحجارة الصالحة لإعادة الاستخدام. ولا يمتلك الفريق سوى عدد محدود من الشواكيش و"المهدّات" اليدوية، في ظل غياب كامل للآليات المتخصصة.

يبدأ محمود وزملاؤه عملهم من دون خوذات أو نظارات واقية أو قفازات أو أحذية مخصصة للحماية، ولا حتى كمامات تقيهم الغبار المتطاير، في ظل غياب شبه تام لمعايير السلامة المهنية، بينما يعملون فوق مبانٍ متضررة قد تنهار في أي لحظة.

صورة عامة خلال الحرب على غزة

وبعد ساعات من العمل، يمسح محمود عرقه المتصبب، ويضع "المهدّة" إلى جواره، قبل أن يقول، لـ"الترا فلسطين"، بصوت يختلط فيه الإرهاق بالقلق: "كل يوم أخرج من البيت وأنا أعرف أنني قد أعود مصابًا... أو قد لا أعود أصلًا، لكن لا يوجد أمامي عمل آخر".

ولم تكن هذه المخاوف مجرد هواجس؛ إذ تعرض محمود قبل أشهر لإصابة أثناء تكسير أحد المباني المدمرة في مدينة خانيونس، بعدما سقطت قطعة خرسانية على رأسه، متسببة بجرح قطعي استدعى نقله لتلقي العلاج، وأجبره على التوقف عن العمل عدة أيام. غير أن ضيق الحال لم يمنحه فرصة للتعافي طويلًا، فعاد سريعًا إلى العمل بين الأنقاض لتأمين احتياجات أسرته.

ويختتم حديثه بنبرة تختزل واقع كثير من عمال غزة، قائلًا: "لسنا نبحث عن مهنة خطرة، بل عن فرصة عمل تحفظ كرامتنا. نتمنى أن نجد مصدر رزق آمنًا، فلا يضطر الآباء إلى المخاطرة بحياتهم كل يوم من أجل إطعام أطفالهم".

مهنة فرضتها الحرب

في أحد أحياء مدينة خانيونس، التي طال الدمار أكثر من 70% من مبانيها، لم تعد أصوات السكان تملأ المكان، بل حلّت محلها ضربات المطارق المترددة بين أكوام الركام.

هنا، يشرف المقاول شادي الأسطل على فريق يضم أكثر من 15 عاملًا، يحولون الكتل الخرسانية المدمرة إلى حجارة قابلة لإعادة الاستخدام.

يقول الأسطل، لـ"الترا فلسطين"، إن العمال يتولون تكسير الكتل الخرسانية، وفرز الحجارة، واستخراج حديد التسليح لإعادة استخدامه أو بيع المواد القابلة للاستفادة منها، في ظل النقص الحاد في مواد البناء داخل القطاع.

صورة عامة خلال الحرب على غزة

ويضيف أن العمل يعتمد بالكامل على الأدوات اليدوية، مثل المطارق الثقيلة، والأزاميل، وأجهزة القطع "الديسك"، فيما يباشر العمال أعمالهم من دون خوذات أو نظارات واقية أو قفازات أو أي وسائل حماية، نتيجة عدم توفرها في الأسواق أو ارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرتهم على شرائها.

ويشير الأسطل إلى أن الطلب على الحجارة المعاد تدويرها ارتفع خلال الأشهر الأخيرة، إذ تُستخدم في أعمال الردم، وتسوية الطرق، وبعض المشاريع الإنشائية، ما حوّل الركام من مخلفات خلّفتها الحرب إلى مورد اقتصادي تعتمد عليه أعداد متزايدة من الأسر.

ولا يقتصر عمل فرق إزالة الأنقاض على المشاريع التي تنفذها المؤسسات، بل يمتد أيضًا إلى الاستجابة لطلبات أصحاب المنازل المتضررة لإزالة الكتل الخرسانية الآيلة للسقوط، ورفع الركام الذي لا يزال يهدد سلامة السكان.

خطر فوق الأنقاض

يؤكد الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في جنوب قطاع غزة، محمد الحاج يوسف، أن الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب، والمقدر بنحو 55 مليون طن من الركام، إلى جانب غياب المعدات والآليات الثقيلة، دفع آلاف المواطنين إلى إزالة الأنقاض بوسائل بدائية، في ظل غياب شبه كامل لمتطلبات السلامة المهنية، ما جعل هذه الأعمال من أخطر المهن التي فرضتها الحرب.

ويقول الحاج يوسف، لـ"الترا فلسطين"، إن إزالة الركام بصورة آمنة تتطلب استخدام آليات ومعدات ثقيلة، إلى جانب إشراف لجان هندسية وفنية تتولى تقييم المباني المتضررة وتحديد آليات التعامل معها.

ويضيف أن كثيرًا من المباني تبدو متماسكة ظاهريًا، لكنها تكون قد فقدت استقرارها الإنشائي، ما يجعلها عرضة للانهيار المفاجئ في أي لحظة، ويعرض حياة العمال لخطر بالغ.

ويشير إلى أن الاعتماد على الأيدي العاملة والأدوات اليدوية، بدلًا من المعدات المتخصصة، يرفع مستوى المخاطر بنسبة تتراوح بين 30 و60%، لا سيما في ظل غياب وسائل الوقاية الشخصية، مثل الخوذ، والأحذية الواقية، والقفازات، والنظارات، فضلًا عن عدم اتخاذ تدابير الحماية المؤقتة، كتدعيم الأجزاء المهددة بالانهيار قبل المباشرة بأعمال الإزالة.

ويوضح أن المخاطر لا تقتصر على احتمالات السقوط أو انهيار أجزاء من المباني، بل تمتد إلى التعرض لشظايا الخرسانة والحجارة المتطايرة، والأسياخ المعدنية المكشوفة، والحواف الخرسانية الحادة، والفراغات غير الظاهرة داخل الأنقاض، فضلًا عن احتمال وجود مخلفات خطرة مدفونة تحت الركام.

إصابات تتكرر

ويكشف الحاج يوسف أن طواقم الدفاع المدني تتلقى بصورة متكررة بلاغات عن إصابات وقعت خلال أعمال إزالة الأنقاض، وقد تعاملت مع العديد من الحالات التي تنوعت بين الكسور، والجروح القطعية، وإصابات الرأس والأطراف، إضافة إلى حالات إرهاق.

ويشدد على ضرورة عدم المباشرة في إزالة الأنقاض قبل تقييم المباني من قبل جهات هندسية مختصة، واستخدام وسائل الوقاية المتاحة، والعمل بحذر، مؤكدًا أن توفير المعدات المناسبة والإشراف الهندسي المتخصص يبقيان السبيل الأكثر فاعلية للحد من الإصابات وحماية أرواح العمال.

 

صورة عامة خلال الحرب على غزة

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تعرّض نحو 92% من المنازل في قطاع غزة لأضرار أو دمار، ما أجبر مئات الآلاف من السكان على الإقامة في الخيام، أو مراكز الإيواء، أو بجوار منازلهم المدمرة، فيما لا يزال أكثر من مليون شخص، من أصل نحو 2.4 مليون نسمة، بحاجة إلى مستلزمات إيواء أساسية.

وفي موازاة ذلك، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن قطاع غزة يضم عشرات ملايين الأطنان من الركام. فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، في تقريره حول إدارة الركام لعام 2025، كمية الأنقاض بنحو 55.7 مليون طن، فيما قدّر كلفة إعادة إعمار القطاع بحوالي 70 مليار دولار.

وفي ظل هذه الظروف، يواصل عشرات العمال المخاطرة بحياتهم فوق المباني المدمرة، مستخدمين أدوات يدوية بسيطة لتعويض غياب الآليات المتخصصة، في مشهد تختلط فيه آثار الحرب بمحاولات النجاة، ويغدو فيه الركام، الذي يفترض أن يكون بداية الإعمار، مصدر رزق يقتات منه من فقدوا كل شيء.

الكلمات المفتاحية

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

نقل الصحفية نقاء حامد إلى مركز شرطة الاحتلال في "أرئيل"

واصلت منصات إسرائيلية عقب اعتقال نقاء، التحريض عليها، من بينها منصة "أبو علي إكسبريس"، التي يديرها ضابط احتياط سابق في جيش الاحتلال، والتي طالبت بإبقائها في السجن لسنوات


وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. ما هي عواقب ذلك؟

وقف إمدادات الوقود عن 20 مؤسسة صحية في غزة.. كارثة وشيكة

عدد المستشفيات والمراكز الصحية المشمولة بقرار وقف إمدادات الوقود يصل إلى نحو 20 مؤسسة


7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.


غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاُ مستقرًا

غزة: الفحم يدخل قائمة السلع النادرة والبديل ليس حلاً مستقرًا

قفزت أسعار كيلوغرام الفحم من نحو 15-20 شيكلاً قبل الأزمة، لتصل إلى قرابة 60 شيكلاً

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ الوالد باستشهاد معتز دون توضيح الظروف
أخبار

عائلة الأسير معتز الأطرش: الاحتلال أبلغ والده باستشهاده دون توضيح الظروف

شقيق الأسير معتز، باشا الأطرش لـ"ألترا فلسطين": الشرطة أبلغوا والدي بأن معتز المعتقل في السجون توفي، دون إبلاغه بمزيد من التفاصيل وظروف ذلك

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست
أخبار

حزب المتطرف بن غفير يطلب شطب ترشح سامي أبو شحادة للكنيست

قدم حزب بن غفير طلبًا رسميًا لشطب ترشح سامي أبو شحادة من الانتخابات المقبلة


فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية
قول

فيلم نازا: بين المسؤولية العائمة ومصادرة فاعلية صوت الضحية

احتكار خطاب الضحوية من قبل الضحية نفسها شيء، ومصادرة تمثيل وفاعلية صوت الضحية شيء آخر، وهذا ما تجلى للأسف في فيلم نازا

طائرة جناح صهيون
أخبار

يديعوت أحرونوت: ترتيبات أمنية استثنائية لزيارة نتنياهو إلى نيويورك

الجهات الأمنية الإسرائيلية قررت عدم هبوط الطائرة الرسمية لنتنياهو في مطار جون إف. كينيدي في نيويورك على خلفية مخاوف أمنية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟