تموز "سَلَّاق العَجِر": لهيب القيظ وأيام "التعزيب" في الكروم الفلسطينية
16 يوليو 2026
ما إن يحلّ شهر تموز، حتى تتبدل ملامح الحياة في الريف الفلسطيني، ليعلن الصيف عن ذروة عنفوانه وبداية أيام "القيظ" الشديدة؛ مستهلاً "مربعينية الصيف" بحرّه الشاوي ولهيبه الطويل. تموز، أو "سَلَّاق العَجِر" كما يسميه الأجداد، ليس مجرد شهر لارتفاع درجات الحرارة، بل هو بشارة نضج "ثلاثية الحياة الكنعانية": القمح، والعنب، والتين. وفيه تبدأ رحلة الهجرة المؤقتة إلى البساتين، والانعتاق من مشقة المواسم الزراعية إلى رحابة حياة "التعزيب" والاستجمام في القصـور والنواطير وتحت ظلال العرايش. ونبحر في هذا المقال بين دفتي الذاكرة والموروث التراثي، لنستكشف الجذور الأسطورية لـ "تموز" الضاربة في عمق التاريخ، ونمط حياة الفلاحين فيه، وأبرز طقوسهم وتنبؤاتهم الفلكية، وصولاً إلى منظومة الأمثال الشعبية والمواسم الدينية التي وثّقت لهيب أيامه ووفرة خيراته.
يتجلى تموز في الوجدان الفلسطيني؛ لوحةً تراثية نابضة بالحياة، تلتقي فيها قسوة الطقس مع وفرة الطبيعة وسخائها
التسمية والجذور الأسطورية
تَـمُّوز هو الشهر السابع من شهور السنة الميلادية حسب الأسماء السريانية المستعملة في فلسطين والمشرق العربي. وتعود التسمية إلى إله الزراعة والرعي والخصب البابلي والكنعاني "تموز - دوموزي" (أو أدونيس)، والذي كان يُبكى عليه في وقت الانقلاب الصيفي؛ حيث آمن الأقدمون أنه يتلقى في هذا الشهر طعنات قاتلة في الظهر من قِبل آلهة القحط والموت (الإله "موت"). واعتقد الكنعانيون القدماء أنه وبسبب انتصار إله الجفاف على "بعل" (إله المطر) في هذا الشهر، تجف الأرض، وتنحبس الأمطار، ويعم القحط والجو الحار.
تموز الشاوي: طقس القيظ ولهيبه
بعد شهر حزيران معتدل الحرارة نسبياً (حزيران الهاوي)، يأتي تموز (الشاوي) بحرّهِ ولهيبه وأيامه الطويلة، وفيه ذروة "مربعينية الصيف" التي تليها الخمسينية. ومن أهم مظاهر المناخ والبيئة في تموز:
- الحرارة الشديدة وصفاء السماء: يُوصف بأنه شهر تشتد فيه الحرارة بشكل مفرط، ويسجل أقل نسبة من الغيوم وأكبر عدد من الأيام الصافية تماماً في السنة. وفي لهيبه لا يستطيع أحد المشي حافياً على الأرض، ويقال "بتُسلق البيضة في الرمل".
- سلوك الكائنات: "تَكِنّ" (تلزم) الطيور والحيوانات والـدواب (خصوصاً الأغنام) الظلال في وقت الظهيرة، ويلجأ الفلاح لقيلولته، وينحصر عمله من الفجر حتى قبل الظهر، ثم يعود إليه بعد العصر.
- الجفاف والندى: يعتد صيف فلسطين بظاهرة "الندى الكثيف" الذي تجلبه الرياح الغربية من البحر ليلاً ليلطف الجو ويؤثر إيجاباً على عقد الثمار الصيفية وبخاصة "المقاثي". ويستبشر المزارعون به؛ فإذا كان كبيراً سمي "ندى غراق"، أما إذا غاب الندى وحلّ الجفاف فيقال عنه "السموم".
- القيظ و"الصيف لِحمَر": يرتبط تموز بشقيقه آب "اللَّهاب"، وهما شهرا "القيظ" (الأشد حرارة). وتبدأ موجة الحر الأولى المسماة "الصيف لِحمَر" لإنضاج الثمار "العَجِر" (التي لم تنضج بعد) وتحديداً العنب والتين، ومن هنا جاء المثل "فاظ الحر عالمسطاح".
الانتقال إلى الكروم (التعزيب) ونمط الحياة
ما إن يدخل موسم القيظ، حتى يترك الفلاحون قراهم بعد انتهاء حصاد القمح، وينتقلون للعيش المؤقت في بساتينهم "التعزيب" لحراسة وجني العنب، والتين، واللوز، فيقولون "فلان قيّظ في كرمه". ويبيت الفلاحون مع عائلاتهم في الكروم في أكواخ مؤقتة مبنية من الحجارة والأغصان تُسمى "قصوراً" أو "نواطير" أو "عرائش". وتمتاز الأيام بالحياة الاجتماعية المفتوحة تحت ظلال الأشجار للدردشة، والتطريز، واستقبال الضيوف، وربط الدواب بالجذوع. يكون قوت الفلاحين من ثمار الأرض، وفي الأمثال الشعبية: "طَلّ العنب والتين بطلوا العجين"، و*"في أيام التين فش عجين"، و"في أيام البطيخ فش طبيخ".
يُعتبر الموسم فترة نقاهة و"شمة هوا" مقارنة بغيره من المواسم الشاقة، وفيه تبدأ النسوة بالبحث عن عرائس لأولادهن، ويُقال: "بساط الصيف وَساع" (لإمكانية النوم والجلوس ليلاً في أي مكان خارج البيوت بلا خوف). وفيه يحقق الفلاح الاكتفاء الذاتي من قمح، وتين، وزيت، وعنب، ومياه الآبار المجمعة شتاءً، ويشعر بالفخر قائلاً: "ميتنا في ابيارنا ونارنا من حجارنا"، محققاً المثل القديم: "فلاح إمكَفِّي.. ملك مخفي".
كما يعتبر القيظ هو موسم التخزين؛ حيث يُجمع التين والعنب ويُذبلان على "المُسطاح" لصنع القطين والزبيب اللذين يمثلان عماد "مونة الشتا".
المعتقدات والطقوس الشعبية
- أغاني العمل: على الرغم من المشقة، يحرص الفلاحون على الغناء الجماعي أثناء النقل والدراس، مؤكدين أن: "في أيام الحصايد بنغني قصايد". ترتبط أيام تموز بوفرة الرزق، وتقول الأهزوجة: "يوم عنبك وتينك كل الناس محبينك، خلص عنبك وتينك كل الناس عدوينك".
- بركة الأطفال: يسود اعتقاد بأن الأطفال المولودين في هذا الفصل يرزقون بـ "قدم خضراء" (قدم مباركة) إذ يتزامن ميلادهم مع وفرة المحصول.
- الأيام المنحوسة والمؤشرات: حدد التراث أياماً معينة تُعتبر غير محظوظة وهي: (3، 6، 8، 16، 20، و22 من تموز).
- يراقب الفلاحون ظهور نجم "الشعرى اليمانية" قبل 5 تموز؛ حيث قرأت انه في بعض المناطق -الشمالية تحديدا- ينثرون أنواعاً مختلفة من الحبوب على لوح خشبي فوق السطح، والنوع الذي ينمو بقوة في صباح اليوم التالي يكون دليلاً على نجاح محصوله في السنة المقبلة.
- خرافة مياه الأنهار: توجد خرافة شعبية قديمة تحذر من شرب مياه الأنهار في تموز؛ بدعوى أن "قطرات من الدم" تسقط من السماء فيه وتجعله مسموماً.
التنبؤات الفلكية:
- هلال تموز: إذا ظهر الهلال "قائماً" (مستقيماً)، فذلك ينذر بحرارة مفرطة وانتشار للأمراض، لكنه يبشر بوفرة المحاصيل وانخفاض الأسعار.
- خسوف القمر: كان يُفسر كإشارة إلى فساد أخلاقي أو نقص في محاصيل الخريف القادم.
- هالة القمر: تُبشر بالخير والسلام، رغم أن الحرارة قد تتلف بعض الفواكه.
- نجم الشعرى اليمانية: الظهور الصيفي الفجري في 19 تموز، حيث يعتقد الفلاحون أن البرج الذي يكون فيه القمر في ذلك اليوم يحدد مصير السنة من حيث الأمطار، والمحاصيل، والحروب. ارتبط هذا الموعد تاريخياً لدى الفلاحين بأيام "الخماسين" الصيفية التي تشتد فيها الحرارة وتستوي فيها الفواكه الصيفية كالعنب والتين "إذا طلعت الثريا والموازين دَّور الصبر والتين".

الاحتفالات والمواسم الدينية
- موسم سيدي علي:
هو احتفال ديني وشعبي ضخم (موسم) يُقام لثلاثة أيام في تموز عند مقام الشيخ علي بن عليم (الذي عاش في القرن 13م وأمر السلطان بيبرس ببناء مسجده فوق تلة صخرية تطل على البحر المتوسط). يُعتقد شعبياً أن سيدي علي هو "حامي البحر"، وله قدرة جذب "مغناطيسية" للنذور؛ فإذا أُرسل ماعز أو عنب أو قمح باسمه من أي مكان فإنه يصل للمقام. وتتدفق الحشود من الفلاحين والبدو من القرى والمدن المجاورة، وتنصب الخيام وتُقام حلقات الذكر والأناشيد، ويعد من أهم مواسم السهل الساحلي بعد موسم النبي روبين. يرتبط بالموقع مقام صغير قريب يسمى "علي الصياد"، مما قد يحمل جذوراً قديمة لفكرة "إله الصيد" في المنطقة.
- عيد مار إلياس (النبي إيليا):
يُحتفل به في 20 تموز، وهو موعد ثابت تخرج فيه المواكب إلى جبل الكرمل وتقام الدبكات والذبائح عند "مذبح بعل" (المحرقة)، حيث يعتقد الوجدان الشعبي أن إلياس حل مكان الإله القديم "بعل". ويرتبط مار إلياس بشخصية "الخضر" في فلسطين، وله مقامات في منطقة نابلس، ودير يقع بين القدس وبيت لحم. وكان يُعتقد أن مار الياس لديه قدرة على شفاء الأمراض العصبية والعقلية؛ لذا كان المرضى يُؤخذون إلى ديره أو مغارته ويُربطون بسلاسل حديدية طلباً للشفاء.
- عيد الشيخ معشوق: يُحتفل به في منتصف تموز في مدينة صور اللبنانية، وهو تقليد قديم يُعتقد أنه مرتبط بأسطورة أدونيس التاريخية أيضا.
الأعمال الزراعية في تموز
يُعتبر تموز شهراً محورياً في إنتاج الحبوب والفاكهة، ويرتبط تموز بباكورة نضج القمح، والعنب، والتين. وفيه تبدأ بشائر نضج الصبّار، ويُقطف اللوز، وتظهر الفواكه كـ (البرقوق، الدراق، التفاح، الإجاص، والدافور). وتتوزع أعماله كالتالي:
- الحصاد والدراسة: تستمر أعمال حصاد القمح (خاصة في الجبال التي يتأخر حصادها)، وتكون البيادر في ذروة نشاطها للدراسة، والتذرية، والِكربلة.
- تخزين الحبوب: يُعد تموز وآب الوقت الأساسي لتخزين مكيال القمح والخبز لمؤونة السنة، والشعير والتبن للحيوانات.
- القطاني والخضروات: يتم حصاد الحمص والعدس، وتنضج الخضار الصيفية (البامية، الباذنجان، اللوبياء، الشمندر، البندورة، الفقوس، والقرع).
- العناية بالكروم: يبدأ الفلاحون في الأسبوع الأول من الشهر بـ "تغطية قطوف العنب" بأكياس ورقية لحمايتها من الندى المسبب للتعفن، ومن الطيور والحشرات.
أمثال شعبية فلسطينية عن شهر تموز
- "في تموز اقطع الكوز" أو "في تموز بِتدور المَيّ بالكوز" وأيضاً "في تموز بصير الصبر قد الكوز": والكوز هنا ثمرة الصبار، ودوران الماء فيه كناية عن نضجه وحلاوته.
- "في تموز بتغلى المي في الكوز": أي تسخن مياه الشرب داخل الإناء الفخاري (الكوز)، ولذا كان الفلاح يدفن "الزير" في حفرة بالأرض ويلفه بالخيش المبلل لتبريد الماء.
- "تموز بينشّف مية العجوز" / "عطشة العنوز بشهر تموز" / "تموز قلاّع الغروز" (أوتاد الخيمة من شدة جفاف الأرض).
- "شهوة عجوز بتموز": يُضرب حين يطلب شخص ما هو غير موجود.
- "في تموز بتدفا العجوز": دلالة على شدة الحرارة واختفاء أي برد.
- "في تموز ذري ولو على دقن صاحبك": حثّ على استغلال نسمة الهواء لدرْس الحبوب وتذريتها، ويُكمله المثل: "إن مرَّ آب وما ذريت عدك بالهوا انغريت"، تحذيراً من أن أي تأخير حتى نهاية آب يسبب خسارة المحصول.
- "جيبهم بتموز ولفهم بالفرو"، ويُضرب هذا المثل للأشخاص الذين يتباهون بالقيام بأعمال عظيمة في غير وقتها أو يدّعون فعل ما لا يفعلون.
هكذا يتجلى تموز في الوجدان الفلسطيني؛ لوحةً تراثية نابضة بالحياة، تلتقي فيها قسوة الطقس مع وفرة الطبيعة وسخائها. لقد نجح الأجداد عبر منظومة الأمثال الشعبية والتنبؤات الفلكية والمواسم الدينية في ترويض لهيب "القيظ"، وتحويله من فضاء للجفاف إلى موسم للبهجة، والنقاهة، ولمّ شمل العائلات في فضاء الكروم المفتوح. إن توثيق هذه التفاصيل هو استحضار لذاكرة الأرض وثقافة الاكتفاء الذاتي التي صاغت شخصية الفلاح وسيد نفسه؛ لتظل حكاية تموز، شهر العنب والتين، تتجدد مع كل قطرة ندى تغازل المقاثي، ومع كل كوز صبر ينضج على حواف الذاكرة الفلسطينية التي لا تشيخ.
الكلمات المفتاحية
المقاثي والزراعة البعليّة في التراث الفلسطيني: عبقرية الفلاح في ترويض جفاف الصيف
جسدت المقاثي أسمى صور التضامن الاجتماعي وعادة التهادي؛ ففي ساعات الصباح الباكر وبعد جني الثمار الندّية، كان الفلاحون يضعون أظرفاً أو سلالاً صغيرة تضم البندورة البلدية والفقوس والكوسا خلف أبواب الأقارب والجيران والفقراء
لُقّب بـ"أحمد الياباني".. وفاة المناضل الأممي كوزو أوكاموتو
بعد تحرره، روى أوكاموتو أن الإسرائيليين كانوا يجبرونه على تناول الطعام بفمه ويداه مكبلتان من الخلف "مثل الكلاب"
طقوس كيل وتخزين الحبوب في الذاكرة الفلسطينية
لم يكن البيدر الفلسطيني مجرد مساحة لجمع الغلال وسداد ديون العام، بل كان فضاءً روحيّاً واقتصاديّاً تُحرس فيه لقمة العيش بمزيج من الفلكلور واليقين
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب