ultracheck
قول

توني بلير وارتباك هندسة "اليوم التالي" لغزّة

9 ديسمبر 2025
توني بلير وارتباك هندسة "اليوم التالي" لغزّة
سفيان نايف الشوربجي
سفيان نايف الشوربجيصحفي من غزة

في تطور سياسي لافت يعكس تعقيد المشهد المرتبط بخطة "اليوم التالي" الخاصة بقطاع غزة، كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية غريبة أن الإدارة الأميركية قررت استبعاد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير من التشكيلة الأولية لـ"مجلس السلام" المقترح للإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وذلك عقب اعتراضات عربية وإسلامية واسعة على إدراج اسمه ضمن الهيكل المتوقع للإدارة الدولية المؤقتة.

وكانت الخطة الأميركية، التي تُعدّ جزءًا من مبادرة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتتضمن نحو عشرين بندًا لإعادة إعمار القطاع وإعادته إلى مسارٍ إداري مستقر، قد اقترحت إنشاء مجلس دولي يتولى الإشراف على الإعمار، إلى جانب قوة دولية لحفظ الأمن، ولجنة تقنية فلسطينية تشرف على الشؤون اليومية، غير أن إدراج أسماء شخصيات دولية، وفي مقدمتها بلير، أثار جدلاً حول شرعية الإشراف الخارجي على غزة وملاءمة بعض الأسماء المطروحة للسياق السياسي والإنساني المحلي.

المجلس المزمع تشكيله سيبقى مشروعًا محفوفًا بالتحديات ما لم يحصل على شرعية فلسطينية وإقليمية واضحة

وبرز توني بلير ضمن قائمة الشخصيات الأكثر إثارة للاعتراض، ليس فقط لدوره السابق كمبعوث للجنة الرباعية الدولية، بل أيضًا لارتباط اسمه بدعم الغزو الأميركي–البريطاني للعراق عام 2003، وهو إرث سياسي لا يزال يُلقي بظلال ثقيلة على علاقته مع الرأي العام العربي والإسلامي، وقد رأت عواصم عربية عدة أن وجوده داخل المجلس "سيُحدث شرخًا واسعًا في جدار الثقة" ويقوّض أي محاولة لحشد دعم إقليمي لخطة إدارة غزة بعد الحرب.

وفي رسالة سياسية واضحة، أكدت الدول العربية والإسلامية المعترضة أنها ترفض التعامل مع "مجلس" يُصاغ بشكل ثنائي بين واشنطن وتل أبيب، وأن أي إطار دولي يتولى إدارة غزة يجب أن يحظى بقبول محلي وإقليمي، وأن يضم شخصيات غير مثيرة للانقسام والجدل ولا تستحضر ماضياً متوتراً في المنطقة.

وبالتوازي مع ذلك، تشير معلومات دبلوماسية إلى احتمال نقل بلير إلى دورٍ استشاري أو لجنة تنفيذية أصغر داخل إطار "اليوم التالي"، في محاولة أميركية للحفاظ على خبراته دون الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة مع العالم العربي.

جاءت ترسيبات الاستبعاد بينما تنتقل واشنطن إلى "المرحلة الثانية" من خطتها، حيث أجرت خلال الأيام الأخيرة مباحثات مكثفة مع السلطة الفلسطينية حول تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية خلال الفترة الانتقالية، على أن يتم ذلك ضمن صيغة توازن بين الإشراف الدولي والشراكة الفلسطينية، بما يمنع الفراغ الإداري من جهة ويُجنب العودة إلى سيناريوهات ما قبل الحرب من جهة أخرى.

لكن هذا التوجّه يصطدم مباشرة بالمطالب الإسرائيلية، التي تضع شروطًا تُعدّ الأكثر تعقيدًا في الملف، ومن بينها: نزع السلاح الكامل في غزة، إنهاء صفة اللاجئ عن مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتفكيك مخيمات اللاجئين أو إعادة هيكلتها ضمن ترتيبات جديدة.

هذه الشروط المثيرة للجدل تحولت إلى محور خلاف كبير بين إسرائيل وعدة أطراف دولية وعربية، وسط تحذيرات من أن فرضها دون تسوية سياسية شاملة سيؤدي إلى تغييرات ديمغرافية عميقة، ويواجه رفضًا فلسطينيًا واسعًا يمكن أن يهدد استقرار المرحلة الانتقالية وينسفها برمتها.

رغم الأهمية الرمزية لاستبعاد بلير، إلا أنه لا يعالج الإشكال الأساسي الذي يواجهه مشروع "مجلس السلام": وهو غياب ثقة فلسطينية وإقليمية بخطة تُدار من الخارج وتُطرح بمعزل عن توافق دولي واضح، كما يكشف القرار عن تصدعات مبكرة في بنية التحالف الدولي الراغب في إدارة غزة، وعن ارتباك ملموس في صياغة الرؤية الأمريكية لمستقبل القطاع في ظل تضارب المصالح بين واشنطن وتل أبيب والعواصم العربية.

وتشير التقديرات إلى أن المجلس المزمع تشكيله سيبقى مشروعًا محفوفًا بالتحديات ما لم يحصل على شرعية فلسطينية وإقليمية واضحة، مقرونة بمسار سياسي يضمن ألا تتحول الإدارة الانتقالية إلى صيغة دائمة أو أحادية الجانب.

استبعاد توني بلير يبدو خطوة اضطرارية لتهدئة اعتراضات إقليمية واسعة، لكنه في الوقت نفسه يُعد أول مؤشر علني على هشاشة الهيكل العام لخطة «اليوم التالي». ويبقى السؤال: هل تتمكّن واشنطن من هندسة إطارٍ يحظى بقبول عربي وفلسطيني، أم أن التصدعات المبكرة ستتعمّق عند أول اختبار عملي على الأرض؟

الإجابة ستتكشف مع الإعلان المرتقب عن تركيبة "مجلس السلام" في الأسابيع المقبلة، ومع قدرة الولايات المتحدة على تحقيق توازن دقيق بين مطالب الدول العربية، وشروط إسرائيل، واحتياجات الفلسطينيين الذين يقفون في صلب المشهد ويمتلكون مفتاح الشرعية لأي خطة مقبلة.

الكلمات المفتاحية

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزةلقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة

لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام


الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي

تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص


أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد الطوفان أ

أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة

تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي


نهاية عام

نهاية عام.. حروب نتنياهو ممتدة

يترقب العالم بداية عام جديد، بينما ما يمكن ترقبه في المنطقة، نهاية العام، الذي يُختم في لقاء ترامب ونتنياهو، وما يحمله من ملفات مفتوحة أو تركت مفتوحة حتى اللقاء، بينما لا تبدو النهايات فاصلًا بين مرحلتين، بل امتدادًا لمسار واحد من التصعيد الإسرائيلي القائم

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
مقابلات

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟

عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيلة "مجلس السلام" لغزة ويعين قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
أخبار

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"

جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية


القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
تقارير

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟

لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
تقارير

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة

انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

الأكثر قراءة

1
راصد

نيكولاي ملادينوف: من المساهمة في إدارة الصراع إلى "مجلس السلام" لغزة


2
تقارير

المجلس الثوري لفتح يحدد موعد المؤتمر الثامن: محطة مفصلية أم استمرار للحالة القائمة؟


3
راصد

الطابو الإسرائيلي الجديد: نكبة صامتة وتمهيد لمصادرة نحو 70% من أراضي مناطق "ج"


4
تقارير

إبادة المستقبل.. كيف تصنع "إسرائيل" جيلًا مشوهًا في غزة؟


5
راصد

فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق "ب" في الضفة: ملف صحراء القدس