جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو
14 سبتمبر 2026
في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 1993، وقف ياسر عرفات وإسحق رابين في حديقة البيت الأبيض، وبينهما الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ليوقعا إعلان المبادئ الذي دخل التاريخ باسم "اتفاق أوسلو". يومها، لم يكن الفلسطينيون ينظرون إلى الاتفاق بوصفه نصا قانونيا مليئا بالتفاصيل والالتباسات، بل بوصفه بداية طريق يفترض أن ينتهي بالدولة. كانت هناك مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، وبعدها يفترض أن تبدأ ملامح الحل النهائي بالظهور: القدس، والحدود، واللاجئون، والمستوطنات، والسيادة.
مضت السنوات الخمس، ثم عشر، ثم عشرون، وها نحن اليوم، بعد ثلاثة وثلاثين عاما، نقف أمام السؤال الذي حاولنا طويلا تأجيله: ماذا بقي من أوسلو، وماذا بقي من الدولة التي قيل إنها أصبحت على مرمى حجر؟
لا يحتاج الفلسطيني اليوم إلى خبير في القانون الدولي كي يجيب. يكفي أن ينظر من نافذة بيته، أو أن يحاول الانتقال من مدينة في الضفة الغربية إلى أخرى، أو أن يتأمل خارطة الاستيطان، أو صور غزة المدمرة، أو حال السلطة الفلسطينية، حتى يدرك حجم المسافة بين وعود أيلول 1993 وواقع أيلول 2026.
الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي. لم تعد المشكلة متى ستقوم الدولة، بل ما إذا كان قد بقي على الأرض ما يكفي لإقامة دولة متصلة وقابلة للحياة أصلا.
عندما وُقع اتفاق أوسلو، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية أقل بكثير مما هو عليه اليوم. أما الآن فقد تجاوز عددهم في الضفة وحدها، من دون القدس الشرقية، نصف مليون مستوطن، يضاف إليهم أكثر من مئتي ألف في القدس الشرقية. المستوطنات لم تعد نقاطا متناثرة يمكن التعامل معها في مفاوضات نهائية، بل أصبحت كتلا ومدنا وشبكة طرق ومناطق نفوذ وبنية تحتية كاملة تعيد رسم جغرافية الضفة الغربية.
والمفارقة أن كل ذلك حدث تحت سقف "عملية السلام". كنا نتفاوض على الأرض بينما كانت إسرائيل تغير الأرض التي نتفاوض عليها. وفي الوقت الذي كان فيه الفلسطيني ينتظر الدولة، كانت الجرافة الإسرائيلية ترسم حدود واقع آخر.
الضفة الغربية نفسها تحولت إلى أرخبيل من المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، تفصل بينها المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز والبوابات العسكرية. وقد أحصت الأمم المتحدة في ربيع هذا العام 925 عائقا أمام الحركة في الضفة بما فيها القدس الشرقية. لم يعد التنقل داخل الوطن حقا طبيعيا، بل رحلة تخضع لمزاج الحاجز والبوابة والجندي والقرار العسكري.
وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات أوسلو مرارة: الفلسطيني يحمل بطاقة هوية صادرة عن سلطة فلسطينية، ويقود سيارة تحمل لوحة فلسطينية، ويدفع الضرائب لسلطة فلسطينية، لكنه لا يستطيع الانتقال بحرية من مدينة فلسطينية إلى أخرى. لدينا مظاهر السلطة، لكننا نفتقد جوهر السيادة.
ثم نأتي إلى السلطة الفلسطينية نفسها. كان يفترض أن تكون السلطة ترتيبا انتقاليا لخمس سنوات، جسرا نعبر فوقه من الاحتلال إلى الدولة. لكن الجسر تحول إلى مكان إقامة دائمة. لا نحن عدنا حركة تحرر وطني كما كنا، ولا أصبحنا دولة كما وعدنا.
والأخطر أن السلطة، بدلا من أن تتطور إلى نموذج للدولة الديمقراطية التي نريدها، تراجعت مؤسساتها السياسية بصورة خطيرة. لا مجلس تشريعيا منتخبا وفاعلا يراقب الحكومة ويحاسبها، والانتخابات الرئاسية لم تجر منذ عقدين، والسلطات تركزت بصورة غير مسبوقة في يد الرئيس، فيما أصبحت المراسيم بديلا عن التشريع الطبيعي، وتراجعت الرقابة والمساءلة، واتسعت شكاوى المواطنين من الفساد والمحسوبية والامتيازات.
لقد طالبنا العالم طويلا بدولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة، لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: أي دولة نبني نحن داخل المساحة المحدودة المتاحة لنا؟ كيف يمكن مطالبة الاحتلال باحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بينما يجري تعطيل حق الفلسطيني نفسه في اختيار ممثليه ومحاسبة حكامه؟
أما الاقتصاد، الذي قيل لنا إنه سيكون أحد "ثمار السلام"، فقد تحول بدوره إلى أحد أكثر عناصر الأزمة قسوة. اقتصاد تابع ومقيد، خزينة تعيش أزمات متلاحقة، موظفون ينتظرون رواتبهم كاملة فلا تأتي، بطالة مرتفعة، فقر يتسع، وغلاء يلتهم دخول الأسر. والمواطن يدفع الضرائب والرسوم، لكنه لا يرى في المقابل دولة ولا خدمات تتناسب مع ما يدفع ولا أفقا اقتصاديا مستقرا.
ثم جاءت غزة لتضع أمامنا أكثر صفحات جردة الحساب دموية. ما تعرض له القطاع خلال الحرب الإسرائيلية لا يمكن اختزاله في أرقام، مهما كانت الأرقام مفزعة. عشرات الآلاف من الضحايا، عائلات محيت أو تشتت، أحياء كاملة تحولت إلى ركام، بيوت ومدارس وجامعات ومستشفيات ومنشآت اقتصادية وبنية تحتية دمرت أو تضررت. وتشير تقديرات دولية إلى عشرات المليارات من الدولارات من الأضرار والخسائر، وإلى تراجع التنمية البشرية في القطاع عقودا إلى الوراء.
غزة اليوم ليست فقط مأساة إنسانية هائلة؛ إنها أيضا شهادة دامية على أين وصلت القضية الفلسطينية بعد ثلاثة وثلاثين عاما من اليوم الذي اعتقد فيه البعض أن الصراع دخل طريق الحل.
ولا تكتمل جردة الحساب من دون ذكر الانقسام الفلسطيني. منذ عام 2007 أصبح لدينا واقع سياسي منقسم بين الضفة وغزة، وسلطتان ونظامان ومؤسسات متصارعة. وإذا كانت إسرائيل تتحمل المسؤولية الأساسية عن الاحتلال والاستيطان والحرب، فإن ذلك لا يعفينا من مسؤوليتنا عن هذا الانقسام وعن العجز المخجل عن إنهائه طوال هذه السنوات. لا يستطيع شعب يخوض معركة تحرر وطني أن يبقى منقسما على نفسه إلى ما لا نهاية.
جيل كامل ولد بعد أوسلو. من ولد عام 1993 أصبح اليوم في الثالثة والثلاثين. كبر وهو يسمع الكلمات نفسها: الدولة قريبة، المفاوضات ستستأنف، المجتمع الدولي لن يسمح، حل الدولتين هو الخيار الوحيد، والمرحلة المقبلة ستكون حاسمة. تزوج بعض أبناء هذا الجيل وأنجبوا أطفالا، ولا تزال "المرحلة الانتقالية" مستمرة!
لهذا فإن جردة حساب أوسلو لا ينبغي أن تكون مناسبة لشتم الماضي ولا لتوزيع صكوك الخيانة والوطنية. فالقرارات السياسية تقاس أيضا بظروف زمنها، ومن السهل بعد ثلاثة عقود الادعاء بأن الجميع كانوا يعرفون ما سيحدث. لكن ما لا يمكن قبوله هو الاستمرار في السياسة نفسها بعدما أصبحت نتائجها أمام أعيننا.
المشكلة اليوم ليست فقط أن أوسلو فشل في الوصول إلى الدولة. المشكلة أن البنية التي نشأت عنه أصبحت، في كثير من جوانبها، بديلا من الدولة نفسها: سلطة بلا سيادة، ومفاوضات بلا نهاية، واحتلال بلا كلفة سياسية كافية، واستيطان يلتهم الأرض، ومجتمع دولي يكرر تمسكه بحل الدولتين فيما تتآكل يوميا الأرض التي يفترض أن تقوم عليها إحدى هاتين الدولتين.
ثلاثة وثلاثون عاما مدة كافية لإجراء جردة حساب بلا مجاملات. كان الهدف دولة مستقلة، فابتعدت الدولة. كان المطلوب إنهاء الاحتلال، فبقي الاحتلال. كان يفترض وقف الاستيطان، فتضاعف مرات عدة. كان يفترض بناء نظام ديمقراطي، فتآكلت المؤسسات وغابت الانتخابات سنوات طويلة. كان الوعد بازدهار اقتصادي، فإذا بالمواطن يواجه البطالة والفقر والرواتب المنقوصة. وكان السلام هو العنوان الكبير، فإذا بغزة تعيش واحدة من أكثر الحروب دموية ودمارا في تاريخ الشعب الفلسطيني.
بعد ثلاثة وثلاثين عاما، لم يعد السؤال المفيد: من كان مع أوسلو ومن كان ضده؟ السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الفلسطينيون، قيادة وفصائل ومجتمعا، هو: ماذا بعد أوسلو؟ فحين يصل طريق ما إلى نهايته، لا يكفي أن نغير سرعة السير فيه، ولا أن نعيد طلاء اللافتات القديمة، ولا أن نعلن للمرة الألف أن الدولة أصبحت قريبة. وعلينا أن نمتلك الشجاعة لنقول إن الطريق نفسه يحتاج إلى مراجعة.
وأول خطوة في أي طريق جديد هي إعادة السياسة إلى الشعب: انتخابات حقيقية، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية، وصياغة استراتيجية وطنية تعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال والعالم، بدلا من إدارة الوضع القائم وانتظار معجزة دبلوماسية لم تأت طوال ثلاثة وثلاثين عاما.
في 13 أيلول 1993 صافح عرفات رابين أمام العالم، وكان "الأمل" أن تكون تلك المصافحة بداية العد التنازلي للاحتلال. وبعد ثلاثة وثلاثين عاما، اكتشفنا أن الذي كان يجري عليه العد التنازلي، في أحيان كثيرة، هو الأرض الفلسطينية نفسها. وهذه ربما تكون أقسى خلاصة في جردة حساب أوسلو.
الكلمات المفتاحية
حين احتضنت قونية فلسطين
عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار
السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم
حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم
مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية
عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"
تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية
حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها
مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة